موقف القضاء الدستوري العراقي من إقرار مجلس النواب الموازنة دون الحساب الختامي
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص141-143
2026-06-11
56
أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها رقم ( 190 / اتحادية / 2023) في 2023/11/12 بناءً على طعن المقدم من أحد اعضاء البرلمان ضد رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، إذ طلب في الطعن المقدم " الزام مجلس النواب بعدم تشريع قانون الموازنة الاتحادية ما لم يتم تقديم الحسابات الختامية للدولة للسنة السابقة" (1) ونظرت المحكمة الاتحادية العليا الطعن الدستوري بالإجراءات المتخذة من لدن السلطتين التشريعية والتنفيذية الاتحاديتين استناداً للمادة (93 / ثالثاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والتي نصت على الفصل في قضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية ... و الاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية..."، بشأن الحسابات الختامية، وأصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها برد الطعن الدستوري وقد قضت بـ ....الا ان المحكمة لا تجد أي سند دستوري او قانوني للحكم بالزام مجلس النواب بعدم تشريع قانون الموازنة العامة ما لم يتم تقديم الحسابات الختامية للسنة السابقة معها...(2)، ونجد أن القرار أعلاه له بعدين:-
فمن زاوية تجد الباحثة أن المحكمة الاتحادية العليا لم تكن موفقة فيما يتعلق بعدم وجود سند دستوري يلزم مجلس النواب بعدم دستورية تشريع قانون الموازنة الا بعد تقديم الحساب الختامي، فالمادة (62 / اولا) من دستور 2005 وان لم تحدد مدة دستورية حتمية لتقديم الحساب الختامي مع مشروع قانون الموازنة العامة، اذ تؤيد الباحثة ما توجه اليه البعض (3) أن أحكام المادة (62 / أولا) من دستور 2005 فرضت واجباً دستورياً على مجلس الوزراء بتقديم مشروع قانون الموازنة والحساب الختامي وواجب دستوري لمجلس النواب بأقرارهما معاً لارتباطهما ارتباطاً لازماً وهي فلسفة النص عليهما سوية، ومن ثم ان عدم تطبيق احكام المادة (62/اولا) من دستور 2005 تمثل مخالفة دستورية من لدن السلطتين الاتحاديتين التنفيذية والتشريعية، ومخالفة لمبدئي سنوية وشفافية الموازنة العامة بضرورة تقديم الحساب الختامي بصورة سنوية من دون تأخير، وذلك لتفعيل المخالفات المالية الواردة فيه، وملاحقة مرتكبيها ، كما أنه يُخالف فلسفة تقديم الحساب الختامي مع مشروع قانون الموازنة المقدمة الى مجلس النواب في آن واحد، لتمكينه من مقارنة أرقام المقدرة مع أرقام الفعلية، ومن ثم تمكينه من إقرار الموازنة دون تأخيرها. ولكن من زاوية أخرى تجد الباحثة أن قرار المحكمة الاتحادية العليا كان موفقاً ويحسب لها، وذلك للأسباب الاتية :-
1. إن تعليق إقرار الموازنة العامة على تقديم الحساب الختامي يؤدي الى عدم إقرار الموازنة أو التأخر في إقرارها في حالة امتناع ، أو تأخر في تقديم الحساب الختامي، وهو ما يعاني منه العراق لسنوات طويلة جداً، ولاسيما إذ ما علمنا أن آخر حساب ختامي مصادق عليه من مجلس النواب العراقي يعود لموازنة المنفذة لسنة المالية 2011 ، و من ثم عدم تشريع الموازنة لعدم تقديم الحساب الختامي معها يخالف مبدأ سير المرفق العام بانتظام واستمرار، ويؤدي الى تعطيل نشاط الادارة في اشباع الحاجات العامة والضرورية للجمهور، والأمر الذي أكدت عليه المحكمة الاتحادية العليا في قرار آخر لها (4) والذي تضمن .... يمثل المال العام الوسيلة المادية للإدارة للقيام بنشاطها وللمال العام أهمية كبرى اذ يعد العصب الرئيسي للنظام الاقتصادي للدولة ويتوقف على حمايته تحقيق المصلحة العامة من خلال تحقق مبدأ ضمان استمرار المرافق العامة بانتظام واضطراد وهذا ينعكس بصورة كبيرة على رفاهية المجتمعات وتطورها...". 2. إن المحكمة الاتحادية العليا فضلت تشريع الموازنة العامة من دون تقديم الحساب الختامي لحماية مصلحة العليا، والتي تعني ما هو للصالح العام، أي مراعاة مصلحة الجميع، وهو يعد من المفاهيم الحديثة ليسد ما هو سلبي لمفهوم مصلحة الدولة، ولاسيما بعد تحول دور الدولة من حارسة الى متدخلة ثم منتجة (5).
ومن ثم ظهر دور المحكمة الاتحادية العليا في منع تعطيل تشريع الموازنة العامة، الا بعد تقديم الحساب الختامي لكي تحقق المصلحة العليا، والتي تعلو على القانون وهو مبدأ دستوري مستقر وثابت وان لم ينص عليه الدستور.
نستنتج مما تقدم، عدم وجود سند دستوري وقانوني يلزم فيه مجلس النواب العراقي بعدم تشريع قانون الموازنة العامة لسنة المالية المقبلة الا بعد تقديم الحساب الختامي لسنة المالية التي انجز فيها، ومن ثم فأن إقراره لها من دون تقديم لحساب الختامي لا تمثل مخالفة دستورية توجب الطعن بعدم دستورية تشريع الموازنة العامة، ومن ثم أن القضاء الدستوري ليس مجرد قضاء تطبيقياً يقوم بإنزال حكم الدستور بغض النظر عن الأوضاع المحيطة به، ولذلك يحاول القاضي الدستوري التوفيق والموازنة بين الشرعية الدستورية وأعلاء حكم الدستور من ناحية، وبين المحافظة على مصلحة العليا والاستقرار المالي من ناحية أخرى، إذ يحاول إقامة هذا التوازن من الابتكار الحلول لتحقيق الاعتبارين معاً، ويأخذ بالتفسيرات التي توصله الى غرضه.
__________
1- قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (104/اتحادية / (2011) في (2012/1/30، منشور على موقعها الرسمي الالكتروني https://www.iraqfsc.iq/ethadai.php تاريخ زيارة الموقع 2024/5/29 ص 2.
2- المصدر نفسه.
3- ينظر: د. قبس حسن عواد البدراني، الوجيز في قانون المالية العامة، ط 1، مكتبة زين الحقوقية، بيروت، 2018، ، ص 21، وينظر : د. علي يوسف الشكري مبادئ القانون الدستوري والنظام الدستوري في العراق، طه، مكتبة دار السلام القانونية، بيروت، 2018، ص 490.
4 - قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (49) وموحدتها 83 اتحادية 2022 في (2022/9/21، منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4695) في 2022/10/24.
5- ينظر: د. امين عاطف صليبا، مفهوم المصلحة العليا وضوابط تحديدها لعدول المحكمة الاتحادية العليا، مقالة منشورة في مجلة القضاء الدستوري العراقي الصادرة عن المحكمة الاتحادية العليا المجلد الثاني، العدد 1-2، 2024، ص 150.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة