تأثيرات الإشعاع الشمسي على أشكال الحياة المختلفة
المؤلف:
د. فواز أحمد موسى
المصدر:
جغرافية المناخ
الجزء والصفحة:
ص 62 ـ 65
2026-08-13
21
تعد الشمس مصدر طاقة الحياة الأساس، إذ تقوم النباتات بخزن طاقة إشعاعها خلال عملية صنع الغذاء بالتركيب الضوئي ليحرر ثانية في أجسام الحيوانات عند تغذيها عليه أو تحرير الطاقة الحرارية والضوئية عند حرق هذا النبات.
تتأثر الكائنات الحية بالتغيّرات والتحولات التي تحصل في الطبيعة وتمتثل إليها وتحدث هذه التغيرات البيئية نتيجة لتفاعل قوى الطبيعة من شمس وزرع وماء فيما بينها وبين بقية مكونات الأرض، فمن الممكن على سبيل المثال قراءة حركة الشمس اليومية من خلال دوران اتجاه بعض أنواع الزهور، وكما يمكن الاستدلال على الفصول من خلال ملاحظة التغيّر الحاصل في الوان ريش بعض الطيور أن مثل هذه الظواهر تدل بالضرورة على حتمية وجود أنظمة طبيعية تقوم بتغيير المواد والمعلومات والطاقة بشكل يلائم هذه الكائنات مع بيئتها بوصفها جزءا من متطلبات بقائها وخلال بعض مراحل نموها فلقد لاحظ الإنسان مبكرا تكيف بعض أنواع النباتات للإجهادات الحرارية الشمسية، فأوراق اللبلاب تدور بمقدار (270) لتتبع حركة الشمس، وعلى النقيض فإن أحد أنواع الخس البري ويدعى بـ (Compass Plant) يوجه أوراقه بموازاة أشعة الشمس لتجنب تأثيرها الحراري.
وإذا أجرينا تحليلاً لأشكال الحياة في الأقاليم المناخية المختلفة لبيان تأثير القوى البيئية عليها نجد أن أشكال أجزاء النبات تكون متراصة وإبرية الشكل في المناطق الباردة لتقليل تأثير العوامل القاسية، في حين يكون الجزء العلوي من أوراق النباتات في المناطق المعتدلة شفافاً ليسمح لأكبر قدر من الضوء بالنفوذ خلالها، أما في المناطق الحارة الجافة فتقل المساحة السطحية للأوراق التي هي في الحقيقة أغصان خضراء. وتكون الأشكال كتلية لغرض الحماية، وعلى العكس فإن أوراق النباتات تكون أكبر ما تكون في المناطق الحارة الرطبة حيث المناخ الملائم لنمو النباتات البحرية وتصل أحجام الأوراق فيها إلى مرتين ونصف قدر أحجام الأوراق في المناطق المعتدلة.
ونستنتج من الأمثلة السابقة تكامل تكيف النباتات مع البيئة فعند وفرة الإشعاع الشمسي مع اعتدال الحرارة تزداد كثافة أوراقها ويتسع حجم نصلها لتستغل وفرة الإشعاع وتوظفه من ناحية، وتحمي ما هو دونها من تأثيره السلبي من ناحية أخرى، في حين تسمح أشكال الأوراق الإبرية المتباعدة في المناطق الباردة بنفوذ الإشعاع الشمسي القليل والذي تكون الأجزاء الخضرية الأخرى بحاجة له، وإذا تأملنا أجزاء النبات الواحد، نلاحظ اختلاف أشكال والوان أجزائه حسب وظائفها فالتي تقوم بتوظيف طاقة الإشعاع الشمسي في عملية التركيب الضوئي (الأوراق) تكون عريضة مسطحة ذات مساحة سطحية كبيرة قياساً إلى السطح الآخر (السفلي)، في حين تأخذ أشكالاً كروية أو بيضوية ذات مساحة سطحية صغيرة قياسا إلى الحجم، وذات ألوان مغايرة في الغالب لألوان الأوراق الخضراء وذلك لتحوير يحصل في وظيفتها من التركيب الضوئي إلى الخزن.
تتوقف معدلات التمثيل الضوئي ، وبالتالي معدلات النمو في النباتات، ليس فقط على التركيب الطيفي للإشعاع بل على مقداره كذلك. وبشكل عام ومع توفر عوامل النمو الأخرى كوجود الماء ووجود تركيز كافٍ من ثاني أكسيد الكربون فإنَّ مقدار التمثيل الضوئي يزداد بشكل يكاد يكون خطياً مع مقدار الطاقة الساقطة على النبات.
وحتى مدى معين وبعد ذلك المدى يصبح النبات مشبعاً بالضوء، ويظل معدل التمثيل الضوئي ثابتاً وتتوقف النقطة التي يحدث عندها التشبع بالضوء هذا على نوع وصنف النبات، فبالنسبة للنباتات المحبة للظل تكون نقطة التشبع تلك أقل بينما هناك أنواع من النباتات التي نادراً ما تحصل على كفايتها وبالتالي لاتصل إلى درجة التشبع الضوئي هذه. إلا أنَّه عند المستويات المرتفعة جداً من معدلات الإشعاع قد تضطرب العمليات الفسيولوجية المنظمة للحرارة، وتنهار ويذبل النبات ويموت.
لقد ارتبط الإنسان الأول بحركة الشمس، وكان لهذا الارتباط دلالات دينية جعلته يوجه أبنيته المهمة باتجاه أشعة الشمس وقت شروقها، وقد درست حركة الشمس من قبل قدماء المصريين ووجد انهم كانوا يوجهون معابدهم أو مقابرهم تجاه الإحداثيات الأربعة أو أجزائها الفرعية بعناية فائقة، كما كان الإنسان البدائي يستجيب إلى متغيرات البيئة الخارجية، ومن أهمها الإشعاع الشمسي بالتنقل. ومن الأمثلة الواضحة على هذا التكيف الذي يتمثل بالتنقل الموسمي المتكرر دورياً كل سنة ، ما نجده لدى أقوام Piute Indians الذين سكنوا وادي (California Owens) لقد قامت هذه الأقوام بإنشاء قراها بالقرب من الجداول المنحدرة من سفوح الجبال، ومن مواقع هذه القرى الأساسية التي كانت تنتخب في أفضل المواقع مناخياً وأوفرها ماء كانت هذه الأقوام تقوم بهجرتها الموسمية، ففي كل صيف حين تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع والنهار يصبح أطول تكون الهجرة غرباً نحو مناطق أكثر ارتفاعاً، تتمتع فيها الأقوام المهاجرة إليها ببرود السفوح الغربية وظلالها، أما عند اقتراب الخريف ومن بعده الشتاء فقد كانت هذه الأقوام تعود إلى مناطق أقل ارتفاعاً وتمتعاً بالإشعاع الشمسي الجنوبي والغربي لقضاء أوائل أيام الشتاء الباردة، وتكتمل هذه الدورة السنوية حين تعود هذه الأقوام إلى قراها الأصلية في الوادي الأكثر دفئاً والذي يمكن السيطرة على مناخه بسهولة.
ومن هنا يتبين أن هذه الأقوام قد تجاوبت مع اتجاه تغير للإجهادات البيئة وهي شرق غرب الوادي الممتد باتجاه الشمال - جنوب، إذ إن تغير المواقع بالانتقال باتجاه الشرق غرب يحدث الكثير من التغير في العوامل البيئية ومن أهمها الإشعاع الشمسي الذي هو السبب الرئيس في هذه الإجهادات وقد أدرك الإنسان الأول قوة هذا العامل وحجم تأثيره وسعة آثاره.
ولدرجة الإشعاع الشمسي في إقليم معين تأثير في الكثير من الصفات الإيكولوجية لسكانها، فهو يؤثر في لون البشرة ولون العيون وفي طبيعة الجلد وطبيعة الشعر ودرجة تجعده، إذ تميل هذه الصفات إلى خلق نوع من التكيف لدى الإنسان أو حمايته من الإشعاع الشمسي إذا كانت شدته عالية، والعكس إذا كانت قليلة، وبهذا تحولت هذه التأثيرات على مر السنين إلى صفات وراثية.
أما الأثر الفيزيائي للإشعاع الشمسي فينقسم إلى تأثيرات بيولوجية وحرارية وتكمن التأثيرات البيولوجية ضمن الأشعة فوق البنفسجية من الإشعاع الشمسي، في حين تقع التأثيرات الحرارية ضمن الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء معاً، وينحصر الجزء المؤثر من الأشعة فوق البنفسجية بين الطول الموجي (0.288-0.313) ميكرون وله فوائد للوقاية من مرض الكساح ويسبب اسمرار البشرة البيضاء أو تعرضها للالتهاب، أما التأثير الحراري للإشعاع الشمسي فيعتمد على وضعية الجسم قياساً إلى اتجاه الشمس وعلى نوعية الملابس وانعكاسية الأجسام المحيطة به وسرعة الربح وعلى طبيعة العمل الذي يقوم به الإنسان إذ تتداخل أي من هذه العوامل فيما بينها لتؤثر في نسبة الجهد المبذول للعمل المعين وفي درجة نشاطه البدني والذهني وفي نسبة تعرقه وللإشعاع الشمسي تأثيرات نفسية تظهر في طبيعة معيشة الإنسان ونمط أدائه لفعالياته اليومية ونسبة تردده بين البيئة الداخلية والخارجية (الطبيعة) وكذلك في أوقات نومه واستيقاظه، ففي النماذج الشعبية للسكن يميل الساكنون إلى اتباع حركة الشمس عند أشغالهم لفضاءاتهم السكنية فهم يبحثون عنها أو يتجنبوها حسب حالة الطقس حينها، ففي الأقاليم الباردة تكون الحاجة فيها إلى التدفئة أكثر من التبريد نادرا ما يحتاج فيها إلى التبريد، لذلك فإنَّ أفضل اتجاه للمنزل فيها هو باتجاه الجنوب الشرقي وبالتحديد 12 درجة إلى الشرق من الجنوب لإيصال الإشعاع الشمسي إلى الجدران. كما يمكن النظر إلى الشمس بوصفها رمزاً للدفء، فالأماكن التي لا تدخلها أشعة الشمس شتاء تكون غير مريحة من الناحية النفسية على الرغم من كونها مريحة حراريا. ويضفي الإشعاع الشمسي خصائص جمالية وبصرية ذات تأثير مهم في إحساس الإنسان ببيئته العمرانية من أبنية وشوارع وحدائق، على الرغم من دور الشمس الإيجابي فإن الإنسان يفضل الظلال في المناطق الحارة جدا، نتيجة لما يسببه الإشعاع الشمسي من أعباء حرارية ونفسية عليه.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الجغرافية المناخية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة