علم الله بالأعمال ومجازاته عليها
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج10، ص99-100
2026-08-07
48
بعد أن أمر الله سبحانه الحجيج باجتناب الرذائل (محرمات الإحرام)، قال لهم: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) كي يوصلهم إلى الفضائل والخيرات، فالقرآن كتاب نور وهداية، لذا فهو يختلف عن بقية الكتب العلمية الصرفة في أنه إلى جانب المطالب العلمية التي يذكرها يربّي قارئه ويزكيه، كما في هذه الآية التي أرفقت مع بيانها لبعض محرّمات الإحرام تذكيراً ببعض المسائل الخلقية التي لها الدور الهام في تطبيق تلك الأحكام.
توضيح ذلك أنّ الفقه رغم كونه جزءاً من فنون الحكمة العملية، ومن سنخ مسائل الواجبات والمحرّمات الخلقية، إلّا أنّ بعده العلمي المحض الموجود في الكتب الفقهية يخلو من الوعظ والإرشاد، في حين نرى القرآن الحكيم إلى جانب بيانه للتعاليم الفنية الفقهية لا يغفل عن الأخلاق والموعظة والنصيحة، فيقدم التزكية كما يقدّم تعليم الكتاب والحكمة ومثل هذا التلفيق المبارك تما لا يمكن العثور عليه في الكتب الفنية الفقهية المتداولة.
وتتضمن عبارة (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) - إضافة إلى بيانها العالمية الله بالأعمال - تبشيراً وإنذاراً ضمنياً. وقد يتم التصريح أحياناً بالثواب أو العقاب، في حين قد يكون ذلك أحياناً أخرى دون تصريح، بل تستنبط الموعظة الضمنية من خلال التصريح بها في موضع آخر.
إن الله ليس غائباً، بل هو حاضر في وقت العمل فلا يخفى عليه شيء: (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [1])، وما نفعله من أعمال الخير نلاقيه عند الله حاضراً: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ [2])، ولا يخفى على الله شيء مهما صغر في السماوات أو في الأرض: (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ[3]). إذن، فالله عالم بكل شيء وقادر عليه، ولا يسهو أبداً؛ لذا يجب الإيقان بأنه يجازي على الأعمال، فيجب القيام بأعمال الخير.
والمقصود أن علم الله بطاعة العبد وعصيانه إن لم يكن له أثر ما، لما تمت الإشارة إليه إلى جانب الأمر بالفضائل والنهي عن الرذائل.
ملاحظة: إن رحمة الله تسبق غضبه من هنا كان التبشير تصريحاً (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ)، في حين كان الإنذار تلويحاً؛ لأنّ الله الذي هو عالم بالخير والطاعة فلا شك أنه يكون عالماً بالشر والمعصية فيعاقب طبقاً لذلك العلم، وإن كان لم يتم التصريح بعلم الله بالشر.
[1] سورة الأعراف الآية 7 .
[2] سورة البقرة، الآية 110 .
[3] سورة يونس، الآية 61 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة