0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

العلاقات التركية اليونانية

المؤلف:  أﻧﻴﻨﻞ أﻟﻜﺴﻨﺪرو ﻓﻨﺎدوﻟﻴﻨﺎ

المصدر:  الإمبراطورية العثمانية وعلاقاتها الدولية: في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر

الجزء والصفحة:  ص 141-149

2026-10-06

44

+

-

20

ما إن انتهت الأزمة التركية المصرية، حتى ظهرت أمام الحكومة العثمانية مشكلات جديدة تتعلق بعلاقاتها الدولية.

في الواحد والثلاثين من مارس عام 1841م تم عزل مصطفى رشيد باشا من السلطة، وهو الذي كان بمثابة «روح الإدارة» إبان فترة تسوية الأزمة (124، ج2، ص32). وتعد المصادر التي ذكرناها آنفًا أسبابًا مختلفة لعزله. لكن الذي لا شك فيه أن السبب الرئيسي يتلخص في أن السلطان والمقربين منه رأوا، بعد حل المشكلة المصرية، أن من الممكن السير قدمًا دون الاستناد إلى شخصية لها كل هذا الثقل في الدوائر الدبلوماسية، شخصية مصطفى رشيد، المبادر والقائد الأعلى لسياسة الإصلاحات، التي بدأ بها منذ عام 1839م عصر جديد، والذي جعل الدخول الفعَّال للبلاد في النظام الرأسمالي الدولي الهدف الموضوعي لهذه الإصلاحات.

ومن الجائز أن يكون عدم ترحيب مترنيخ بالمباحثات الطويلة التي امتدت بين مصطفى رشيد وسفراء الدول الأوروبية في إسطنبول، بشأن شروط التسوية التركية المصرية، واحدًا من مبررات تقاعد رشيد، كما أشارت إلى ذلك كثير من المراجع التاريخية (71، المجلد 1، ص413/ 202، ص13/ 203، ص16/ 207، ص702/ 48، ص2، 238–383). وقد يرجع الأمر إلى الخلاف الذي وقع عند مناقشة القانون التجاري الجديد، والذي رأى فيه بعض أعضاء المجلس ما يخالف الشريعة الإسلامية (110، ص128/ 151، ص201).

 

وفي يوليو عام 1841م يعود مصطفى رشيد إلى نشاطه الدبلوماسي بعد أن تم تعيينه سفيرًا في باريس. وقد ظل يشغل هذا المنصب (باستثناء فترةٍ قصيرة من عام 1843م) حتى نهاية عام 1845م. ويتبين لنا بالرجوع إلى التعليمات الدبلوماسية التي أصدرتها إليه حكومة السلطان (48، ص392-393، 492) إلى أي حد كان مصطفى رشيد مطَّلعًا على المشكلات الداخلية والخارجية للإمبراطورية العثمانية، وكذلك على كل ما يخص الشئون الأوروبية، حتى إنه لم يكن بحاجة إطلاقًا لأي تعليمات مفصلة. وكان التوجه الرئيسي لنشاطه مجددًا ببذل جهده، باعتباره سفيرًا، لبعث وتقوية التحالف الإنجليزي الفرنسي، بعدما لوحظ أن بعض الخلافات قد دبَّت بين إنجلترا وفرنسا منذ فترة حول عدد من قضايا السياسة الدولية (تمت الإشارة إلى هذه الخلافات في التعليمات)، وأن هذه الخلافات شديدة الضرر على الإمبراطورية العثمانية.

ويلي الحديث عن مضمون هذا الجانب من التعليمات في سياق الخلافات التي وقعت منذ فترة غير بعيدة بين إنجلترا وفرنسا بسبب الصراع التركي المصري، والمخاوف التي انتابت الباب العالي من جراء حدوث تقارب سواء بين إنجلترا وروسيا، أو بين روسيا وفرنسا.

