البرامج الإذاعية بين الفصحى والعامية:
بداية، نؤكد أنه من الضروري التزام الإذاعة باستخدام اللغة المبسطة في توصيل الرسالة الإعلامية بمختلف أنواعها وذلك على اعتبار أن الفصحى المبسطة شكل لغوي يراه الناس لغتهم القومية ومظهر شخصيتهم، ورمز استقلالهم، ويكتسب أهميته من ظروف سياسية واجتماعية وأدبية. ومن ثم يحظى بمكانة تفوق مكانة أي شكل لغوي آخر في المجتمع، كما أن الفصحى المبسطة، أو فصحى العصر شكل له وظائف أكثر ارتباطا بالشؤون العامة للأفراد، فهو لغة الدولة بهيئاتها المختلفة والتعليم بكل مراحله، والعلم بمختلف فروعه، والأدب.. إلخ، كما أن الفصحى المبسطة شكل لغوي ثابت نسبيا يعد معيارا للصواب وحسن القول تحفظه الكتابة وترعاه الهيئات المعنية باللغة ويلتزمه أفراد المجتمع. واللغة لا تستطيع أن تحفظ الوجود الاجتماعي إلا إذا امتلكت قدرا منقولا من عناصر الثبات تقاوم به عوامل التغير لتضمن للجماعة أن يتمايز أفرادها دون أن ينفرطوا وللأمة أن تتقدم ولأجيالها أن تتطور ويظل الجيل الأخير امتدادا واستمرارا للأجيال السابقة، وهذه العناصر التي تحقق الثبات أو الاستقرار هي بذاتها التراث القومي الذي تتمثل فيـه شخصية الأمة ووعيها الظاهر والباطن بذاتها وبالعالم، كما تتمثـل فيـه أيضـا عبقرية اللغة وأسلوبها في إدراك الحقيقة وتمثل الجمال، وحين تبلغ اللغة هذا التطور وتختزن هذا التراث تتحول من أداة إلى مؤسسة وتصبح وسيلة وغاية في الوقت ذاته.
وقنوات الاتصال المتعددة خاصة الإذاعة بما تمتلكه من قدرة انتشارية هائلة، بمثابة الشرايين التي تتدفق فيها اللغة في إطار الاستخدام الاجتماعي، وقد انعكس ذلك على المنهج الحديث في دراسة الأدب والنقد واللسانيات، هذا المنهج الذي يتمثل أحد مبادئه في تحليل الظاهرة اللغوية لاكتشاف أجزائها والوقوف على نوع وخصوصية العلاقات التي تحكم ذلك النسق اللغوي بهدف التوصل إلى المعاني الكامنة، بمعنى تحليل الظاهرة اللغوية كنظام اجتماعي ونسق للقيم ويتتبع حركة المجتمع الفكرية والثقافية والاجتماعية، ومن ثم يعتبر النظام اللغوي نتاج فكر وفن وثقافة وتاريخ مجتمع بعينه، وكذلك على أساس أن لكل أسلوب للتعبير والمعالجة الفنية محددات تستمد خيوطها من التطور الثقافي والاجتماعي والسياسي.
ويتضح من ذلك أهمية الحفاظ على اللغة القومية ونشر وتدعيم استخدامها من جهة، وصعوبة تجريدها من سياقها الاجتماعي مـن جهـة ثانية، هذا السياق الاجتماعي ارتبط به ما يعرف المجتمع اللغوي المتكامل، الذي يضم المستويات اللغوية المختلفة، فصحى التراث، فصحى العصر، عامية المثقفين، عامية المتنورين، عامية الأميين، فجمهورية مصر العربية مثلا تمثل مجتمعا لغويا متكاملا، حيث يوجد فيها هذه المستويات اللغوية الخمسة نفس الأمر في الدول العربية الأخرى، وإن كان بصورة مختلفة، ولما كانت الإذاعة تعمل في مجتمع لغوي بهذه الصفة أي مجتمع لغوي متكامل، فإن هذا لابد وأن ينعكس على ما تقدمه من مواد وبرامج، وإلا عزلت نفسها عن المجتمع، الأمر الذي يفقدها صفة الفعالية يفهم من ذلك أن كل المستويات اللغوية ستظهر في البرامج الإذاعية بشكل أو بآخر، (بما في ذلك المستويات المختلفة للعامية)، وذلك على الأقل من منطلق الدور الاجتماعي للإذاعة، وكذلك من منطلق حق الاتصال لكل أفراد المجتمع.
