تتفرد هذه الآية بلهجة تهديدية لا تتوفر في أي آية من الآيات السابقة: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). فأمر الآية بالتقوى، ومجيء اسم (الله) فيها، وإخبارها وتحذيرها من شدّة العقاب، وتكرار اسم (الله) فيها واقترانه بالتأكيد بدلاً من المجيء بالضمير، كل ذلك يشير إلى التهديد بأقصى درجاته.
ولا يسع أي عاقل يسمع مثل هذا التهديد إلا أن يتساءل عن السر وراء ذلك. وهذا السر يكمن في واقعة تنبئ عن إنكار واستنكار واستكبار البعض وعدم قبوله لحكم حج التمتع، فكشف الله بهذه اللهجة الشديدة عن الحقيقة الاستنكارية التي انطوت عليها هذه الواقعة التاريخيّة. وتكرار لفظ (الله) ومجيء الاسم الظاهر بدلاً من الضمير، وتعبير (شَدِيدُ الْعِقَابِ) كل ذلك تحذير من خطر لا بد من الانتباه عليه وعلى أخطاره المتوقعة في المستقبل، وهو إنكار حج التمتع من قبل بعض الخلفاء والصحابة.
إن روايات أهل البيت اليه والنصوص التاريخية تشير إلى رواج أصل الحج بين أهل الجاهلية، حيث كانوا يؤدون حجّ القران والإفراد، وكانوا يرون أن كُلَّ واحد من الحج والعمرة هو عبادة مستقلة عن البعض الآخر؛ أما العبادة التي يتداخل فيها الحج والعمرة - أي حجّ التمتع - فلم تكن معروفة في الجاهلية، بل هي من بركات الإسلام[1].
لما بلغ الرسول الأكرم الله ﷺ عن الله تشريع حج التمتع، رأى البعض ذلك بعداً عن الحقيقة ظاهراً، وأضمروا إنكارهم .له ولما تسلّق هؤلاء سدة الحكم نهوا الناس عن هذا الحكم الإلهي بصراحة لا مواراة فيها فقالوا: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما[2].
وسيأتي تفصيل هذا البحث التاريخي والروائي في القسم التالي.
وتشبه هذه الآية نظيراتها من الآيات التي خاطب الله فيها بلهجة حادة بعض نساء النبي الأكرم ﷺ من كن مهيئات المخالفة حكم الله، قائلاً لهن بأن حالكن تختلف عن حال بقيّة النساء فاجلسن في بيوتكن ولا تتبرجن (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ[3])، أي إن بعض نساء النبي ﷺ كن بحاجة إلى التهديد والإنذار الشديد؛ لأن المستقبل القريب يحمل في طياته إمكانية إثارتهن للمشكلات، التي منها ما حدث في حرب الجمل من جهة[4] ورمي جنازة الإمام الحسن عليه السلام بالسهام من جهة أُخرى[5].
وما هذه الآيات إلّا نماذج من تحذيرات حفل القرآن بها لحوادث مؤلمة تنبأ بحدوثها في مستقبل الأيام.
[1] راجع: جواهر الکلام، ج 18، ص 50 - 53 .
[2] كنز العمال، ج 16، ص 521 ؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 490 .
[3] سورة الأحزاب، الآيات 32 - 33.
[4] راجع كتاب: نقش عایشه در تاریخ اسلام.
[5] مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص44.