نظر رفاعة الطهطاوي إلى التاريخ من نفس الزاوية التي نظر إليه منها فوكوزاوا، باعتبار التاريخ حركةً تقدُّميةً يقطعها الإنسان على طريق الحضارة، وسجلًّا للحضارة البشرية. ومن بين مؤلَّفاته المتأخرة كتابٌ في مجلدَيْن عن تاريخ مصر — سبقَت الإشارة إليه — وكان الكتاب قد قصد به أن يكون الأول في سلسلة تعرضُ لكل ما يجب أن يعرفَه المصري الحديث عن بلاده؛ لأن الطهطاوي رأى أن دراسة التاريخ تُفيد الأمم؛ فهي تلعب نفس الدور الذي يلعبه التعليم العام في صياغة الروح الوطنية؛ لأنه يتضمَّن تجارب الماضي التي تُعين الأمة على حل مشاكلها الراهنة.1
ورأى الطهطاوي أن دراسة التاريخ تؤدى إلى الوصول إلى نتيجتَين؛ أولاهما أن الحضارة مجرد مرحلة من مراحل التطور وليست ذروة ذلك التطور، وثانيهما أن الناس يجب أن تتوفر لديهم الرغبة في المضيِّ على طريق الحضارة والتضحية في سبيل تحقيقها. وأرجع الطهطاوي نجاحَ أوروبا في بلوغ ما حققَته من الرُّقي الحضاري إلى ثلاثة أسباب؛ أولًا ما أبداه الأوربيون من روح المبادرة والحيوية، ثانيًّا اتباعها لنظامٍ سياسي يقوم على الحرية والعدالة، وثالثهما حرصهم على الاستفادة من صِلاتهم بالشعوب الإسلامية ذلك الاتصالَ الذي كان سلبيًّا زمنَ الحروب الصليبية وإيجابيًّا في إسبانيا وإيطاليا؛ فكان الأوروبيون قادرين على الاستفادة من اتصالهم بالبلاد الإسلامية؛ لأن عقولهم كانت متفتحة، وإن اختلفوا عنهم في العقيدة؛ ومن ثَم رأى الطهطاوي أن الوقت قد حان كي يتجهَ المسلمون والعرب إلى التعليم من أوروبا دون تردُّد.2
وأكَّد الطهطاوي أن الاتصال بأوروبا يحفِّز التقدم الحضاري في البلاد العربية؛ لأن الاتصال بالبلاد الأجنبية يماثل حرية العمل، ولا يستقيم بدونها، وأن الدافع لمن يقومون بهذا الاتصال طلب العلم والمعرفة وخدمة أهداف الأمة، والاتصال بالأجانب وخاصةً أهل العلم منهم يزوِّد الوطن بأسباب التقدم.3 وامتدح الطهطاوي محمد علي لإنهائه عُزلة مصر وتشجيعه الاتصال بالأجانب؛ لأن ذلك يعود بالنفع على الاقتصاد المصري، ويدفَع بالبلاد على طريقِ التقدم الحضاري.4
وقد دعا الطهطاوي إلى استيعاب كل فروع المعرفة، فيما عدا ما اتصل بالدين المسيحي، وتحفَّظ على بعض مجالات الفلسفة الغربية التي تتناول أشياء تتعارض مع ما جاء بالكتب المقدسة؛ ولذلك اشترط على مَن يقبل على دراسة الفلسفة أن يكون ضالعًا في العلوم الشرعية، حتى لا تؤثِّر تأثيرًا سلبيًّا على إيمانه.5 واستخدم الطهطاوي مصطلح «التمدن» عند وصفه للتطور الاجتماعي والاقتصادي في أوروبا، وقسَّم التطور الحضاري إلى ثلاثِ مراحل، ضرب أمثلةً طريفةً لكلٍّ منها، فقال: «فكلما تقادم الزمنُ في الصعود رأيتَ تأخُّر الناس في الصنايع البشرية والعلوم المدنية، وكلما نزلتَ ونظرتَ إلى الزمن في الهبوط رأيتَ في الغالب ترقِّيَهم وتقدُّمَهم في ذلك.
وبهذا الترقِّي وقياس درجاته، وحساب البُعد عن الحالة الأصلية والقُرب منها، انقسم سائر الخلق إلى عدة مراتب:
• المرتبة الأولى: مرتبة الهمَل المتوحشين.
• المرتبة الثانية: مرتبة البرابرة الخشِنين.
• المرتبة الثالثة: مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضُّر والتمدُّن.
مثال المرتبة الأولى همَل بلاد السودان، الذين هم دائمًا كالبهائم السارحة، لا يعرفون الحلال من الحرام، ولا يقرَءون ولا يكتبون، ولا يعرفون شيئًا من الأمور المسهِّلة للمعاش، أو النافعة للمعاد …
ومثال المرتبة الثانية عرب البادية؛ فإن عندهم نوعًا من الاجتماع الإنساني والاستئناس والائتلاف … غير أنهم أيضًا لم تكتمل عندهم درجة الترقِّي في أمور المعاش والعمران والصنايع البشرية والعلوم العقلية والنقلية … ومثال المرتبة الثالثة بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم والإفرنج والمغرب وسنار وبلاد أمريقة على أكثرها وكثير من جزائر البحر المحيط؛ فإن جميعَ هؤلاء الأمم أربابُ عمران وسياسات وعلوم وصناعات وشرائع وتجارات، ولهم معارفُ كاملة في آلات الصنايع … ولهم علمٌ بالسفر في البحور، إلى غير ذلك. وهذه المرتبة الثالثة تتفاوت في علومها وفنونها وحسن حالها وتقليد شريعة من الشرائع وتقدُّمها في النجابة والبراعة في الصنايع المعاشية، مثلًا البلاد الإفرنجية قد بلغَت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية وما وراء الطبيعة أصولها وفروعها …»6
وقد عارض الطهطاوي التقسيم التقليدي الإسلامي للعالم إلى دار الإسلام ودار الكفر؛ ففي التصنيف الحضاري الذي أورده أعلاه وضع البدو العرب الذين يُعَدُّون مادة الإسلام ضمن شريحة البرابرة، بينما وضع المسيحيين الأوروبيين في نفس الشريحة التي ضمَّت العرب والفرس والأتراك، واعترف لهم بتفوقهم في مجال المعرفة. وجعل هذا أساسًا لتجديد علاقة العرب بأوروبا في العصر الحديث. وفي كتابات الطهطاوي ترِد عبارة «البلاد الغربية» لأول مرة في الأدبيات العربية لتعبِّر عن أوروبا وغيرها من بلاد الغرب كمُقابلٍ للعالم الإسلامي، وبذلك أراد الطهطاوي أن يبيِّن أن هناك الغرب في مقابل الحضارة الإسلامية، وأن لكلٍّ من الحضارتَين جوانبها الإيجابية، فامتازت الحضارة الإسلامية بالشريعة، على حين امتازت الحضارة الغربية بالمعرفة العلمية.7
وعند تمييزه بين الحضارتَين ذكَر الطهطاوي أن الفارق بينهما يتمثل في روحانية الشرق ومادية الغرب، فيذكر في «تخليص الإبريز» أن الفرنسيين ماديُّون يسعَون لتحقيق الثروة المادية؛ ومن ثم يختلفون عن العرب في ذلك؛8 ولهذا السبب لا يرى أن العرب يستطيعون أن ينهَجوا نهجَهم حتى يتم استيعابهم للحضارة الأوروبية؛ ولذلك سعى للتعرُّف على أسس تلك الحضارة التي يستطيع العرب أن يفيدوا منها وأن يكتسبوها.9
وهنا نجد الطهطاوي يميِّز بين مكوِّنَين من مكوِّنات الحضارة؛ المكون الروحي الذي يتصل بالأخلاق والعادات والسلوك، ويتمثل في الدين والشريعة، والمكوِّن الآخر مادي يتصل بالمنافع العمومية، كالزراعة والتجارة والصناعة، وهو ضروري لتحقيق التقدُّم. غير أن الوصول إلى درجةٍ عاليةٍ من الرقي الحضاري يحتاج إلى المزج بين العنصرَين، وإلا كان التطور مختلًّا. ورأى الطهطاوي أن الأخذ بالمظاهر الخارجية للحضارة الأوروبية، كالملابس، والأدوات، ونمط الحياة اليومية لا يحقِّق التقدم الحضاري، ولكن التغيُّرات البنيوية المادية والروحية هي التي تجعل التقدُّم الحضاري ممكنًا.10
ورأى الطهطاوي أن العرب (والمسلمين) يجب أن يقتبسوا بعض المظاهر النافعة من الحضارة الغربية، على أن يكون ما يقتبسونه منها في إطار القيم الخُلُقية والمبادئ القانونية للشريعة الإسلامية. وأشار إلى أن الاندفاع نحو العقلانية دون تحفُّظ يتعارض أحيانًا مع الشريعة الإسلامية، من خلال إشارته إلى أن إغراقَ الفرنسيين في العلم جعلهم يحيدون عن طريق الإيمان، غير أنه لم يُلقِ المزيد من الضوء على هذه الفكرة، وإن كنا نظن أنه كان مدفوعًا إليها بدافع الحرص على عدم إثارة المدرسة التقليدية عند طرحه لفكره الجديد؛ لأننا نجده يقول «كما أن البلاد الإسلامية قد برعَت في العلوم الشرعية والعمل بها وفي العلوم العقلية، وأهملَت العلوم الحكمية بجملتها؛ فبذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه وجلب ما تجهل صنعه.»11 فهو هنا لا يجد مناصًا من الاستفادة من الجانب المادي في الحضارة الغربية، ولكن على أساسٍ انتقائي.
وذهب الطهطاوي إلى أن الأمة التي تُهمِل تطوُّر الحضارة في بلادها، وصولًا إلى أرقى مستوًى يمكن بلوغه، تتعرَّض للوقوع تحت سيطرة غيرها من الأمم.12 ويرى أن تحقيقَ الرُّقي الحضاري يجلب منافعَ متعددة، فتقل الحروب وتتناقص الصراعات حتى تتلاشى تمامًا ويتلاشى معها الاستعباد والفقر؛ فالحضارة تؤدِّي إلى حفظ القانون والنظام والتنافس في طلب العلم والمعرفة، وتنمية الزراعة والتجارة والصناعة، واكتشاف الأراضي الجديدة التي تساعد على النمو الاقتصادي، واختراع المُعدَّات والآلات التي تيسِّر وسائل الإنتاج، ولا يتحقَّق ذلك إلا بتشجيع العلماء على وضع المؤلَّفات في مجالات العلوم والشريعة والأدب والسياسة والاقتصاد، وضمان حرية النشر وتطور الصحافة، حتى يتسع بذلك مجال الحضارة.13
لقد استقى فوكوزاوا والطهطاوي معظم أفكارهما المتصلة بالتاريخ والحضارة من كتابات المؤرخين الغربيين؛ فكلاهما تأثَّر كثيرًا بكتاب جيزو Guizot عن تاريخ الحضارة الأوروبية، وقد أضاف إليه فوكوزاوا كتاب باكل Buckle عن تاريخ الحضارة في إنجلترا. وقد قدَّر كلٌّ من فوكوزاوا والطهطاوي الحضارة الغربية تقديرًا كبيرًا، وجعلا هدفهما أن تلحق بلادهما بأعلى درجات الرُّقي الحضاري، ولكنهما لم يطرحا أفكارهما دون تحفُّظات؛ فقد اتفقَت وجهاتُ نظرهما حول التناقضات الأساسية بين ثقافة بلادهم الوطنية التقليدية وبين الثقافة الأوروبية، وسعى كلٌّ منهما إلى رسم الطريق الذي تسلكُه بلاده طلبًا للرُّقي الحضاري، واتفق الرجلان على أن المظاهر الخارجية للحضارة الغربية لا تحقِّق التقدم، كما رأيا في التقدُّم الحضاري السبيلَ للحفاظ على الاستقلال الوطني.
ولكن هناك خلافات جوهرية بين أفكار فوكوزاوا والطهطاوي فيما يتصل بتكوين الشكل الوطني المتميز للحضارة في بلادهم؛ فبينما سعى فوكوزاوا إلى صياغة نظامٍ أخلاقيٍّ جديدٍ من خلال ما أسماه «روح العصر» تمسَّك الطهطاوي بالقيم الخُلُقية الإسلامية، كإطارٍ لا غنى عنه لعملية التطور الحضاري الحديث، غير أن الرجلَين اتفقا على مبدأ الانتقاء عند الاقتباس من الحضارة الغربية.
.................................................
(1) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص 206.
(2) Abu-Lughod, Arab Rediscovery, pp. 146–48.
(3) الطهطاوي، مناهج، ص188.
(4) نفس المرجع، ص 232.
(5) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص 131.
(6) نفس المرجع، ص 6-7.
(7) Abu-Lughod, p. 139.
(8) الطهطاوي، تخليص الإبريز، ص 124-125.
(9) الطهطاوي، مناهج، ص5-6.
(10) نفس المرجع، ص 6-7.
(11) Abu-Lughod, p. 145.
(12) الطهطاوي، المرشد، ص43.
(13) نفس المرجع، ص 211–112.