إن التعليم على الحياة الاجتماعية يجعل الطفل بعيدا عن (الأنا) المزروعة في داخله، ويدفعه ليكون اجتماعيا أكثر ومنفتحا على الآخرين. كثيراً ما تتردد الأمهات، ولا سيما منهن العاملات أو الموظفات بين أن يضعن أطفالهن الحديثي الولادة في دار للحضانة أو أن يبقينهم لدى الأهل. وهذا التردد قد يكون مبرراً ذلك أن انتقال الطفل من عالم الأمومة حيث الحنان الكلي الى عالم آخر غريب بعض الشيء عنه، لا بد من أن يولد عنده نوعاً من الرهبة ثم إن بعض الامهات لا يقدرن على ترك أطفالهن في عهدة امرأة أخرى. لكن تبقى الثقة هي العامل الأساسي في هذا الموضوع، اذ يجب أن يثق الأهل بأن الحضانة والعاملات فيها يدعين للاطمئنان وبالرغم من ذلك، نجد نظرة البعض منهن ايجابية ونظرة البعض الآخر سلبية، كونها المرحلة التي ينفصل فيها الطفل عن أمه، ترى ما هي ايجابيات دور الحضانة وما هي سلبياتها إذا كان هناك من سلبيات؟
بعد جولة على نماذج عديدة من دور الحضانات والتي تعمل جميعها تقريبا على منهج واحد. أخذنا نموذجا منها وهي حضانة Winny's house السيدة سهاد يونان المشرفة التربوية في الحضانة والمتخصصة في علم النفس التربوي والتربية الحضانية، عدّدت الايجابيات والسلبيات على الشكل التالي:
1- الايجابيات وهي ابتعاد الطفل عن مساندة والدته، مما يدفعه إلى الاعتماد على نفسه، وتحقيق التطور الاجتماعي والاستقلالية النفسية وبذلك تتطور شخصيته وتنمو وتأخذ منحاها واستقلاليتها بعيداً عن عاطفة الأم. كذلك ينفتح الطفل على الآخرين ويندمج مع رفاقه في الحضانة، حيث يشاركهم اللعب، والنشاطات الثقافية، وتناول الطعام ويعتاد على النظام. ولا شك في أن تنظيم الوقت يؤهل الولد للعيش حياة مستقرة وهادئة ويستطيع فيها السيطرة على الأمور مما يسهل له الوعي المبكر.
2- السلبيات: لا ننكر أن الطفل يحتاج الى حنان أمه، والى حليبها الذي تغذّى منه في الأشهر الأولى. لذا فإن دخوله الحضانة بعدما تعود أمه إلى العمل يحرمه من هذا الحنان وهذا الغذاء ولو جزئياً، إلا أن الحسنات تبقى أهم من السيئات.
سينطوي على نفسه مما يؤدي الى اضطرابات لاحقة، إن الحضانة توفر للطفل إمكانية المشاركة مع أطفال وأشخاص بالغين يرافقونه ويساعدونه على اكتساب الثقة بنفسه من خلال نشاطات ترفيهية وظروف حياتية ملائمة، وهو ايضاً يعيش حالة من اللذة حين يشعر أنه ممثل ومكتشف من خلال تعبيره عن حياته الخيالية عبر نشاطات حرة، من محادثة، رسم، تلوين أي شكل من اشكال الرمزية التي تساهم في بناء شخصيته وتوعيته.
نشاطات تأهيلية: وعن النشاطات التي تؤهل الطفل للدخول الى المدرسة بحب وعزم ومعرفة وأدراك أكثر، والمعتمدة في دور الحضانات هي:
الاهتمام بتقديم كل أنواع النشاطات التربوية للأولاد ومنها قراءة القصص باللغة الفرنسية أو الانكليزية والتحدث معهم حولها ايضا باللغتين وذلك لتنمية قدراتهم اللغوية. كما يتعلمون إمساك القلم والسيطرة عليه والتعود على التلوين بالأصابع Paint Finger لأن الطفل بطبيعته يحب أن يختبر الأشياء وأن يعبر بأسلوبه الخاص عمــا يريد رسمه من أشكال. من هنا يقدم له مواد طرية Pate a modeler لاكتشاف الأشكال واللعب عن طريق اللمس وهذا ما يسمى بالتمارين الحسية.
النظام: وعن أهمية النظام ودوره في جميع الحضانات يكمن في البرنامج المتبع ضمن الحضانة الواحدة، والذي لا بد منه بل هو دليل نظام يجب أن يعايشه الطفل كي يعي ماذا يدور من حوله ومتى يرى أمه، لذلك يبدأ البرنامج بإعطائه الفطور وبعدها يدخل المحترف (Atelier) حيث الألعاب التي تساعد على تثقيفه ومنها الـ Puzzle وذلك لتمييز الأشكال والأحجام، وبعدها يدخل القاعة الزجاجية شتاء أو يخرج الى الملعب حيث يمكنه الركض والقفز والتصرف بحرية صيفاً.
بعد هذه الفترة تبدأ النشاطات الخاصة لإكساب الولد مهارات معينة يمكن من خلالها تعليمه التمييز بين الألوان والرموز، وهذه النشاطات الفكرية هدفها تنمية طاقاته الفكرية وحسه الاجتماعي.
وعندما يحين موعد الغداء، ينضم الطفل الى رفاقه لتناول الطعام برفقتهم، وهكذا يعيش حالة من الانصهار مع الآخرين في مختلف أموره. وبعدها ينام على فراشه الخاص في غرفة النوم التي تجمعه مع عدد من الرفاق لكل منهم فراشه وشرشفه ووسادته الخاصة. والجدير بالذكر أن النظام المتبع ينعكس على نفسية الطفل وينمي عنده الشعور بأهمية الوقت واحترامه، مما يؤسس في داخله نظاما خاصا لنفسه واحتراما لوقت الآخرين واهتماماتهم.
باختصار، هذا ما اشارت اليه المربية السيدة سهاد يونان بشكل عام: أن البرنامج الخاص بالطفل يقوم على تناول الفطور صباحاً ثم ممارسة العاب حرة (كل براحته)، وبعدها يحين موعد (الصف)، إذ أن تأهيل الأطفال للدراسة ينطلق من جدران الحضانة حيث يعمل على تلقينهم المفاهيم المختلفة فيبدأون التمييز بين البرودة والسخونة، الأحجام – الكبير والصغير - الألوان على اختلافها، وطريقة العد، واحيانا يقدم لهم الرسم الحر... ولا بد من النشاطات الموسيقية خصوصاً لأعمار ما بين السنتين والثلاث سنوات، منها الغناء، والعزف على (الأورغ).
كذلك النظافة هي عامل أساسي في نمو الطفل، صحيح أن الحمامات مشتركة ولكن التعقيم مستمر، ويدخل كل طفل على حدة برفقة (المساعدة) والنوم ضرورة لا تهمله الأخصائيات فيكون ذلك بعد اللعب ظهراً حيث يستعيد الطفل نشاطه قبل معاودة نهاره ولقاء أهله.
بين الصبي والبنت: تتفق بعض الأخصائيات في دور الحضانات على أنه في عمر السنتين والثلاث سنوات تختلف المعاملة بين الصبي والبنت حيث تشعر البنت أنها أقل شأناً من الصبي، وتعيش حالة من (الأوديبية) عند الطفل، وهنا يعمل على تشجيعها ويفهم الصبيان والبنات على أنهم سواسية ويجب أن يرسموا ويلعبوا معا وتتم محادثتهم على التعاون في اللعب ومساعدة بعضهم البعض في تركيب الألعاب، والأطفال أذكياء يحفظون الكلام في هذه المرحلة من العمر. وكما ننمي أولادنا ونربيهم ينشأون النشأة التي تؤهلهم لبناء مجتمع صالح.
أزمة تمزق عند الأم: تبدأ علاقة الطفل بوالدته منذ الحمل، وذلك استناداً إلى آخر الأبحاث التي اثبتت أنه يترجم مشاعرها وإحساسه بهـــا منذ الحمل. كما يشعر بحالاتها الانفعالية قبل الولادة وتترجم هذه المشاعر عنده بظواهر جسدية.
كما يلاحظ عند الحامل المصابة بحالة انهيار أن دقات قلب الجنين تصبح سريعة، وهذا التناغم العاطفي الموجود بين الأم والطفل يستمر بعد الولادة وهذا هو عامل التواصل في ما بينهما.. إلا أن الانفصال الناجم عن الولادة يشكل عند الأم احياناً أزمة شبيهة بحالة التمزق.
لمعالجة الأزمة الناجمة عن الانفصال، يمكن التنويه الى أن معظم دور الحضانات تسمح للام بمرافقة طفلها والبقاء معه عدة أيام على أن تبتعد عنه تدريجيا، فهذا هو الحل الأسلم ليعتاد الطفل على الأمر، ويبدأ بتشكيل استقلاليته العاطفية وحياته الخاصة ويجب أن نعلم أن دور المربية هو دور تربوي، حيث ترافق الأطفال ضمن إطار تواصل شامل يستند على اللعب ونشاطات أخرى.
التعامل مع الانطوائي والمشاغب والعدواني.
والجدير بالذكر أن الأولاد أطباع، وهنا اقصد من هم بين عمر سنة و3 سنوات. فكثيراً ما نواجه ولداً مشاغباً وعدوانيا وآخر انطوائياً، والانطوائي أعالجه بسهولة حيث الاعبه وأمازحه وأجعله دائما ينضم الى رفاقه ويعيش حالة من الانصهار معهم أما المشاغب، فأحاول قدر الامكان أن أغض نظري عن مشاغبته ولكن أراقبه وأشجعه على الأعمال المميزة التي يقوم بها، هكذا يمكن تغيير طباعه شيئاً فشيئاً ويبقى الولد العدواني الذي يشاكس ويضرب رفاقه. وهذا أنسق مع أهله لمعالجته، وكثيرا ما اكتشف أن الأهل يضربونه في المنزل فيتحول الى ولد عدواني وتصبح عادة لديه أن يضرب رفاقه أو يشاكسهم.
وعن أطباع الأطفال تقول الأخصائية السيدة فيفيان كساب لا يخلو الأمر من ولد يفتقد والدته في أيام دخوله الأولى إلى الحضانة فيبكي كثيرا ويحاول الانزواء ولا يتقبلنا بسهولة إلا أنني أعمل على حل هذا الموضوع، فأحاول التقرب منه ومصادقته والاهتمام به أكثر من سواه، وإعطاءه الحنان قدر الإمكان، لأن الحنان الفعلي لا يكون إلا من الأم. ومع الوقت يعتاد علينا وعلى نظامنا لدرجة أنه إذا أمضى عطلة خارج الحضانة يفتقدنا ويسأل اهله عنا.
العقاب في الحضانة: يعاقب الطفل في بعض الحضانات وكأنه يعيش في منزله، ويتمثل العقاب في حرمانه مما يحبه من العاب إذا كانت فعلته شنيعة ومتكررة مثل ضرب رفاقه أو أذيتهم، وذلك ضمن مساعدته من قبل الأهل والمربية المتخصصة وطبيب الحضانة الذي يكشف على الأطفال كل أسبوعين مرة أو مرتين حسب الحاجة، ولكن هذا العقاب ترفضه حضانات اخرى.
حسنات الحضانة: أن للحضانة دوراً لا يستهان به لتنمية شخصية الطفل ودفعه الى الاكتشاف والإبداع وبناء استقلاليته. ومن حسنات الحضانة:
1ـ يكتشف الطفل في الحضانة مكاناً لحياة جديدة برفقة أمه أولاً، وهذا ما يسمح له بالاستفادة من المكان الذي لم يعد مجهولاً بالنسبة اليه مع وجود الأم فيه لأيام معدودة.
2- ينتقل الطفل من يدي أمه الى يدي المربية في وقت تكون فيه الأم موجودة معه وتحادث المربية حول أمور عديدة.
3ـ أن الوقت الذي تمضيه الأم في الحضانة يسمح لها ببناء علاقة ثقة مع المربية - حيث ستترك طفلها أمانة - وتكون أكثر ارتياحا لهذه الفكرة.
4ـ تتعرف المربية على عادات الطفل وعلى مجرى حياته منذ ولادته، وهكذا تستطيع احتضانه بشكل أفضل.
هذا الدور الذي تلعبه الحضانة في حياة الطفل يرتكز على تأمين مناخ عاطفي ملائم. ويجب أن نعرف أن التعبير عما يشعر به الطفل يبدأ مــن لحظات وساعات الحياة الأولى لولادته.
إن الطفل بحاجة إلى مشاركة الآخرين عواطفه، وإلا إعمدي الى وضع تخطيط معين مع طفلك عبر تلوين أيام المدرسة وإبقاء ايام العطل بدون تلوين وبهذا سيتبع نظاماً محددا يحترمه.
أعطاء بعض الخصوصية للطفل:
- دعيه يذهب مثلاً بسترته المشبعة بالروائح العطرة الى المدرسة فهذه من الاشياء الهامة التي تشعره بمزيد من الخصوصية.
- ابقي معه قليلاً وتحدثي الى المعلمة وأخبريها إذا رأى أحلاماً مزعجة مثلاً، ولكن لا تمكثي أكثر من اللزوم لأن على الطفل أن يدرك أن المدرسة ليست مكانا مخصصا للكبار.
- قومي بوداعه عند الصباح حتى ولو كان مشغولاً باللعب، لأنه عندما ينتهي سيفتقدك ويبحث عنك.
- قولي له من سيأتي لإحضاره في المساء، فهذا الأمر يعطيه إحساساً بالأمان.
ـ عند المساء أطلبي منه إخبارك عما فعل طيلة اليوم وسيعلم أنك بذلك تبدين اهتمامك به، وإن لم يحرك ساكناً لا تلحي بالسؤال، لأن الصغار يعيشون أحياناً حالة لا يبدون فيها رغبتهم في التحدث.
إزالة بعض العوائق:
- إذا بكى طفلك لمجرد تركك له، لا تهتمي ودعيه يذرف الدموع ثم إعمدي الى ملاطفته والتحدث اليه بروية وستلاحظين أنه سيهدأ شيئا فشيئاً.
- أن لاحظت أي انزعاج في نومه أو الخوف من رؤية أحلام مزعجة أو حتى تبول في ثيابه، فهذا طبيعي لا تؤنبيه وحاولي تهدئته قدر المستطاع، فهذا سيساعده كثيراً في محاولته النوم مجددا.
ـ التحضيرات ليوم الدخول الى الحضانة:
أيام معدودة ويدخل طفلك الحضانة لأول مرة، وتعتبر هذه مرحلة هامة في حياة كل طفل ... بل عالم مثير وغريب في آن معا بالنسبة اليه.. مشاعر مليئة بالسعادة، القلق وربما الخوف من الفشل في التأقلم مع المحيط الجديد. لهذا نقدم لك صديقتي، ولكل أم تهتم بطفلها وتدرك أهمية هذه المرحلة الحرجة بالنسبة اليه، بعض الخطوات التي من شأنها المساعدة في إنجاح مهمة صعبة وممتعة في أن واحد.
التحضيرات:
- إشرحي لطفلك بروية وتدريجياً، أن هناك معلمة واحدة وعدة صفوف، وبالتالي سيكون هنالك العديد من الأطفال الذين يقصدون المدرسة وليس هو فقط.. وعليك مراعاة أن الصغير في هذه المرحلة قد يشعر بالخوف والريبة من المحيطين به ومن الضجة، لذا لا تخاطري بقول المزيد مخافة إثارة القلق والاضطراب في داخله.
- عوّديه على الأماكن من خلال اصطحابك له في جولات أمام المدرسة ليرى الأطفال بثيابهم وحقائبهم المدرسية.
ـ اصطحبيه لشراء الاحتياجات اللازمة من أوراق، أقلام، دفاتر وحقيبة مدرسية حتى وإن لم يبد أي اهتمام بذلك.
تجنبي في البداية شراء ثياب المدرسة حتى ولو اضطررت لاستعمال ثيابه العادية، وذلك لكي لا يشعر بالتغيير المفاجئ، وتجنيبك أي تقلبات في سلوكه.
التحضير لليوم الأول:
ـ في اليوم الأول لدخوله المدرسة، اصطحبيه برفقة والده إذا أمكن لأن أي واحد منكما قد يساعد الآخر في تخفيف الأجواء المشحونة بالقلق وبالتالي يستطيع تدارك تلك اللحظات الهامة والحساسة.
- تفقدي معه الصف إذا سمحت المعلمة وأرشديه إلى مكان جلوسه مع الأطفال والى زاويته المخصصة لوضع أغراضه كالمعطف وحقيبته المدرسية.
ـ البسيه ملابس مناسبة له من بروتيلات وسليبات تشعره بالراحة ولا تضايقه اثناء دخوله الحمام ويفضل أن ينتعل أحذية سهلة.
احترام ومراعاة نظام محدد:
- اتبعي صديقتي نظاماً تدريجياً مع طفلك فمثلاً تستطيعين وضعه في الحضانة صباحاً لمدة يومين، وفي اليوم الثالث تفقديه عند الظهر، وبعدها أبقيه قدر المستطاع لفترة ما بعد الظهر، وإذا أردت ابقاءه في المطعم (المخصص للطلبة) في الأيام التالية فلا بأس في ذلك.
- أبقيه في الحضانة بعد ذلك كي يتأقلم مع محيطه الجديد ويستطيع فهم أن هذا هو المكان الذي سينتمي اليه لاحقا.
- كوني دائماً على الموعد. ففي الصباح لا تتأخري في إيصاله حتى لا يحس نفسه خارج المجموعة، وفي الليل لا تتأخري في إحضاره فرؤية الأطفال يغادرون وهو وحده سيسبب له نوعاً من الاضطراب.