الفضاء المحيط بجِرمٍ نسبي يطلق نفاثات لا يكون أبدًا فارغًا تمامًا. عندما ينبثق النفاث من المصدر، ربما تكون كثافته مرتفعة جدًّا لدرجة أن كثافة الوسط المحيط تصبح مهملة، ولكن مع ابتعاده عن المصدر، يتمدَّد جانبيًّا وتتناقص كثافته، مما يؤدي في النهاية إلى تأثيرٍ ملحوظٍ للوسط المحيط على النفاث.
أسهل طريقة لتصور ما يحدث عندما يشق النفاث طريقه في الوسط المحيط هي تخيُّل أنك تتحرك بسرعةٍ متوسطةٍ بين سرعة النفاث وسرعة الوسط المحيط. لنفترض أن النفاث يقترب من يسارك، وأن الوسط المحيط يقترب من يمينك. الفضاء الذي تقف فيه ممتلئ بمادة نشأَت نتيجة تصادم مادة النفاث مع مادة الوسط المحيط. هذه المادة شديدة السخونة؛ لأن الطاقة الحركية المنتظمة للنفاث القادم من اليسار، والمادة المحيطة القادمة من اليمين قد تحولتا إلى حركةٍ عشوائيةٍ سريعة ومضطربة لجُسيمات فردية، فالجُسيمات الفردية تتحرك بسرعةٍ كبيرة، ولكنها في المتوسط لا تتحرك في أي اتجاه؛ لذا فإن هذه «البلازما المصطدمة» تكون في حالة سكون بالنسبة إليك.
تتحرك منطقة البلازما الصدمية بعيدًا عن المصدر، وتزداد حجمًا باستمرارٍ نتيجة اصطدام المادة الجديدة المنبعثة من النفاث بها من اليسار، والمادة المحيطة بها من اليمين. يُطلَق على المناطق الضيقة التي يجري فيها تحويل الحركة المنتظمة لجُسيمات النفاث والوسط المحيط إلى حركةٍ عشوائيةٍ اسم (الصدمات).
عادةً ما تكون هذه الصدمات ما يطلق عليها الفزيائيون «الصدمات غير التصادمية». بالنظر إلى أن الصدمة هي بالتحديد المنطقة التي يصطدم فيها مائعٌ سريع الحركة بمائعٍ أبطأ، فربما يبدو وصفها بأنها «غير تصادمية» غير منطقي. ولكن هذا يعني أن سرعة الجُسيمات تتغير بسبب مجالٍ كهرومغناطيسي يمتد على نطاقٍ أطول بكثير من المسافة الفاصلة بين الجُسيمات الفردية. ومن ثَم، لا يجري إبطاء الإلكترونات أو البروتونات الواردة عَبْر الاصطدام مع ذراتٍ أو أيوناتٍ فردية، بل بفعل مجالٍ كهرومغناطيسي سلِس نوعًا ما تُولِّده أعدادٌ هائلة من الإلكترونات والأيونات مجتمعةً (الشكل 1)

شكل 1: تصطدم البلازما القادمة بسرعة من اليسار ببلازما أبطأ حركةً على اليمين. عند الاصطدام، تتباطأ البلازما وتصبح أكثر كثافة، وهو ما يُرمز إليه بالأسهم الأصغر والظل الداكن. يُظهر الخط المتعرِّج مسار جُسيمٍ سريع يتعرض لتبعثراتٍ متعددة؛ حيث يعبر غالبًا الحد الفاصل بين المنطقتَين بين التبعثرات.
ينشأ هذا المجال في الأساس نتيجة فصل الإلكترونات عن الأيونات، وذلك نتيجة الفارق الهائل في الكتلة بينهما (بمقدار يزيد على 1800مرة)؛ فالإلكترونات القادمة تتباطأ قبل الأيونات الأكثر ضخامة بكثير، مما يؤدي إلى نشوء مناطق ذات كثافة شحنات موجبة وسالبة. هذه المناطق تُولِّد مجالًا كهربائيًّا يجذب الإلكترونات في اتجاهٍ معين والأيونات في الاتجاه المعاكس، مما يؤدي إلى تقارب سرعتها المتوسطة. تشير الفروقات في السرعات المتوسطة للإلكترونات والأيونات إلى وجود تياراتٍ كهربائية، التي بدورها تُولِّد مجالات مغناطيسية. علاوةً على ذلك، تكون تدفُّقات الإلكترونات والأيونات غير مستقرة للغاية في هذه المنطقة، مما يؤدي إلى تغيراتٍ زمنية في المجالات الكهربائية والمغناطيسية. ونظرًا لكون هذه المجالات متغيرة زمنيًّا، فإنها قادرة على تعديل طاقة الإلكترونات والأيونات الفردية، وفي المتوسط، تنقل الطاقة من الأيونات إلى الإلكترونات؛ ففي التدفق الأصلي والمنتظم قبل الصدمة، كان كلٌّ من الإلكترونات والأيونات يتحرك بالسرعة نفسها، مما يعني أن الطاقة الحركية للمادة كانت محصورةً في الغالب في الأيونات. أما بلازما ما بعد الصدمة «فتسترخي» إلى حالة من التوازن الحراري حيث يكون لكلٍّ من الإلكترونات والأيونات نصف الطاقة الحركية التي أصبحَت الآن عشوائية. يُعَد النقل الصافي للطاقة الحركية من الأيونات إلى الإلكترونات جزءًا أساسيًّا من هذه العملية الاسترخائية.
تُشبه البلازما الصدمية كازينو قمارٍ يجلب إليه المقامرون أموالهم التي يُعاد توزيعها داخل الكازينو. ناقشنا للتو كيف يؤثِّر هذا النقل على المقامر ذي المستوى المتوسط. ولكن بعض المقامرين يصبحون أثرياءَ للغاية نتيجة اكتسابهم للثروة في مرحلةٍ مبكرة.
في البلازما، يُعادل مفهوم الثروة الطاقة الحركية؛ فكلما تحرك الجُسيم بسرعة أكبر، زادت صعوبة انحرافه عن مساره. عندما يصل الجُسيم إلى سرعة كافية، يمكنه الإفلات تمامًا من المنطقة الصدمية؛ ومن ثَم الدخول إلى إحدى المنطقتَين على اليمين أو اليسار؛ حيث يكون التدفق منتظمًا. وبما أن هذه المناطق واسعة جدًّا، فإن الجُسيم «سوف» ينحرف إلى هناك، ثم يعود مرةً أخرى إلى المنطقة المتأثرة بالصدمة. ولكن عندما يعود، سيتحرك بسرعة أكبر من سرعته عند المغادرة، والسبب في ذلك هو أن انحرافاته في التدفق المنتظم أدَّت إلى عكس اتجاه سرعته «بالنسبة إلى التدفق». في الحالة غير النسبية، تصبح سرعته الجديدة هي مجموع سرعته الأصلية وسرعة المادة المتدفقة. وبما أن الجُسيم الآن يتحرك أسرع من أي وقتٍ مضى، فمن المحتمل أن يعبُر المنطقة الصدمية مباشرةً ويدخل إلى المنطقة المقابلة ذات التدفق المنتظم؛ حيث سينعكس اتجاه سرعته مجددًا بالنسبة إلى ذلك التدفق، وسيعود بسرعةٍ أكبر. من خلال هذه العملية، المعروفة باسم «تسارع فيرمي»، يمكن للجُسيمات اكتساب عوامل لورنتز كبيرة جدًّا. في الواقع، هكذا يمكن تسريع الأشعة الكونية التي نرصدها على الأرض.
ونظرًا لكون البلازما الصدمية شديدة السخونة، فهي تعمل كمائعٍ عالي الضغط، وتتمدد في أي اتجاهٍ متاح لها. يمنعها «ضغط الدفع» الناتج عن النفاث على اليسار والوسط المحيط على اليمين من التمدد في هذَين الاتجاهَين، ولكن يمكنها عادةً التمدد عموديًّا. عند تدفقها للخارج عموديًّا على النفاث بهذه الطريقة، فإنها تُشكل تدريجيًّا «شرنقة» من البلازما تحيط بالنفاث، كما هو مبيَّن في الشكل 2.

شكل 2: محاكاة حاسوبية لشرنقة منتفخة بفعل النفاث. يشير التظليل الداكن إلى كثافة منخفضة. يمثل اللون الرمادي عند الحافة الغاز المحيط بالمجرَّة غير المضطرب. يَظهر الشريط الفاتح داخل هذه المنطقة نتيجة انضغاط هذا الغاز بفعل الصدمة. تُشير الظلال الداكنة الأعمق إلى بلازما شديدة السخونة ومضطربة، جرى تسخينُها في الصدمات الواقعة عند أطراف النفاثات.