فالعامية مثلا يمكن أن تظهر في حوار إذاعي بين المذيع وأحد المواطنين أو مجموعة منهم، بعضهم لا يمكنه التحدث بالفصحى، وهذا واقع كثيرا ما نسمعه في الإذاعات العربية في هذه الحالة تعكس الإذاعة واقع المجتمع، ولا يمكن اتهامها بأنها تستخدم العامية، فالعامية هنا وردت على لسان ضيف البرنامج، ومن المفترض أن القائم على البرنامج حرص على اختيار الضيـف المناسب للبرنامج، وإذا كان هذا الضيف لا يفهم العربية، فإن تعامل المذيع معه لابد وأن يكون بالمستوى اللغوي الذي يفهمه وإلا تعذر إجراء الحوار وبالتالي يتعذر تقديم الرسالة الإعلامية المطلوب تقديمها.
كما أن وجود العامية ضرورة في العديد من المسلسلات والتمثيليات الإذاعية حين يكون الأبطال والأحداث والظروف العامة ترتبط ببيئة يسودها استخدام العامية في هذه الحالة يجد السينارست ضرورة استخدام العامية لتجسيد الفكرة.
وماذا نقول مثلا بشأن المستوى اللغوي لحوار إذاعي شيق مع أحد المجرمين الذي لا يمكنه التحدث بالفصحى أو فهمها علما بأن هذا الحوار يأتي في غمار أهداف الإذاعة الخاصة بمكافحة الإجرام؟ أو ماذا نقول مثلا في مناقشة إذاعية مع مجموعة من المزارعين حول الأساليب الحديثة في الزراعة في إطار إسهام الإذاعة في تشجيع استخدام هذه الأساليب (وهؤلاء المزارعون لا يتحدثون الفصحى ولا يفهمونها)؟، وماذا نقول في لقاءات تجريها الإذاعة مع عمال المصانع، والمستفيدين من إنتاجها، وهؤلاء جميعهم يتحدثون العامية؟ وماذا نقول في إعلان عن سلعة أو خدمة هامة، ولن يحقق هدفه إلا باستخدام العامية في النص الإعلاني كي نجذب اهتمام الجمهور ونثير اهتمامه؟ وماذا نقول في أحد المشاهد الدرامية الذي يقوم على حوار بالعامية بين الأشخاص المدمنين في إطار الإذاعة لمقاومة الإدمان؟ ... إلخ.
واضح إذن ضرورة التمييز بين لغة الإذاعة عندما يكون مصدرها القائم بالاتصال الإذاعي من خلال نص إذاعي وبين هذه اللغة عندما يكون مصدرها أحد الضيوف. ففي الحالة الأولى (حالة النص الإذاعي)، يتعين الالتزام بقواعد فصحى العصر، من نحو وصرف مع البساطة والدقة والوضوح في اللغة. أما في الحالة الثانية (حالة الضيف المتحدث)، وكذلك في بعض الأحوال الأخرى، يتعين على الإذاعة الحرص على تجنب الألفاظ الهابطة والمبتذلة، خاصة وأن الإذاعة وغيرها من وسائل الاتصال تتهم بأنها من عوامل انتشار هذه الألفاظ في المجتمع. إن الحفاظ على الفصحى ونشر استخدامها وإكسابها قوة وشرعية الوجود على مسرح الحياة اليومية للجماهير هو أمر تمليه مسؤولية الإذاعة تجاه المجتمع، كما أن استخدام العامية دون هبوط أو ابتذال وفي حدود مـا يقتضيه تحقيق دور الإذاعة على الوجه الأمثل هو أمر تمليه ضرورة إتاحة حق الاتصال لكل الأفراد، كما أن معطيات الواقع الاجتماعي تجعل دور الإذاعة يتسع ليشمل تحقيق مصلحة اللغة والمجتمع على السواء، ومصلحة كلا الجانبين تربطهما علاقة وثيقة لا انفصام لها.