الفيزياء الفلكية النسبية
المؤلف:
جيمس بيني
المصدر:
الفيزياء الفلكية مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص86
2026-07-06
40
إن عالَم الفيزياء النيوتنية المألوف ليس سوى تقريب للفيزياء النسبية، وهو نهجٌ مريحٌ وفعَّال عندما تكون السرعات النسبية أصغر بكثير من سرعة الضوء. إلا أن علماء الفلك اكتشفوا العديد من الأجرام التي تتجاوز هذا القيد، مما يستوجب استخدام نظرية النسبية الكاملة لدراستها.
سنستعرض لاحقًا النتائج الأساسية لنظرية النسبية في قسم «النسبية الخاصة»، ولكننا بحاجة الآن إلى أشهر معادلاتها، وهي المعادلة الآتية E=mc2 تُلخِّص هذه المعادلة المبدأ القائل بأن طاقة الجُسيم لا تقتصر فقط على طاقته الحركية والكامنة كما في الفيزياء النيوتنية، بل تشمل أيضًا «طاقة الكتلة الساكنة» ؛ E0=m0c2حيث m0هي كتلة الجُسيم عندما يكون في حالة سكون. وهذه الكتلة هي خاصيةٌ جوهرية للجُسيم ولا تتغير أبدًا. على النقيض من ذلك، تتغير الكتلة الكلية m=E/c2 عندما يُبذل شغل على الجُسيم أو عندما يَبذل هو نفسه شغلًا؛ فعند تسريع إلكترون داخل مُصادِم مثل مصادم ستانفورد الخطي (SLAC)، تزداد كتلته بنحو 200 مرة. تُعرف النسبة m/m0=γ ﺑ «مُعامل لورنتز»، وهي التي تحدد مدى نسبية حركة الجُسيم. على سبيل المثال، إذا كانت سيارة تتحرك بسرعة 100كم/س (نحو 60 ميلًا/س) فإن معامل لورنتز لها يختلف عن الواحد بمقدار ضئيل جدًّا ( γ-1 –=5.8 × 10−13) مما يجعلها بعيدةً كل البعد عن الحركة النسبية. بوجه عام، تُعتبر حركة أي جسم تكون قيمة معامل لورنتز له أكبر من أو يساوي 0,1 حركة نسبية.
فيما يلي بعض الحالات التي يصبح فيها ضروريًّا استخدام نظرية النسبية.
• «المجرَّات الراديوية»: يُولِّد معظم الإشعاع الذي نرصده من المجرات الراديوية إلكترونات بمعامل لورنتز يساوي تقريبًا 105. تكون حركة هذه الإلكترونات الفائقة الطاقة في الغالب عشوائية، ولكن في لُب المجرة الراديوية غالبًا ما يُوجد نفاث بلازمي يتدفق بانتظام؛ حيث تكون الطاقة الحركية الكلية للبلازما أكبر بعدة مرات من طاقتها الكتلية الساكنة.
• «النجوم الزائفة المصغرة»: تُعتبر هذه الأجرام بمثابة نُسخ مصغرة من المجرَّات الراديوية؛ حيث يكون الثقب الأسود الذي يغذي النجم الزائف المصغر ذا كتلة تُعادل بضع كتل شمسية ، في حين أن الثقب الأسود في المجرَّة الراديوية قد تصل كتلته إلى بضع مئات الملايين من الكتل الشمسية. يقلل تقليص الكتلة من الحجم الفيزيائي للظواهر، ويجعل تقلبها أكثر سرعةً، ولكنه لا يغير السرعات المميزة. ومن ثَم، فإن النسبية تُعد ذات أهميةٍ مماثلة لكلٍّ من النجم الزائف المصغر والمجرَّة الراديوية.
• «أشعة جاما»: يُعتبر البوزيترون، وهو الجُسيم المضاد للإلكترون، ظاهرةً نسبية أساسية، وقد تنبأ بوجوده بي إيه إم ديراك أثناء محاولته التوفيق بين ميكانيكا الكم والنسبية. عندما يفنَى إلكترون مع بوزيترون، تتحول جميع طاقتهما إلى فوتونات، عادةً فوتونَين. إذا كانت الإلكترونات غير نسبية (أي γ=1)، فإن كل فوتون يحمل طاقةً تُعادل طاقة الكتلة الساكنة للإلكترون؛ أي 511 كيلو إلكترون فولت (keV). وقد اكتشفَت التلسكوبات المخصَّصة لرصد أشعة جاما هذا الخط الطيفي القادم من مركز مجرَّتنا، مما يشير إلى وجود كثافةٍ كبيرة من البوزيترونات هناك.
في عام 1963، وقَّعَت المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي معاهدةً تحظر إجراء اختباراتٍ للأسلحة النووية في الغلاف الجوي. وبسبب انعدام الثقة المتبادل، أطلقَت كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أقمارًا اصطناعية سرية مخصَّصة للكشف عن أشعة جاما الناتجة عن أي اختباراتٍ نووية غير معلَنة. ومما أثار دهشة الجميع أنه أمكن الكشف عن «العديد» من انفجارات أشعة جاما.
استمرَّت هذه الانفجارات فتراتٍ تتراوح بين بضع ثوانٍ ودقيقة، وكانت تحدث بوتيرةٍ متكررةٍ بكثرة، بحيث لا يمكن تفسيرها منطقيًّا على أنها ناتجة عن تفجيراتٍ نووية.
بعد أن عكف الخبراء العسكريون من كلا الجانبَين على تحليل البيانات سرًّا دون الوصول إلى تفسيرٍ واضح، علم كل طرف أن الطرف الآخر قد رصد الأحداث نفسها، وأصبح من الواضح أن مصادرها كانت فلكية. في عام 1973، أُعلن عن البيانات للعامة، وحان الوقت ليشعر علماء الفلك بالحيرة. بدت الانفجارات موزَّعة بانتظام في جميع أنحاء السماء، مما يشير إلى أن مصادرها لم تكن مرتبطة بالنجوم في مجرَّتنا كما هي الحال مع معظم مصادر الأشعة السينية. وبدا أن المصادر إما أن تكون على مسافة تقارب 0,1 كيلوفرسخ من الشمس، أو أن تكون منتشرة عَبْر حجم أكبر بكثير من مجرَّتنا. ولكن نظرًا لقصر المدة الزمنية لهذه المصادر، لم يكن ممكنًا ربطها بالمجرَّات النشطة، ولم يستطع أحد أن يفترض أن مصدرًا قريبًا من الشمس يمكن أن يكون مسئولًا عنها. في عام 1986، تحلى بوهدان باتشينسكي بالجرأة لاقتراح أن هذه الانفجارات، رغم قصر مدتها الزمنية، «تقع» في مسافاتٍ كونية شاسعة، ومن المحتمل أن تكون مرتبطة بنوع من النجوم المتفجرة. وفي عام 1997، تأكَّد هذا الافتراض عندما التقط تلسكوب ويليام هيرشل صورًا للمنطقة المحيطة بانفجار أمكن رصده حديثًا؛ حيث لوحظ «ضوء الغسق» المرئي المتلاشي بسرعة لهذا الحدث في مجرَّة بعيدة. منذ ذلك الحين، أصبح اكتشاف أضواء الشفق المرئية أمرًا روتينيًّا، وأمكن معرفة الأطياف المرئية للأجرام الأساسية المرتبطة بها. وقد أكَّدَت هذه البيانات أن العديد من انفجارات أشعة جاما مرتبطة بالفعل بنجومٍ متفجرة. كما أصبح واضحًا أن هناك أكثر من نوع من المصادر لانفجارات أشعة جاما، ولا يزال فهمنا لهذه الأجرام غير مكتمل. المؤكَّد أن النسبية تلعب دورًا جوهريًّا في فهم هذه الأجرام الفريدة.
• «الأشعة الكونية»: تتعرض الأرض باستمرار لقصف من الجُسيمات النسبية، ويُعد اكتشاف هذه الجُسيمات أقدم فرع من فروع علم الفلك المرتبط بدراسة الظواهر ذات الطاقات العالية. ولحسن الحظ، فإن معظم هذه الجُسيمات الخطيرة تصطدم بذرات الأكسجين أو النيتروجين في طبقات الغِلاف الجوي العليا. تتضرر تلك النواة بشدة جرَّاء الاصطدام، وتتطاير الشظايا إلى الأسفل، فتصطدم بنوًى أخرى في طريقها. ومن ثَم، فإن جُسيمًا واحدًا شديد الطاقة يمكنه، عند دخوله الغلاف الجوي، أن يولِّد «وابلًا» من الأشعة الكونية.
تتنوع طاقات الجُسيمات التي تصطدم بالأرض، إلا أن عدد الجُسيمات المنخفضة الطاقة يفوق بكثيرٍ عدد الجُسيمات العالية الطاقة. فنادرًا ما تُرى الجُسيمات الأعلى طاقةً حتى بواسطة الكواشف التي تتميز بأكبر مساحات التجميع. غير أن الجُسيمات الأكثر طاقةً التي رُصِدَت حتى الآن تبلغ طاقتها حوالي 1020 فولتات إلكترونية، فإذا كانت هذه الجُسيمات إلكترونات، فإن معامل لورنتز لها يبلغ نحو 1014، وإذا كانت بروتونات أو نيوترونات، فإنه يبلغ نحو 1011. تتجاوز هذه الطاقات بكثير تلك التي تحقِّقها أقوى مُعجِّلات الجُسيمات؛ حيث يُعجِّل مصادم الهادرونات الكبير في جنيف حاليًّا البروتونات بمعامل لورنتز يبلغ نحو 103.
• «النجوم النيوترونية»: تبلغ سرعة الهروب من سطح النجم النيوتروني نحو c/2، مما يجعل هذه الأجرام نسبية بدرجة طفيفة فقط. لكنها تسمح بإجراء قياساتٍ دقيقة؛ ومن ثَم يمكن قياس التأثيرات النسبية المتواضعة بدقة وتوفير اختباراتٍ قوية لنظرية النسبية. يُعد النابض الثنائي هالس-تايلور (المعروف أيضًا باسم PSR B1913+16) أحد أكثر الأمثلة أهمية، وهو نظام يتكون من نجمَين نيوترونيَّين يدور كلٌّ منهما حول الآخر باختلافٍ مركزي 0,62 وزمنٍ دوري 7,75 ساعة. اكتشف هذا الثنائي جو تايلور وطالبه راسل هولس عام 1974، وما زال يُرصَد بكثافة منذ ذلك الحين. رُصِد عددٌ قليل من الثنائيات النجمية النيوترونية المشابهة منذ ذلك الحين، لكن القيود التي تفرضها على نظرية النسبية أضعف؛ لأنها لم تُرصَد فتراتٍ طويلة حتى الآن.
• «مصادر الأشعة السينية»: رأينا في الفصل الرابع، أن أنصاف الأقطار الداخلية للأقراص التراكمية حول الثقوب السوداء تكون شديدة السخونة، لدرجة أن أقوى إشعاع لها يكون في صورة أشعةٍ سينية. هذه المناطق صغيرةٌ جدًّا لدرجة لا يمكن معها لتلسكوبات الأشعة السينية رؤيتها بوضوح، ولكن التأثيرات النسبية تُغيِّر أشكال خطوط انبعاث الأشعة السينية التي نرصدها.
• «النظام الشمسي»: تدور الأرض حول الشمس بسرعة تقارب 30كم/ث-1 ونظرًا لأن هذه السرعة تساوي تقريبًا من سرعة الضوء، ولأن التأثيرات النسبية تكون عادةً أصغر من نظيراتها النيوتنية بعاملٍ 2(v/c) تقريبي، فمن المتوقع أن يكون تأثير النسبية على النظام الشمسي ضئيلًا جدًّا. ولكن نظرًا لأن النظام الشمسي يسمح بإجراء قياساتٍ دقيقة، فإن البيانات المرصودة تتطلب استخدام نظرية النسبية في تفسيرها، كما أنها توفِّر اختباراتٍ حاسمةً لصحة النظرية. علاوةً على ذلك،...، فإن ديناميكيات النظام الشمسي حساسة للغاية، وغياب التأثيرات النسبية كان سيؤدي إلى تكوينٍ مختلف جذريًّا للنظام الشمسي عما نراه اليوم.
• «الكون»: تُشكل المشكلات المفاهيمية عقبة أمام تطوير نموذجٍ مقنعٍ لديناميكيات الكون ضمن إطار الفيزياء النيوتنية. ومن ثَم فإن علم الكونيات لم يصبح فرعًا علميًّا متماسكًا ضمن علم الفيزياء إلا بفضل نظرية النسبية العامة لأينشتاين. في ستينيات القرن العشرين، أصبح علم الكونيات قائمًا على أسسٍ تجريبية قوية بفضل اكتشاف إشعاع الخلفية الكوني الميكروي، الذي يجعل بالإمكان دراسة الكون كما كان قبل 100 ألف سنة فقط من الانفجار العظيم، إلى جانب اكتشاف النجوم الزائفة، التي تقع غالبًا في مجرَّات تبعُد عنا بسرعاتٍ نسبية.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مواضيع عامة في علم الفلك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة