الأثر المالي لغياب الحساب الختامي في تحقيق التنويع الاقتصادي
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص 280-284
2026-06-10
40
إن العائدات النفطية والدخول المتأتية عن بيعها تعد موارد طبيعية ناضبة ومن اجل الحفاظ عليها ينبغي أن يوجه إنفاقها في أصول رأسمالية منتجة كالمشاريع التنموية والاستثمارية، ومن ثم فأن العائدات النفطية تعد دخلاً رأسمالياً وليس جارياً فلابد من أن يُستثمر ويُستغل في بناء أرصدة منتجة مستدامة تعود بالنفع للأجيال الحالية والقادمة (1).
فالواقع العملي يُشير الى عدم قيام حكومة الإقليم بتسليم الإيرادات النفطية الى الحكومة الاتحادية، وكما جاء في قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم صحة القرارات الصادرة من مجلس الوزراء بصرف رواتب موظفي اقلیم کردستان (2)، فضلاً عن التنازع بين وزارة المالية الاتحادية وبين حكومة إقليم كوردستان العراق بشأن الإيرادات غير النفطية، والذي ترتب عليه عدم قيام وزارة المالية الاتحادية بصرف رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام في الإقليم الا بعد قيام حكومة الإقليم بتسليم الإيرادات غير النفطية وترى الباحثة أن هذه الخروقات تمثل مخالفة دستورية لعبارة الواردة في "الدستور" تخصص للاقاليم والمحافظات حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً (3) مما يؤدي الى إلحاق الضرر للأجيال الحالية والقادمة ومخالف أيضاً لمفهوم التنويع الاقتصادي.
وتجدر الإشارة الى أن الأثر المالي لاعتماد الموازنة العامة في الإيرادات النفطية بصورة كاملة وعدم تنوع في مصادر ايراداتها أدى الى تأخر في إقرارها، إذ كلما تغيرت أسعار النفط يتم إعادة في تقديرات الموازنة العامة وتعاد من مجلس النواب العراقي الى الحكومة لغرض إعادة النظر فيها (4).
ويظهر دور الحساب الختامي في الرقابة على الإيرادات النفطية وغير النفطية للحد من استغلال أو الاستبداد المالي، إذ يضمن الحساب الختامي حماية المال العام واستدامته للأجيال الحالية والقادمة، وهذا ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا في قرارها والذي قضت فيه " ان الحماية القانونية للاموال العامة في الدولة تعتبر من اهم الموضوعات التي تعمل على تحسين وتطوير الكيان الاقتصادي للدولة...(5).
هذا وان الأثر المالي لغياب الحساب الختامي يؤدي الى عدم معرفة هل الإيرادات النفطية وغير النفطية تم توجيهها للنفقات الاستثمارية بكشف بالمشاريع الاستثمارية ونسب الإنجاز المالي موزعة قطاعياً، وجغرافياً، وادارياً؟ (6) وما هي المبالغ غير المسددة عن العقود الاستثمارية ؟ (7) وما هي الاستقطاعات المستحقة عن العقود ؟ (8) وما هي الاعتمادات وخطابات الضمان التي رصدت لها الأموال ولم يتم تسليم السلع والبضائع والخدمات الخارجية الخاصة بها؟ (9) وما هي مقدار ارباح المشاركات الدولية ؟ (10) وهذه التساؤلات المذكورة جميعها آنفاً يبينها الحساب الختامي ضمن كشوفات تعد على وفق المعايير المحاسبية المحلية والدولية (11).
وبالرجوع الى قانون الموازنة العامة نجد الاستمرار الإدارة المالية بعملية الاقتراض من دون تحديد مشروع الذي سيتم الانفاق عليه (12) وهو مخالف لما جاء به المنهاج الوزاري الذي نص على " اعتماد رؤية حاكمة في حصر الاقتراض الخارجي للمشاريع الاستثمارية او الخدمية وتتحمل الجهة الحكومية المالكة للمشروع مسؤولية سداد القرض من ايراد المشروع المقترض لحسابه دون تحميل خزينة الدولة عبء السداد (13) ، كما أن الواقع العملي يُشير الى قيام الادارة المالية في الأزمة المالية التي تعرض اليها العراق في سنة 2020 الى اقتراح قانون الاقتراض المحلي والخارجي لتغطية النفقات، إذ ورد في الأسباب الموجبة لقانون على أنه نظراً لتأخر ارسال الموازنة العامة الاتحادية لعام 2020 وانتشار جائحة كورونا في العالم وتراجع أسعار النفط الخام بشكل كبير تواجه الحكومة العراقية صعوبة في تمويل الانفاق العام ومن اجل تسهيل تمويل النفقات الضرورية (14) وخُصص قانون الاقتراض المحلي والخارجي الجزء الأكبر من القروض تصرف الى النفقات التشغيلية من رواتب ومخصصات الموظفين بصورة عامة والموظفين المعينين الجدد والعقود والمحاضرين، كما أن عدم إقرار الموازنة العامة يؤثر في تقليل حجم الايرادات العامة، اذ لا تتمكن الادارة المالية من تنفيذ الضرائب والرسوم الجديدة في مشروع الموازنة العامة، لأن من المعلوم أن فرض الضرائب والرسوم أو أية تكاليف مالية أخرى لابد من اجازتها او اعتمادها من لدن البرلمان (15) وقد اشرنا آنفاً الى حدوث أزمة مالية في العراق في سنة 2020 بسبب انخفاض في اسعار النفط، وعدم إقرار الموازنة العامة للدولة الأمر الذي ادى الى تحقيق عجز مالي وعدم استطاعة الادارة المالية مواجهته الا بصدور قانون الاقتراض المحلي والخارجي وتخويل وزير المالية الاتحادي صلاحية الاقتراض محلياً وخارجياً من اصدار حولات الخزينة والسندات والقروض المحلية (16) ، فصلاحية الادارة المالية لم تقتصر على الاقتراض المحلي فقط بل شمل ذلك الاقتراض الخارجي وذلك تحسباً من عدم قدرة الاقتراض المحلي على تغطية وتمويل العجز المالي.
أما الأثر المالي لغياب الحساب الختامي فيؤدي الى عدم معرفة اجمالي الدين الخارجي والداخلي وقروض الحكومة الاتحادية للسنة المالية جميعها (17)، فضلاً عن القروض والضمانات الصادرة عن الإقليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم كافة (18) ، وان الواقع العملي يشير الى وجود مخالفات مالية وردت في تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي عن الحساب الختامي المدقق من لدنه لسنة المالية 2015 غير المصادق عليه من مجلس النواب العراقي، نوردها على النحو الآتي(19):
1. عدم تسديد الشركات العامة حصة الخزينة من الأرباح التي تحققهـا للمـدة (من 2003 الى 2015)، خلافاً لقانون الشركات العامة المعدل الذي نص على " يتم توزيع الربح ... وفق النسب الاتية : (45%) خمس وأربعين من المئة للخزينة العامة (20).
2. بلغت الإيرادات المتحصلة من الضرائب والرسوم نسبة (11%) من اجمالي الإيرادات الفعلية مما يُشير الى تدني هذه الإيرادات، وعدم الاهتمام والمتابعة الجدية لهذا النوع من ايرادات غير نفطية.
نستنتج مما تقدم، أن تقديم الحساب الختامي وإقراره يؤدي الى تحصيل الإيرادات سواءاً على المستوى الاتحاد والاقليم لما لها من أهمية في التنويع الاقتصادي، وإن أي مخالفة مالية تصيب الموازنة العامة ما هو الا نتيجة غياب الحساب الختامي والذي يؤدي الى آثار سلبية في المالية العامة ويجعلها غير مستدامة، ومن هذه الاثار : خرق لمبدأ نهائية الايراد للخزينة العامة سواء الإيرادات النفطية أم غير النفطية، وهدر في المال العام والثروات الطبيعية وتبديدها، وانعدام التنمية وتراجع النمو الاقتصادي، وزيادة نسبة العجز عن 3% وزيادة نسبة المديونية عن 60% وإنتشار ظاهرة الفساد المالي.
