إنّ الإرادة والكراهة كيفيتان نفسانيّتان كسائر الكيفيات النفسانيّة ، يجدهما الإنسان بذاتهما بلا توسط شيء مثل اللذّة والألم وغيرهما من الأمور الوجدانية. غير أنّ الهدف تحليل ذلك الأمر الوجداني تحليلا علميا وصياغته في قالب علمي. وإليك الآراء المطروحة في هذا المجال.
أ ـ فسّرت المعتزلة الإرادة ب «اعتقاد النّفع» والكراهة ب «اعتقاد الضرر» ، قائلين بأنّ نسبة القدرة إلى طرفي الفعل والترك متساوية ، فإذا حصل في النفس الاعتقاد بالنفع في أحد الطرفين ، يرجح بسببه ذلك الطرف ويصير الفاعل مؤثّرا فيه.
ويلاحظ عليه أنّه ناقص جدا ، لأن مجرد الاعتقاد بالنفع لا يكون مبدأ للتأثير والفعل ، إذ كثيرا ما يعتقد الإنسان بوجود النفع في كثير من الأفعال ولا يريدها ، وربما لا يعتقد بوجوده فيها ، بل يعتقد بوجود الضرر ومع ذلك يريدها لموافقتها لبعض القوى الحيوانية.
ب ـ فسرت جماعة أخرى الإرادة بأنها شوق نفساني يحصل في الإنسان تلو اعتقاده النفع.
ويلاحظ عليه أنّ تفسير الإرادة بالشوق ناقص جدا إذ ربما تتحقق الإرادة ولا يكون ثمّة شوق كما في تناول الأدوية المرّة لأجل العلاج. وقد يتحقق الشوق المؤكّد ولا تكون هناك إرادة موجدة للفعل كما في المحرّمات والمشتهيات المحظورة للرجل المتقي.
ولأجل ذلك صارت النسبة بين الإرادة والشوق عموما وخصوصا من وجه.
ج ـ الإرادة كيفية نفسانيّة متخللة بين العلم الجازم والفعل ويعبر عنها بالقصد والعزم تارة ، وبالإجماع والتصميم أخرى. وليس ذلك القصد من مقولة الشوق بقسميه المؤكّد وغير المؤكّد ، كما أنّه ليس من مقولة العلم رغم حضوره لدى النفس كسائر الكيفيّات النفسانيّة.
وباختصار، حقيقة الإرادة «القصد والميل القاطع نحو الفعل».
هذه بعض التفاسير المختلفة حول حقيقة الإرادة وهناك نظريات أخرى طوينا عنها الكلام.
وعلى كل تقدير ، لا يمكن تفسير الإرادة الإلهية بواحدة منها ، أما أوّلها فقد عرفت أنّ تفسير الإرادة باعتقاد النفع ملازم لإنكار الإرادة مطلقا في الموجودات الإمكانية فضلا عن الله سبحانه وذلك لأنّ مرجعها إلى العلم بالنفع ، مع أنّا نجد في أنفسنا شيئا وراء العلم والاعتقاد بالنفع ، والقائل بهذه النظرية يثبت العلم وينكر الإرادة. فإذا بطل تفسير الإرادة بالاعتقاد بالنفع في الموجودات الإمكانية يبطل تفسير إرادته سبحانه به أيضا. وسيوافيك أنّ من يفسّر إرادة الله سبحانه بالعلم بالأصلح ، متأثر من هذا التفسير ، غير أنّه بدّل العلم بالنفع ـ الظاهر في النفع الشخصي ـ إلى العلم بالأصلح اللائق بحاله سبحانه ، الهادف إلى مصالح العباد ، فانتظر.
وأما التفسير الثاني، أعني الشوق أو خصوص الشوق المؤكد ، فلو صح في الإنسان فلا يصح في الله سبحانه ، لأن الشوق من مقولة الانفعال تعالى عنه سبحانه. فإنّ الشوق إلى الشيء شأن الفاعل الناقص الذي يريد الخروج من النقص إلى الكمال ، فيشتاق إلى الشيء شوقا أكيدا.
وأما التفسير الثالث ، فسواء أفسرت بالقصد والعزم ، أو الإجماع والتصميم ، فحقيقتها الحدوث بعد العدم ، والوجود بعد اللاوجود وهي بهذا المعنى يستحيل أن تقع وصفا لذاته لاستلزامه كون ذاته معرضا للحوادث (1).
ولأجل عدم مناسبة هذه التعاريف لذاته سبحانه ، صار المتألهون على طائفتين : طائفة تحاول جعلها من صفات الذات لكن بمعنى آخر ، وطائفة تجعلها من صفات الفعل فتذهب إلى أنّ الإرادة كالخلق والرزق تنتزع من فعله سبحانه وإعمال قدرته وهذه الطائفة أراحت نفسها من الإشكالات الواردة على كونها من الصفات الذاتية. وإليك الكلام حول نظريات هاتين الطائفتين.
_____________
(1) وسيوافيك في الصفات السلبيّة أنّ ذاته تعالى ليست محلا للحوادث