الابستمي والعلم الصحيح
المؤلف:
د. عبد القادر بشته
المصدر:
الأبستمولوجيا مثال فلسفة الفيزياء النيوتونية
الجزء والصفحة:
ص12
2026-06-08
92
لكن المعرفة الحقيقية التي تستحق الاعتناء نظراً لصلابتها ودقتها وللخير الجزيل الذي تدره على البشرية أصبحت العلم الصحيح، وذلك فيما نعلم انطلاقا من القرن الثامن عشر حين أكد كانط أن المعارف الميتافيزيقية غير مجدية وغير مفيدة وأنه من الضروري أن تأخذ المعرفة البشرية شكلاً علمياً ممثلاً حسب هذا الفيلسوف في النسق النيوتوني. هذا وقد كتب كانط كتابه الشهير نقد العقل الخالص تحت تأثير هذه الفكرة بالذات، فنقد الفكر الميتافيزيقي المتعالي على التجربة الحسية وبين أن الفكر البشري مطالب بملازمة حدوده التجريبية وجاء كتابه التبسيطي موضحاً ومفسراً لهذه النظرية. إذ إن عنوان هذا المؤلف يدل وحده على نية كانط فقد اختار هذا الفيلسوف لكتابه العنوان التالي: مقدمة لكل ميتافيزيقا مستقبلية تأخذ شكل العلم.
وإننا لنجد عند أوجست كونت تأكيداً أكثر وضوحاً وتبسيطاً على هذا الصعيد. فقد بين هذا المفكر الفرنسي مثلاً أن الفكر البشري مر بثلاث مراحل هي الفكر اللاهوتي والفكر الميتافيزيقي والفكر الوضعي الممثل لنضج الفكر عند الإنسان الذي أصبح ينشد الدقة والفائدة والوضعية ترادف عند كونت العلم كما يتجلّى في الفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة. وانطلاقاً من اقتناعه بضرورة المعرفة العلمية كما نفهمها اليوم وضع اوجست كونت علما جديداً هو الفيزياء الاجتماعية أو علم الاجتماع. وأكد على ضرورة اتباع علمه الجديد للأساليب العلمية المستخدمة في الفيزياء الرياضية.
وسار الوضعيون المحدثون على هدي سلفهم الفرنسي على كل حال في هذا المجال. فلا معرفة حقيقية بالنسبة إلى كارناب ورايشنباخ مثلاً غير العلم الصحيح: لذلك كان تفكيرهم في المعرفة هو تنظير للعلم كما نفهمه اليوم. هذا والجدير بالتذكير أن الوضعية الجديدة قد ترعرعت في كمبردج بعدما ولدت في فيينا. ونحن نعتقد أن هذه الملاحظة من شأنها أن تحد من قيمة الربط الموجود في اللغة الانكليزية بين المعرفة والابستمولوجيا.
يمكن إذن في نهاية الأمر أن نؤيد الاتجاه الفرنسي العام الذي يجعل من العلم الصحيح موضوعاً للابستمولوجيا. فتتحدث عن ابستمولوجيا الرياضيات وابستمولوجيا العلوم الطبيعية وابستمولوجيا العلوم الإنسانية ... خاصة وأن هذا المعنى يبرره عنصر هام في الحضارة الانكليزية متمثل في الوضعية الجديدة. زد على ذلك فإن هذه النتيجة لا تخرجنا من الإطار اليوناني الذي عرف ميلاد كلمة «أبستمي»، فاليونانيون لا يخرجون من ميدان المعرفة ما نسميه اليوم بالعلم الصحيح. فقد كان علم الفلك والعلم الرياضي من العلوم المزدهرة في ذلك الوقت. ومهما يكن من أمر فسنيين في وقت لاحق علاقات الابستمولوجيا بنظرية المعرفة.
موضوع الابستمولوجيا إذن هو العلم الصحيح ومن الضروري أن نحدد العلم وأن ننفذ إلى جوهره حتى نفهم أكثر حدود مجال الابستمولوجيا.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الفيزياء وفلسفة العلم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة