علم النحو كدراسة علمية للبنى اللغوية
إن الدراسة العلمية للبن اللغوية (1) هي من أهم ما تتكفل به بالدراسة علوم اللسان الحديثة وهي أيضا من أهم ما تطرق إليه وأبدع فيه علماء العربية من جيل الخليل وتلميذه سيبويه وكل من سار على منهجهما فما جاء به كتاب سيبويه ليس مجرد عرض القواعد العربية كما هو معروف بل هو عمل تحليلي علمي لأنه دراسة موضوعية محاري كلام العرب كما ورد على ألسنة العرب وكما سمعه وجمعه العلماء قبله وفي زمانه كما حاولنا أن نبينه في الحلقة الأولى والثانية من هذه السلسلة. فهو عمل علمي لأنه وصف تحليلي وتصنيفي وتفسيري لهذه المحاري من جهة، ومحاولة لضبطها بضوابط دقيقة من جهة أخرى. وهذا يقتضي النظر في الآلاف المؤلفة من الأنحاء (أو النحو) (2) بعد حصرها وتبويبها ثم استنباط ما استمر منها في كل باب وما شد منها (وقد وصفنا كل هذا بالتفصيل من الناحية المنهجية والابستمولوجية في "منطق العرب في علوم اللسان فليراجع).
والميزة التي تميز بين هذا المنهج في الدراسة للبنى وغيره من المناهج في البحث اللساني الحديث هو أن النحو العربي كان يجمع في زمان سيبويه كما أشرنا إلى ذلك مراعاة الحقيقة موضوعية لا يلتفت إليها أكثر الباحثين في زماننا، بين: النظر في اللغة كظواهر أي الظواهر اللغوية وهي ههنا كلام العرب كما سمع ونطقوا به من الجانب الاستعماني والاجتماعي ومن حيث هو أصوات ذات مخارج ولغات متنوعة (تنوعات لغوية). وبين النظر فيما يلزم من العمليات الصوغ (أو لتوليد) الوحدات اللغوية فيما سموه بالحدود وهي ضوابط العربية. إن هذين الجانبين من الدراسة العلمية للغة الفرد بالجمع بينهما العلماء العرب المتقدمون. ولم يستطع أي جيل من العلماء غير العرب إلى غاية الآن أن يجمعوا بينهما أي بين النظر في اللغة كظواهر والنظر فيها كنظام ضوابط فمن البين أن الكلام هو في ذاته مجموعة من الظواهر المحسوسة تشاهد بالسمع وبالبصر في مختلف أحوال التخاطب إلا أن اللغة هي أيضا أداة معقدة يتكونها من بنى تتداخل فيما بينها على مراتب وهي أيضا معيار خاص بالناطقين بها، فهي تخضع لما تواضع عليه الناطقون باللغة وخاصة النظام البنيوي فيه. فالنظر العلمي في الجانب الأول هو مماثل لماما للنظر في ظواهر الفيزياء أو الجيولوجية وعلم الاجتماع وغير ذلك لا فرق بينهما إلا في المادة. ومن ذلك بالنسبة للغة، الظواهر الصوتية وظواهر الخطاب وكل ما يخضع لقوانين التواصل والبيان والاتساع في المعاني وتنوع الاستعمال.
والخطاب هو عالم واسع جدا كما هو معروف أحدث بسببه ظواهر مختلفة مثل الحذف أو التغيير الوحدات اللغة وتداخل اللغات والاقتباس اللغوي وترك الناطقين لبعض التراكيب مثل ماضي يدع وترك مبقل واستعمال بأقل وغير ذلك كثير.
ثم إن التواضع اللغوي المؤدي إلى اتخاذ القوم معيارا لغويا معينا وامتناعهم من الخروج منه ورغبتهم الشديدة في المحافظة عليه فهو ظاهرة اجتماعية تاريخية وتوصف وتفسر كسائر الظواهر الاجتماعية.
إلا أن هذا المعيار كلغة أي كأداة تواصل نظاما تركيبيا وبالتالي ضوابط موضوعية مثل تقديم الموصوف على الصفة في العربية وعكس ذلك في الانكليزية وتقديم أداة التعريف في أكثر اللغات إلا الرومانية وعدم وجودها في اللاتينية وغير ذلك مما يضبطه النحو وحده في إطار مقارن وتاريخي. وعلى الباحث في علم الاجتماع اللغوي أو مؤرخ تطور اللغات أن يصف، من جهة أخرى تنوع الاستعمال أو حوله جزئيا وتدريجيا إلى استعمال آخر فهذه ظواهر تاريخية ولا تدخل فيها الضوابط الانتظامية من حيث هي ضوابط. فأما هذا الجانب الخاص بالضوابط ولا يقل أهمية من الأول - فتنتمي دراسته إلى العلوم العقلية مثل الرياضيات والمنطق وعلم الحاسوب وغيرها. فهو يتناول بالدراسة الضبط للعمل (الفعل المحكم عند المتكلمين) (3) لأن اللغة هي أداة تواصل ما انتظام خاص العناصر يتواضع عليه فهي مواضعة ويمكن أن يصيب المستعمل في استعمالها ويخطئ. وكل ما كان كذلك فله ضوابط. فأما الاختيار الجماعي اللاشعوري المواضعة لغوية من المواضعات واستعمالهم لما فهذه أيضا ظاهرة تاريخية. والذي شاهدناه وعشناه منذ بداية القرن العشرين الميلادي في عالم اللسانيات غربا وشرقا فهو العجز الشامل للسانيين عن إعطاء كلا الجانبين حقه من الاعتبار والأهمية في الدراسة العلمية. فهذا الاهتمام لم يحصل إلا قديما في عهد الخليل وسيبويه والسبب في ذلك هو تغليب المحدثين أحد الجانبين على الآخر إما باحتقار الجانب الآخر وخاصة الضوابط وجعله غير عنسي لأن النحو كعلم عندهم لا يكون تقريريا معياريا بالمعنى التعسفي وحصل ذلك أول ما حصل في الغرب ابتداء من سوسور وسبقه اللغويون التاريخيون إلا أنهم نبذوا الجانب البنوي أي البنية في حد ذاتها (الآنية) واكتفوا بتطور اللغة عبر الزمان (التطور بمعنى التغير). وهناك موقف ثالث لكنه غير علمي وهو البقاء على الاعتقاد أن النحو هو علم يقتصر كنه على إكساب المتكلم المهارة على استعمال اللغة السليمة ليس إلا. وتجاهل ما كان لعلم النحو عند النحاة المتقدمين من المزايا التي تخص العلم النظري التحريبي وهو الموضوعية التامة، فهذا التجاهل حاصل عند الكثير من المثقفين العرب. أما ما حصل في الغرب من طغيان المذهب الإيجابي (4) المتطرف فهو السبب البعيد في حصر البحث العلمي اللغوي في الوصف للظواهر وتجاهل الوصف الموضوعي للضوابط النحوية. ومن ثم بدهم لمفهوم القاعدة في الدراسة العلمية لعجزهم عن فهم الفرق القائم بين ما هو مجرد تقرير تلقيني مثل: قل كذا ولا تقل كذا وبين ما هو ضبط علمي للكلام(5) والعبارة التقريرية الموضوعية في هذا الشأن هي أن يقال: إذا أردت أن تتكلم بلغة قوم فاتبع ما تواضعوا عليه في ذلك. فالعبارة الأولى هي مجرد تلقين وقد يكون تعسفا لأنه قد يكون ذلك متعلقا بمذهب النحوي واحد أو يكون خاصا بلغة طبقة اجتماعية معينة وغير ذلك. أما الثانية فهي موضوعية لأنها تعتمد على واقع اللغة وجوهرها وهو ما تواضع عليه كل أصحابها واستعمله أكثرهم (ويعرف عند النحاة العرب بما قاموا به من سماع واسع وتدوين وتقنين). فما نقصده أساسا من كتابنا هذا هو الوصول إلى ما كان يريده بالفعل - بالدليل المقنع سيبويه والخليل وأمثالهما مما قالوه وما عبروا عنه باصطلاح معين. وقد يتفق لفظه مع ما جاء به علماء العربية بعدهم مع اختلاف المقصود بينهما تماما. وكان الغالب في ذلك استبدال تعريف للمفهوم بتعريف آخر أو تغيير عبارة الكتاب أو بإضافة صفة أو صفات لم يدل بها سيبويه أو بعدم فهم لما قاله وهو كثير. وحصل ذلك بالتدريج عبر الزمان ولاسيما بعد سطو المنطق الأرسطي على الفكر العربي بكيفية صريحة ابتداء من النصف الثاني من القرن الثالث الهجري كما بيناه في منطق العرب. فستحاول أن نبين كيف حصل ذلك عند تناولنا لكل مفهوم خوي أساسي إن شاء الله. وسوف نضيف إلى ذلك بالنسبة لكل مفهوم ولكل طريقة تحليل مقارنة بين ما جاء به العلماء العرب وبين ما هو رائج الآن في علوم اللسان الحديثة كما فعلنا ذلك في الكتب السابقة.
________________
(1) كلمة بنية تستعمل في زماننا في مقابل الكلمة الأوروبية structure ويعنون بها غالبا (إلا عند البنيويين) تأليف مجموعة من العناصر على هيئة مخصوصة أو هذه الهيئة نفسها مثل بنية الذرة وبنية الخلية والبنية الخبرية. وقد شاعت صيغة الجمع لبنية على بني اليوم.
(2) أكثر النحاة الأولين من استعمال هذا المصطلح للدلالة على الضرب من الكلام ومن ثم تسميتهم بالنحويين. ومن ثم أنها جاءت نسبة الدراسة التجوية يعلم النحو انظر مقدمة كتابا منطق العرب.
(3) انظر التمهيد للباقلاني 38 ويدل العمل كمصطلح عند القدامى على إجراء عملية رياضية وعند النحاة على سلسلة من التحويلات على الكلمة (الخصائص لا من حين).
(4) الـ Positivisme والبنيوية اللغوية المتطرفة هي فرع منه.
(5) وفي زمان سؤدد السنوية وضعيان المنوعة الوصفية في الخمسينيات حاول تشومسكي اللغوي الأمريكي المعروف أن بعيد الاعتبار جانب الضبط الوضعي في النحو التوليدي والتحويلي جعله على صيغة رياضية منطقية وهو حسن إلا أنه أهمل جانب الاستعمال ومصر المعنى فيه فكان الرد على ذلك من اللسانيين الآخرين شديدا ومبالغا فيه. وقد ردوا عليه مبالغة أخرى وهو الإقبال والتهافت على البحث في ميدان اخطاب هو وحده والابتعاد تماما عن كل صياغة ضابطة (بل وإهمالها أو إخضاعه للوظيفة البيانية).