حذر القرآن الكريم المؤمنين في مواضع عديدة من اتباع خطوات الشيطان في المسائل الشخصية والاجتماعية؛ وذلك لأنّ عداء الشيطان للبشر هو من الأمور الواضحة، ولا يُتوقع من عدوّ حاقد إِلَّا الأذى: (إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ).
وسياسة الشيطان وإن كانت بالنسبة إلى البعض هي الخطف والأسر السريع، إلا أنها غالباً ما تكون تجاه عامة الناس وفقاً لأسلوب الخطوة خطون فهو يأتيهم بهدوء واستمرار ويوسوس لهم كي يسرق من المؤمن جوهرة إيمانه الثمينة، ويسلبه غيرته حتى ينتهي به إلى الكفر والضياع والحقارة: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ[1]). ويتبع الشيطان أساليب مختلفة كي يصل إلى مثل هذه الأهداف الشريرة.
ولما كان القرآن الكريم تبياناً لكل شيء وسراجاً منيراً، فقد بين بأسلوب واضح ومتين خطوات الشيطان وأساليبه في آيات مختلفة. وهذه بعض أساليبه لتخريب الأشخاص والمجتمعات وجرها إلى الفساد: 1. بثّ الفرقة والاختلاف: يستفاد من الآية التي هي مورد البحث وبقرينة التقابل بين صدر الآية وذيلها - أن التفرقة والاختلاف هي من الخطوات الهامة للشيطان في سعيه لتخريب المجتمع الإسلامي. والشيطان يحقق ما يأمله بهذه الوسيلة، فيعمل على إيجاد الاختلاف في مشاريع بناء أو إدارة المراكز الدينية، وفي إقامة الشعائر الدينية؛ وهذا يحتم على المؤمنين العمل على حل هذه المشكلة الاجتماعية من خلال اتحادهم وأُخوتهم.
2. الفحشاء والمنكرات: ومن خطوات الشيطان الخبيثة الأخرى هي الدعوة إلى الفحشاء والمنكرات، كما بين ذلك القرآن الكريم مشيراً إليه عبر أصل كلي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا[2]).
3. أكل الحرام والكذب والافتراء: ومن أساليب تسلل تسلل الشيطان هو أكل الحرام والكذب اللذان يمكن وصفهما باعتبارهما أوسع طرق الشيطنة واسرعها حيث يمكن من خلالهما خداع عبيد البطون وأهل الدنيا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ[3]). وقد سبق بيان تفسير هاتين الايتين وكيفية الاستفادة منهما في المباحث التفسيرية ذيلهما.
4. اللسان والخصومات الكلامية: يعد اللسان من أكبر النعم الالهية إلا أن كونه اداة لارتكاب المعاصي العديدة جعله يوصف بأنه قليل الجرم وكثير الجرم ومن منافذ تسلل الشيطان وتد على هذا المطلب بوضوح اضافة الى الاية السابقة آية (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا[4])، حيث يستفاد منها بقرينة تقابل صدرها وذيلها أن على عباد الله أن يختاروا في كلامهم أفضل أساليب الكلام وأجمل الالفاظ لأن الشيطان قد نصب كمائنه للايقاع بينهم وبث الخلاف والانقسام بينهم.
والموارد التي ذكرناها هي من المصاديق البارزة لخطوات الشيطان إلا أن خطواته لا تقتصر عليها بل ان روايات المعصومين[5] عليهم السلام تفيد شمول خطوات الشيطان وأساليب نفوذه لكل أنواع المعاصي والذنوب الفردية أو الاجتماعية من قبيل النظر الى المحارم اثارة الشبهات تحريك الشهوات اختلاق البدع التطرف والتحلل الخلقي.
وعلى أي حال فطريق الشيطان مليء بالاخطار والاضرار والسائر فيه كمن يعتمد الجلوس على حافة الهاوية وكل انسان لو التفت قليلا وفتح عيني بصيرته لوجد أن الشيطان عندما يبث الخلافات ويثير الشبهات ويوسوس بارتكاب المعاصي إنما يقود الانسان الى حافة هاوية جهنم ووادي فناء القيم وهذا الامر ليس مطلبا نظريا عميقا ومعقدا كي يصعب على الانسان فهمه وادراكه بل عداؤه صريح وواضح: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ).
[1] سورة الحشر، الآية 16 .
[3] سورة البقرة الايتان 168و169
[4] سورة الاسراء الاية 53
[5] راجع تفسير نور الثقلين ج1ص250-206 البرهان في تفسير القرآن ج1ص455-456