بين الله سبحانه في الآيات السابقة السمات الروحية للمنافقين المفسدين، وصفات تضحية المؤمنين الخلص. وفي هذه الآية يخاطب المؤمنين جميعاً داعياً إياهم إلى اتباع طريق الصلح والاتحاد والحياة والمسالمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) والدخول معاً في حصن التعايش والوحدة الحصينة؛ لأن السلام والاتحاد بمثابة القلعة المحصنة التي تقي الإنسان من الحوادث المؤلمة، كعبارة «لا إله إلا الله» و«ولاية علي بن أبي طالب» التي أشارت إليها الروايات باعتبارها حصناً إلهياً حصيناً يقي الإنسان ويصونه من العذاب الإلهي[1]؛ لأنّ هذا الحصن حصنٌ مُحكم أوّلاً، وحارسه هو الله العزيز المقتدر. ثانياً، ومن هنا فلا هذه القلعة قابلة للهدم، ولا إمكانية للأجنبي على النفوذ فيها.
وجدير بالذكر أن المفسّرين لما اختلفوا في تعيين المخاطب بالآية من جهة، وفي تبيين معنى (السلم) من جهة أخرى، وفي توجيه معنى (كافة) من جهة ثالثة؛ صارت الوجوه المحتملة لتفسير الآية والناتجة من ضرب الاحتمالات بعضها بالبعض الآخر تبلغ أربعة وعشرين وجهاً، طبقاً لما ذكره في روح المعاني[2].
وقد اختار الطبري معنى الإسلام من بين المعاني المحتملة لكلمة (السلم)؛ لأنّ المخاطبين في الآية إما المؤمنون بالنبي محمد بن عبد الله ﷺ، وهم ليسوا في حرب فيما بينهم تسوّغ دعوتهم إلى الصلح والسلام؛ أو أن يكون المدعو هم المؤمنين بالأنبياء السابقين الذين هم الآن مأمورون بالإيمان (الإسلام) بخاتم الأنبياء، والمقصود من (كافة) هو جميع أحكام الإسلام دون تمييز[3].
ويجب الالتفات أوّلاً إلى أن المخاطبين بالآية إذا كانوا هم المؤمنين بالرسول الأكرم ﷺ فلا وجه لدعوتهم إلى الإسلام، ومن هنا وقع الفخر الرازي في التكلف[4] كما سيأتي لاحقاً. وثانياً أن حروب الجمل وصفين والنهروان وكربلاء الدامية قد اشتعل أوارها بين أفراد هذه الأمة المسلمة في الظاهر، ولا نعلم ما الذي كان سيحدث لو لم توجد آية الصلح والاتحاد!
وما اختاره الطبري ليس هو معنى السلم ومن هنا فمعنى (كافّة) ليس هو المعنى الذي اختاره الطبري أيضاً، فليس السلم بمعنى الإسلام معهوداً إلا في حدود تفسير المفسّرين. إنّ السلم في فقه اللغة ي يعني الانقياد والطاعة والصلح والمسالمة وعدم تهديد الأمن والحرية والاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي وأمثال ذلك، واستعماله القرآني أيضاً هو نفس هذا المعنى اللغوي المعهود. إلّا أنّ مشتقاته الثلاثية المزيدة كالإسلام تفيد معنى الدين الخاص.
وما ورد في تفسير التبيان للشيخ الطوسي رحمه الله من اعتباره عنوان الطاعة هو الأعم والجامع بين وجوه المعاني الثلاثة السلم والولاية والطاعة[5]، هو رأي صائب يغطي معنى الصلح أيضاً؛ لأنّ الصلح يتحقق في حالة إطاعة الجميع لقوانين مشتركة وأصول جامعة تصون المصالح المشتركة، ولا يمتاز أي فرد أو جماعة منهم بتفضيل منافعه على منافع الآخرين. ومن هنا يمكن قبول ما قاله البعض من أنّ الله بعد أن نقل آراء وأهواء الفرق المختلفة دعاهم جميعاً إلى الطاعة والانقياد[6].
وهنا لابد من التأكيد على ضرورة عدم توهم توقف استقرار الصلح والسلام بصورة مطلقة على الاسلام بمعنى الدين الخاص والمعهود فرغم توقف صلح المسلمين ومسالمتهم على قبول جميع أحكام الاسلام إلا أن صلح الموحدين أي أتباع شرائع الانبياء عليهم السلام وصلح المجتمعات البشرية من موحدين وملحدين يتوقف على قبول المبادئ الفطرية المشتركة وليس على الاسلام بمعنى الدين المعهود.
وخلاصة ما سبق أن المقصود من (السلم) في هذه الاية هو الصلح والوثام والاتحاد والاخوة ضمن النطاق الاسلامي لا الدعوة الى الاسلام لأن مخاطب الاية هم المؤمنون ودعوة هؤلاء ضمن النطاق الداخلي للإيمان والإسلام الى الانقياد والاتحاد العام واجتناب الفرقة نعم لو كان الخطاب كخطاب الاية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ[7]) موجها الى عامة الناس أو وردت كلمة (الناس) في الاية كما في (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا[8])، فربما كان (السلم) ينطبق على أصل الاسلام كما اعتقده بعض مفسري أهل السنة[9]. يقول الفخر الرازي: إن الكثير من المفسرين فسروا السلم بمعنى الاسلام وحينئذ كان عليهم الاجابة عن المحاذير التي يجابها هذا التفسير وقد أجابوا عنها بخمسة وجوه وقد أضاف الامام الرازي اليها ثلاثة وجوه اخرى أيضا كي يبرر به تفسير من فسر دعوة المؤمنين الى الدخول في الاسلام بمعنى الايمان[10].
تنبيه: إن بعض الافتراضات يكون صعبة المنال فمثلا ان إثبات ما نقل عن ابن عباس حول شأن نزول الاية التي هي مورد البحث[11]، واثبات أن (كافة) هي حال لكلمة (السلم) وليست ضمير جمع في (ادْخُلُوا) ليس من الامور السهلة أولا، وثانيا إن ما يستنبط من المعنى الجامع للسلم يتضمن جميع هذه الملاحظات لأن الدخول في دائرة التعايش يتم من خلال تقبل معارف الوحي التي بها ينتهي الاختلاف في العقائد مثلما ينتفي الاختلاف في المسائل الخلقية ويوفر امكانية الشفاء من التشتت الفقهي والحقي.
ولاشك في أن جميع تلك الخصوصيات تصدق على الاختلاف قبل العلم وإلا فالاختلاف بعد العلم الذي لا ينبع الا من نبع الفتنة يكون علاجه عسيرا اذ لا شيء يمكن أن يشفي أسرى الهوس.
[1] كلمة لا إله إلا الله، حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي، التوحيد، ص 25؛ ولاية علي بن أبي طالب حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي، عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج2، ص 146؛ شواهد التنزيل، ج 1، ص 131؛ بحار الأنوار، ج 39، ص 246.
[2] روح المعاني، ج 2، ص 146 - 147 .
[3] جامع البيان، مج 2، ج 2، ص 430 - 432 .
[4] راجع: التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 207 .
[5] التبيان، ج 2، ص 185 .
[6] مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 536 .
[7] سورة البقرة الاية 168
[9] الجامع لأحكام القرآن مج2ج3ص23-24
[10] التفسير الكبير مج3ج5ص206
[11] الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج1ص579