(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)
خلاصة التفسير: كانت النساء في الجاهلية وكذلك الأطفال وكل الذين لا يقدرون على القتال، كانوا محرومين من الإرث، فنزلت هذه الآية الشريفة لتحل محل ذلك التقليد الجاهلي البغيض. وتعود بعض عبارات هذه الآية في وجوب الوصية إلى السنوات المبكرة لظهور الإسلام، وإن كانت الوصية واجبة في بعض الأحيان في عصرنا الحاضر.
ولا يقتصر استحباب الوصية على فترة معينة من عمر الإنسان، أما التقييد الوارد في هذه الآية عند شعور الشخص باليأس من بقائه حيـا والإحساس المعروف بقرب الموت وهو زمان توفّر أسباب وعلل انهيار الحالة الصحية وظهور علامات الموت والأمارات عير الحتمية الدالة عليه كالشيخوخة والضعف العام الذي يصيب الجسد والأمراض المستعصية، هذا التقييد هو تقييد غالب.
وفي الآية الشريفة أعلاه سمّى الله سبحانه مطلق المال الطيب والحلال - لا المال الموجود بالخصوص - بالخير حيث يشير هذا التعبير بصراحة إلى ضرورة أن يكون المال مكتسباً بالطرق المشروعة و استخدامه في الإنفاق الصحيح المؤدّي إلى الخير والبركة.
هذا وقد رغبت الشريعة الإسلامية الفرد المسلم في الإحسان إلى ذوي القربى في حياته والتوصية لهم بعد مماته واعتبرت ذلك من الأفعال الراجحة والأعمال المحمودة والمطلوبة. و{الأَقْرَبِينَ} كلمة تشمل جميع الأرحام، أما ذكر الوالدين (الأب والأم) بشكل منفصل إلى جانب الأقربين فلبيان أهمية هذين الشخصين في موضوع الوصية؛ لأنّ توارثها لا يتعارض مع جواز الوصية لهما بشيء من المال، وذلك لإمكانية أي منهما التنازل عن حقه الذي هو ثلث المال إلى بعض الورثة إلى جانب حصته من الإرث التي يحصل عليها. وكذلك بالإمكان منح الطبقة المحجوبة عن الإرث شيئاً من الثلث المذكور بموجب الوصية، ولذلك طرق مختلفة وأساليب متعددة بحسب الأشخاص والظروف، إلا أنه لا بد من أن تكون الوصية عادلة مثلما تقتضي الضرورة أن يكون أصل المال خيراً وطيباً وحلالاً. وفي كل الحالات لا يجب أن تخرج الوصية ولا مضمونها عن إطار المعروف، أي أن تكون معتبرة ومُعترف بها في ميزان الشريعة بواسطة الدليل العقلي أو النقلي المعتبر.
والوصية حق إلهي يقع على عاتق الأتقياء من الناس ولا ريب في أن قوله تعالى: (عَلَى المُتَّقِينَ) يدل على عظمة أمر الوصية وأهميتها، بحيث لا يُوَفَّق إلى الوصول إلى تلك المنزلة السامية سوى أهل التقوى.
التفسير:
المفردات: خيراً: الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلاً والعدل والفضل والشيء النافع، وضدّه: الشر. وقيل: والخير ضربان خيرٌ مطلق، وهو أن يكون مرغوباً فيه بكل حال وعند كل أحد، وخير وشر مقيدان، وهو أن يكون خيراً لواحد وشر الآخر كالمال الذي ربما يكون خيرا لزيد وشرا لعمرو ولذلك وصفه الله تعالى بالامرين فقال في موضع: (إِن تَرَكَ خَيْرًا[1])، وقال في موضع آخر: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ[2]).
والخير والشر على وجهين: أحدهما أن يكونا اسمين كما تقدم وهو قوله (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [3]). والثاني: أن يكونا وصفين وتقديرهما تقدير (أفعل منه) نحو: هذا خير من ذاك وأفضل وقوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا[4]).
فخير ها هنا يصح أن يكون اسما وأن يكون بمعنى (أفعل[5]).
و(الخير) جمعه والخيار والخيرة في الانثى وجمعها: الخيرات[6].
تذكير: يأتي استخدام الفعل {كتب} بصيغة المذكر مع كون الفاعل[7] (نائب الفاعل) مؤنثا لعدة أمور منها كون التأنيث مجازيا وجواز الوجهين في المصدر وبمعنى إيصاء الوصية ثم وقوع الحائل الذي هو بمنزلة علامة التأنيث خاصة الفاصلة الطويلة بين الفعل والفاعل.
حقا: مفعول مطلق المحذوف (حق) وتقديره هكذا: حق حقا بمعنى ثبت ثبوتا.
نناسب الآيات
رأينا أن هذا المقطع يتألف من فقرتين، وفيه فريضتان: فريضة لها علاقة بالتشريع الجنائي وفريضة لها علاقة بالأموال. وقد ربطت كل من القضيتين بقضية التقوى التي هي عنوان التربية القرآنية العامة ومضمون السياق الرئيسي في سورة البقرة حتى نهاية هذا القسم خاصة. وهذا المقطع جزء من هذا السياق، فهو يبيّن أن من التقوى اتباع الكتاب في موضوع الأنفس وفي موضوع الأموال.
وفي الفقرة السابقة ذُكر أن القصاص عامــل مــن عوامل التقوى في المجتمع الإسلامي، وفي هذه الفقرة أشير إلى أن تطبيق حكم الله في موضوع الوصية والميراث حق على المتقين، فدل ذلك على أن من صفات المتقين الاهتداء بهدى الله في موضوع الوصية والميراث[8].
ولا بد من أن تُقام الوصيّة على أساس العدل والتقوى وهي في هذه الحالة إذا عمل واجب حدّر الله سبحانه من مغبة تبديلها في الآية (181) من سورة البقرة. وربما جارَ الموصي في وصيته على الموصى له لجهل من الأول أو لحاجة في نفسه، لذلك قال سبحانه في الآية (182): (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ[9]). وبعبارة أخرى: لما ورد التهديد والوعيد بالعذاب في الآية (181) على مطلق التبديل في الوصية نزلت الآية الأخيرة لنبين أن تغيير الوصية من الباطل إلى الحق بهدف الإصلاح إنما هو أمر مستحبّ شرعاً[10]، وأما السبيل لإثبات المشروعية في ذلك التبديل فهو العقل البرهاني أو النقل المعتبر.
ومهما يكن من أمر فإن الاية تشير الى بيان حكم المال بعد موت صاحبه ولعل السبب في مجيء هذا البيان مباشرة بعد حكم القصاص هو موضوع موت المقتول وقتل القاتل[11]، والقصاص هو نوع من أنواع الموت[12] وحالة من حالات الاحتضار، ولذلك فإن في مثل هذه الحالات[13]، التي تظهر فيها علامات الموت بشكل واضح فإن المصيبة تعتبر أمرا واجبا ولازما[14].
[5] مفردات الراغب الإصفهاني: 300 - 301، مادة «خير».
[6] التحقيق في كلمات القرآن: 3 / 159، مادة «خير».
[8] الأساس في التفسير: 1 / 407 .
[9] نظم الدرر: 1 / 335 - 336
[10] تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 1 / 490
[11] تفسير التحرير والتنوير: 2/ 144-145
[12] تفسير المنار: 2/ 134
[14] تفسير المنار: 2/ 134