____________
1- ينظر: حسین رشید جاسم ود احمد فاضل حسين الاقتراض الحكومي واثاره في حقوق الأجيال القادمة بحث منشور في مجلة القانون والعلوم السياسية كلية القانون والعلوم السياسية جامعة ديالي، المجلد الحادي عشر، العدد الثاني الجزء الثاني ، 2022 ، ص 659.
2- أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها رقم (170/ اتحادية /2022) في 2023/1/25 ، اذ استند المدعي في دعواه أن القرارات الصادرة من مجلس الوزراء بصرف رواتب موظفي اقليم كردستان لم تستند الى اي نص قانوني وانها خالفت احكام المادة (11) من قانون الموازنة العامة الاتحادية رقم (23) لسنة 2021 والمتضمنة تلتزم الحكومة الاتحادية بتسديد مستحقات اقلیم کردستان الواردة في هذا القانون مقابل التزام حكومة اقليم کردستان تسليم الواردات النفطية بمعدل (250) الف برميل يومياً الى الحكومة الاتحادية بسعر شركة سومو، منشور على الموقع الرسمي الالكتروني للمحكمة http://www.iraqijudicature.org، تاريخ زيارة الموقع 2025/1/30.
3- المادة (121 / ثالثاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
4- ينظر حيدر حسين علي الاختصاصات المالية للسلطة التنفيذية في قانون الإدارة المالية العراقي رقم (6) السنة 2019 النافذ، ط 1 ، مكتبة القانون المقارن ،بغداد، 2022، ص39.
5- قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (17/ اتحادية /2023 في 2023/3/8، منشور على الموقع الرسمي الالكتروني للمحكمة https://www.iraqfsc.iq تاريخ زيارة الموقع 2025/1/19
6- المادة (34/ رابعاً /م) من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل.
7- المادة (34/ رابعا /ح) من القانون نفسه.
8- المادة (34/ رابعاً / ط) من القانون نفسه.
9- المادة (34/ رابعا / ي) من القانون نفسه.
10- المادة (34/ رابعاً/ ك) من القانون نفسه.
11- ينظر: كشف الإقراض رقم (4) وكشف الاقتراض رقم (10) للسنة المالية 2005 و 2006، ضمن كشوفات الحسابات الختامية المصادق عليها والتي سبق الإشارة اليها.
12- ينظر: المحور الأول: القروض المستمرة من المادة (2 / ثانياً) من قانون الموازنة العامة الاتحادية رقم (13) للسنوات المالية (2023-2024-2015).
13- المادة (2) من المحور ثاني عشر : القطاع المالي والمصرفي من المنهاج الوزاري المقدم من رئيس مجلس الوزراء المكلف، تشرين الأول 2022، منشور على الموقع الرسمي الالكتروني للامانة العامة لمجلس الوزراء https://www.cabinet.iq/ar تاريخ زيارة الموقع 2025/2/7.
14- ينظر: الاسباب الموجبة لقانون الاقتراض المحلي والخارجي لتمويل العجز المالي رقم (5) لسنة 2020، منشور في جريدة الوقائع العراقية ذي العدد (4590) في 2020/7/6.
15- ينظر: د محمد عبد الله عربي بك، مبادئ علم المالية العامة والتشريع المالي ، ج 3، (ميزانية الدولة)، بلا ذكر دار النشر، القاهرة ، 1938، ص 81
16- المادة (1/ اولا) من قانون الاقتراض المحلي والخارجي لتمويل العجز المالي رقم (5) لسنة 2020.
17- المادة (34 / رابعاً/د) من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل.
18- المادة (34 / رابعا / ز) من القانون نفسه.
19- ينظر: التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية الاتحادي لسنة ،2022 ، الفصل الثالث، الحساب الختامي لجمهورية العراق لسنة 2015، منشور على الموقع الرسمي الالكتروني للديوان http://fhsa.gov.iq، تاريخ زيارة الموقع 2025/5/20.
20- المادة (11/ رابعاً) قانون الشركات العامة رقم (22) لسنة 1997 ،المعدل، منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد ( 3685 ) في 1997/9/1.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة