فحوى مخالفة النصوص الدستورية الصريحة
المؤلف:
محمد جبار طالب الموسوي
المصدر:
السياسة القضائية للمحكمة الاتحادية العليا في العراق
الجزء والصفحة:
ص 133-136
2026-06-29
78
ونقصد بالمخالفة هنا مخالفة القانون ، ومخالفة القانون في اللغة هي أرتكاب عمل مضاد له ، والمخالفة هي خلاف المماثلة والتشابه وتشير للتخالف والتباعد ، أو القيام بتصرف يناقض أمر تم تنظيمه أو مع النظام العام (1) .
وعلى مستوى مخالفة الدستور ذهب رأي أنه يُعد انتهاكا للدستور كل فعل ينتج عنه مساساً بوثيقة الدستور وخروجاً عن الحدود الشكلية أو الموضوعية التي رسمتها القواعد الدستورية (2) .
وتظهر مخالفة القانون بصور عدة ، فقد تصدر عن السلطة التشريعية عند مخالفة القانون العادي للدستور ويكون التصدي لها من خلال الطعن بعدم دستوريته أمام القضاء الدستوري ، وقد تصدر عن السلطة التنفيذية عند مخالفة القرارات الادارية للدستور أو القانون العادي ويتم التصدي لها من خلال الطعن بها الغاء امام القضاء الاداري ، وقد تصدر المخالفة أيضا عن المحاكم الادنى عند تطبيقها للقانون ويتم التصدي لها بالطعن أمام المحاكم الأعلى درجة ، وبالتالي يمكن القول أن المخالفة بالصور المبينة اعلاه يمكن التصدي لها وأزالتها بحسب الاختصاص بوصفها عيباً يلحق العمل القانوني .
بيد ان المشكلة تثار ولا يمكن الركون لفرضية أزالة المخالفة عند صدورها عن محكمة تنصف أحكامها بصفة الالزام والبتات ، وهو ما ينطبق على أحكام المحكمة الاتحادية العليا التي نص دستور جمهورية العراق لعام 2005 في المادة ( 94 ) أنها باتة وملزمة للسلطات كافة .
وبما أن الدستور الذي ينشأ عن السلطة المؤسسية ( بكسر السين ) يؤسس للاحكام المنظمة لعمل السلطات المؤسسة ) بفتح السين ( ويبين تكوينها واختصاصاتها التي تمارسها بصورة قوانين أو قرارات أو احكام ، فمن المنطقي أن تلتزم بأحكامه وتكون للدستور الاعلوية على كل ما يصدر عنها من تصرفات (3)
ومخالفة القانون للدستور شكلاً أو موضوعاً تتمثل بالعيب الذي قد . نصا يصيب من نصوص القانون العادي أو الفرعي كلا أو جزءاً نتيجة عدم التزام السلطة التشريعية أو التنفيذية بأحكام الدستور ، ويمكن أن يمتد عدم الالتزام ليشمل مقدمات الدساتير أو المبادئ الدستورية ، وهو ما يضعها أمام الرقابة على الدستورية فيما لو تم الطعن بها ، وقياساً على ذلك فأن مخالفة المحكمة الاتحادية العليا للجانب الشكلي أو الموضوعي لنصوص الدستور عند أصدار أحكامها يضعها أمام أنتهاك للنصوص الدستورية الصريحة وهو خلاف تقيدها بها ... .
وبما أن القضاة هم الأمناء على حسن تطبيق القانون وضمان حماية الحقوق لذا ينبغي ان تكون سلوكياتهم على مستوى الأمانة المودعة لديهم ، أذ يرتب القانون عليهم التزامات المكلفين بتقديم خدمة عامة ، فضلا عن التزامه ببذل العناية الكافية لتجنب الخطأ، وإلا أصبح عرضة للمساءلة التي تعد الأساس الحقيقي للنظام القانوني ، فما قيمة القانون إذا لم يكفل مساءلة المخطئ ، فالدول التي تحترم القانون تخضع الجميع لحكمه ، سواء من أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية أو السلطة القضائية التي هي أولى من غيرها بالخضوع لحكم القانون بوصفها المسؤولة عن تطبيقه (4).
بيد أن مساءلة القضاة بطبيعة الحال تختلف عن مساءلة أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية بسبب طبيعة عملهم وما يجب ان يتمتعوا به استقلال وحياد ، وآلية مساءلتهم عن الأخطاء التي يرتكبونها يجب ان لا تؤدي إلى المساس بهذا الاستقلال والحياد ، وهذه المساءلة عما يرتكبونه من أفعال مخالفة للدستور والقانون وتطبيقها بشكل جدي يساهم في تعزيز ثقة المواطن بالقضاء ، فالمواطن حين يرى معاقبة القاضي لارتكابه ما يخالف الدستور والقانون ستتعزز ثقته بعدالة القضاء ، أما إذا كان القاضي في مأمن من عواقب مخالفته الدستور والقانون لمجرد كونه قاضياً فان ذلك يؤدي إلى انحسار الثقة بالقضاء لان القائمين عليه غير ملتزمين بحكم الدستور والقانون فكيف يمكن الثقة بتطبيقهم لإحكام الدستور والقانون على الآخرين ؟ (5)
وتدور حالات المخالفة الشكلية للدستور مع شروط الاختصاص والشكل والاجراءات التي فرضها المشرع الدستوري وأوجب مراعاتها عند ممارسة الاختصاصات ، أما المخالفة الموضوعية فتتمثل بمخالفة ما تضمنه الدستور في وثيقته من مبادئ وأحكام يراها واضعوه أنها تمثل مقومات المجتمع الاساسية وركائز يستقر عليها البنيان الدستوري للدولة (6).
وقد تتحقق أوجه مخالفة وأنتهاك الدستور وتتسع لتشمل مخالفة نصوص الدستور وروحها ، وقد تظهر على شكل تعليق للنصوص الدستورية (7) ، أو قد تتحقق نتيجة تعديل النصوص دون الالتزام بالاجراءات الشكلية او الموضوعية المحددة في وثيقة الدستور (8) .
والتساؤل الذي يثار ( قدر تعلق الأمر بالبحث ) ما متطلبات خضوع المحكمة الاتحادية العليا لاحكام الدستور ؟
في حقيقة الامر وببساطة يتطلب خضوع المحكمة الاتحادية العليا لأحكام الدستور تنفيذ نصوصه ومطابقة المسارات التي حددها واضعوا الدستور، وبناءً عليه يُعد من قبيل مخالفة الدستور تنصل المحكمة الاتحادية العليا عن اختصاصها في الرقابة على دستورية القوانين شكلا أو موضوعاً ، أو عدم تفسير نصوص الدستور ، أو ردّها للدعاوى التي تقع ضمن اختصاصها المنصوص عليه في الدستور ، كما نعتقد بأن تعطيل النصوص الدستورية وتجاهلها وعدم العمل بها أو المساهمة في تعطيلها يُعد أيضاً من قبيل مخالفة الدستور ، فالاخير وضع لتطبق نصوصه بوصفها الاسمى والاعلى في الدولة استنادا لما ورد في المادة ( 13 ) من الدستور التي كفلت نفاذه وضمان أعلويته بحق الجميع لا سيما السلطات المؤسسة بموجبه .
فواجب أحترام الدستور والقوانين النافذة وتطبيقها بأمانة ونزاهة وحياد هو الأساس الذي يستند عليه العمل القضائي ، لذا حرص المشرع على النص على هذا الالتزام في صيغة اليمين التي يؤديها القاضي قبل ممارسة عمله القضائي بموجب المادة ( 37 / ثانيا ) من قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 ، والمادة ( 7 ) من قانون المحكمة الاتحادية رقم (30) لسنة 2005 ، وولاية القضاء وقدرها وشأنها ومكانتها توجب على جميع القضاة النأي بأنفسهم عن كل سلوك يخالف الدستور أو القانون (9) .
____________
1- معجم المعاني منشور على موقع معجم المعاني الاتي www.Almaany.com تاریخ الزيارة 1 / 4 / 2021
2- د. رافع خضر صالح، انتهاك الدستور ، ط 1 ، مكتبة السنهوري ، بغداد ، 2016 ، ص 21
3- د. رمزي الشاعر ، النظرية العامة للقانون الدستوري ، ط 5 ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2005 ، ص 138 ، وكذلك د. منذر الشاوي ، القانون الدستوري - نظرية الدستور ، مركز البحوث القانونية ، بغداد ، 1981 ، ص 12
4- القاضي فائق زيدان ، مسؤولية القاضي في احترام الدستور والقانون ، مقال منشور بتاريخ 13 / 12 / 2020 على موقع مجلس القضاء الاعلى الالكتروني الاتي : www.hicing ، تاريخ الزيارة 1 / 4 / 2021
5- القاضي فائق زيدان، المصدر السابق ، تاريخ الزيارة للموقع 1 / 4 / 2021
6- د. رافع خضر صالح، المصدر السابق ، ص 68 - 71
7- يقصد بتعليق نصوص الدستور وقف العمل ببعض النصوص الدستورية بصورة مؤقتة ، ينظر:
Maurice Duverger, Droit Constitutionnel, 4ed, Paris, 1971, P535
8- د. رافع خضر صالح، المصدر السابق ، ص 62
9- القاضي فائق زيدان ، المصدر السابق ، تاريخ الزيارة للموقع 1 / 4 / 2021
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة