الأدب
الشعر
العصر الجاهلي
العصر الاسلامي
العصر العباسي
العصر الاندلسي
العصور المتأخرة
العصر الحديث
النثر
النقد
النقد الحديث
النقد القديم
البلاغة
المعاني
البيان
البديع
العروض
تراجم الادباء و الشعراء و الكتاب
زياد بن أبيه
المؤلف:
عمر فرّوخ
المصدر:
تأريخ الأدب العربي
الجزء والصفحة:
ج1، ص387-391
30-12-2015
5403
ولد زياد هذا في مكّة في السنة الاولى من الهجرة (622 م). وكانت أمّه سميّة جارية من الطائف من ذوات الرايات (1)، ولم يكن أبوه معروفا، فدعاه الناس زياد بن سميّة. ثم اشتهر باسم زياد بن أبيه.
شبّ زياد ذكيا مقتدرا وأديبا بارعا. وكان إداريا حازما وسياسيا قديرا فعدّ في دهاة العرب. ودهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان والمغيرة ابن شعبة وعمرو بن العاص وزياد بن أبيه.
سكن زياد البصرة، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب [عليه السلام] شديد الوفاء له فولاه عليّ فارس فضبطها وجمع أمورها. وحاول معاوية أن يستميل زيادا فلم يستطع لوفاء زياد لعليّ [عليه السلام] ولأن عليا كان قد بلّغه من الدنيا كل أمنية. فلمّا قتل عليّ [عليه السلام] (40 ه) عرض معاوية على زياد أن يلحقه بنسبه، فلان زياد. وفي آخر سنة 44 ه (أوائل 665 م) أشهد معاوية الشهداء على أن والده أبا سفيان بن حرب كان قد اتصل بسميّة والدة زياد (وهما بعد على الشرك) وأن زيادا أخوه لأبيه. فنفى زياد بذلك عن نفسه معرّة شديدة وكسب جاها جديدا.
ثم ان معاوية ولّى زيادا على البصرة (جمادى الأولى من سنة 45 ه-صيف 665 م). ولمّا توفّي المغيرة بن شعبة والي الكوفة بالطاعون، سنة 50 ه، ضم معاوية الكوفة إلى زياد. فكان زياد أوّل من جمع له الكوفة والبصرة. وملك زياد العراق خمس سنوات فضبطه وأقرّ الأمن فيه. وقد هجّر زياد خمسين ألفا من عرب العراق، من أنصار العلويين في الأغلب، إلى خراسان، فكان نسل هؤلاء عماد الثائرين فيما بعد على الأمويين، فعصفت ثورتهم بخلافة بني أمية ورفعت بني العباس على سدة الخلافة.
وتوفي زياد في الكوفة، قيل بالطاعون، في شهر رمضان من سنة 53 ه (في آخر الصيف من عام 673 م).
زياد بن أبيه من مشاهير الخطباء، كان داهية حصيف الرأي حازما شديدا في الحق إلى حدّ العنف أحيانا مع كثير من الحلم والكياسة. وكان في خطبة حاضر الذهن طلق اللسان يطيل الخطب، وكلّما طالت خطبته جادت. وقد كانت ألفاظه فصيحة وتراكيبه واضحة وأسلوبه جزلا متينا، وكان يعتمد الوعيد والتهديد في تأثيره في السامعين.
وزياد بن أبيه أول من ألّف كتابا في «المثالب» (في المعائب القومية)، قيل عرّض فيه بالعرب (الفهرست، ليبزغ، ص 89). وكذلك كان قد حثّ أبا الأسود الدؤليّ على أن يضع للناس كتابا تضبط به قراءة القرآن (في النحو) فلم يهتمّ أبو الأسود بذلك في أول الأمر (الفهرست 40).
-المختار من خطبه:
لمّا حاول معاوية أن يستميل اليه زياد بن أبيه لم يجد فيه ميلا ولا لينا. فما زال معاوية يتلطّف ويتابع الجهد حتّى ظهر على زياد شيء من اللين ولكن تريّث يومين أو ثلاثة يروّي في أمره. ثم ان زيادا أجمع أمره على أن يستجيب لدعوة معاوية بأن يقبل بالاستلحاق (بأن يقبل أن يلحق نسبه بأبي سفيان والد معاوية). والخطبة التالية تمهيد أمام الناس لانتقاله من شيعة الإمام عليّ بن أبي طالب إلى أن يدخل في سياسة معاوية:
أيّها الناس: ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم، وارغبوا إلى اللّه في دوام العافية (2) لكم. لقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان (3) وفكّرت فيهم فوجدتهم كالأضاحي في كلّ عيد يذبحون. ولقد أفنى هذان اليومان، يوم الجمل ويوم صفّين (4)، ما ينيف على مائة ألف كلّهم يزعم أنه طالب حقّ وتابع إمام (5) وعلى بصيرة من أمره. فاذا كان الأمر هكذا، فالقاتل والمقتول في الجنّة! كلاّ، ليس الأمر كذلك، ولكن أشكل الأمر والتبس على القوم. وإنّي لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ، فكيف لامرئ بسلامة دينه؟ ولقد نظرت في أمر الناس فوجدت أحمد العاقبتين العافية. وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته-فقد حمدت طاعتكم-إن شاء اللّه.
-الخطبة البتراء:
لمّا ولي زياد البصرة قدمها في غرّة جمادى الأولى من سنة 45 ه (20 تموز 665 م) والفسق فيها كثير فاش ظاهر. فخطب خطبة بتراء (لم يحمد اللّه فيها) فقال:
أما بعد، فانّ الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغيّ الموفي بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام التي ينبت فيها الصغير (6) ولا يتحاشى عنها الكبير. كأنكم لم تقرؤوا كتاب اللّه ولم تسمعوا ما أعدّه اللّه من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الاليم لأهل معصيته. أ تكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدّت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية (7)؟ أ لم يكن فيكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار (8)؟ قرّبتم القرابة وباعدتّم الدين: تعتذرون بغير العذر وتغضون على المختلس. كل امرئ منكم يذبّ عن سفيهه (9)، صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا (10). ما أنتم بالحلماء وقد اتبعتم السفهاء. فلم يزل ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الاسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوسا في مكانس الريب (11). حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض هدما وإحراقا!
إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوّله: لين في غير ضعف، وشدّة في غير عنف. وإني أقسم باللّه، لآخذنّ الوليّ منكم بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطيع بالعاصي، والسليم منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج، سعد، فقد هلك سعيد! أو تستقيم لي قناتكم.
وقد أحدثتم أحداثا لم تكن. وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة: فمن غرّق قوما غرّقناه (12)، ومن نقب عن بيت نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنّاه فيه حيّا. فكفّوا عني أيديكم أكفف عنكم يدي ولساني، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامّتكم الا ضربت عنقه.
وقد كانت بينكم وبين أقوام إحن، فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي. فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته (13). فإن فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم. فربّ مبتئس بقدومنا سيسرّ، وربّ مسرور بقدومنا سيبتئس!
___________________________
1) ذوات الرايات: النساء المتزينات للرجال (وقد كن ينصبن على أبوابهن رايات يعرفن بها).
2) العافية: السلامة من المصائب.
3) راجع، فوق، ص 229،307.
4) راجع، فوق، ص 307-308،351.
5) الامام: الخليفة (وهنا: داعية إلى حق، أو أنه على حق).
6) ينشأ الصغير وهو يشاهد الأمور العظام (الاعمال القبيحة).
7) فضل الفانية (الدنيا) على الباقية (الآخرة).
8) نهاة جمع ناه (من يمنع الآخرين عن عمل الشر). غواة جمع غاو (ضال، مفسد). دلج الليل (الذهاب في ستر الليل للفسق). غارة النهار: الغزو والسرقة.
9) يذب عن سفيهه: يدافع عن الاشرار الذين ينفذون مآربه ويبرر أعمالهم.
10) المعاد: البعث في الآخرة.
11) أطرقوا (هدأوا، اختبئوا) وراءكم (محتمين بكم) كنوسا (جمع كانس: مختف) في مكانس الريب (الأماكن المشبوهة).
12) غرق قوما: فجر في أرضهم الماء (لكثرة المياه في البصرة).
13) يبدي لي صفحته: يشكو إلي ما به من تلقاء نفسه.