ويتعلق الجانب الآخر من التعليمات بالتيارات المتحمسة التي سادت فرنسا آنذاك، ويتناول هذا الجانب كيف أن بعض الفرنسيين رأوا ضرورة تخليص الرعايا المسيحيين من سلطات الإمبراطورية العثمانية، وكيف أُنشئت في باريس جمعية خاصة لتحقيق هذا الغرض، وأن بعض أعضاء هذه الجمعية يشغلون مقاعد في البرلمان الفرنسي. بل إن جمعية أخرى قد أُنشئت في لندن على غرارها. وقد صدرت الأوامر إلى السفير أن يتولى متابعة نشاط هاتين الجمعيتين، وأن يعمل جاهدًا على الحيلولة دون امتداد أثرها الضار على الإمبراطورية العثمانية إذا ما نجحتا في استعداء الرأي العام الأوروبي على الإمبراطورية العثمانية.

وأشارت التعليمات بعد ذلك إلى أن إخماد انتفاضة كريت (1) كان من أسباب يقظة العقول في اليونان، وأن شائعات ذاعت تقول إن إجراءات يتم اتخاذها لتشجيع المتمردين اليونانيين في الإمبراطورية العثمانية.

وهكذا نرى أن مضمون هذه الوثيقة (التعليمات) يُشير إلى أن هناك قضيتين كانتا تثيران قلق الباب العالي بعد تسوية الصراع التركي المصري؛ وهما: الحفاظ على متانة الرابطة بين إنجلترا وفرنسا باعتبارهما عنصر توازن في مواجهة التحالف القائم بين النمسا وروسيا وبروسيا، ثم الخلافات التركية اليونانية (202، ص141) إضافة إلى موقف فرنسا من القضيتين.

في عام 1834م فرضت قضية العلاقات الدبلوماسية بين الإمبراطورية العثمانية واليونان نفسها على سياسة الدول الكبرى قريبة الصلة بالخلافات التركية اليونانية (124، ج1، ص217–223). وفي فترة النشاط الدبلوماسي لمصطفى رشيد في باريس من عام 1841 وحتى 1845م، لوحظت نفس الاتجاهات التي شاهدنا مثلها إبان الصراع التركي المصري، فقد قامت الدول الأوروبية بدور كبير لفرض سياسة مناوئة لروسيا في اليونان، وقد تجاوز هذا الدور التنافس بين هذه الدول بعضها ضد بعض.

لقد كانت التناقضات القائمة بين الدول الكبرى تُتيح للدبلوماسية التركية أن تُمارس ضغوطًا على محاولات الدولة اليونانية الفتية ضم الأراضي المأهولة بالسكان اليونانيين والتي ظلت ضمن نطاق الإمبراطورية العثمانية.

وقد سارعت الحكومة التركية أيضًا إلى إجراء مناورات سياسية محدودة؛ فعلى سبيل المثال، تحاشى الباب العالي الصراعات التي من شأنها أن تؤدي إلى خلافات حادة بينه وبين فرنسا (على الرغم من اعتراضه على سياسة فرنسا في تونس)، وذلك بهدف المحافظة على تأييد فرنسا له في صراعه ضد اليونان في أربعينيات القرن التاسع عشر (48، ص528–533، 537، 540-541، 543).

نجحت الدبلوماسية التركية أثناء صراعها مع اليونان في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر في الحفاظ على الحدود الإقليمية الفاصلة بين البلاد آنذاك.

 

كانت فرنسا تؤيد اليونان ولكن بحماسٍ يقل كثيرًا عن تأييدها لمحمد علي، ومن الواضح أن فرنسا لم تكن تعتزم مد اليونان بأي دعم عسكري أو تسمح بنشوب حرب بين تركيا واليونان (2). وفي اليونان ذاتها ظهرت تيارات قوية مؤيدة لفرنسا. وبعد انتفاضة الثورة في اليونان عام 1843م «انتصر أصحاب التوجه الفرنسي على أصحاب التوجه الإنجليزي بفضل رفعهم لراية الهلينية» (132، ص565). واعتبرت حكومة نيكولاي الأول أن «الموجة الثورية قد ارتفعت في اليونان، وأنها سوف تُطيح بالنظام القائم للدولة … إنها مؤامرة يُمكنها أن تضرم النيران في الشرق بأسره» (13، ص565-566) (3)، ولهذا فقد توقَّفت تمامًا عن تأييد الطموحات اليونانية.

تُشير التقارير الدبلوماسية التي رفعها مصطفى رشيد من باريس في الفترة من 1841م وحتى 1845م إلى أن الحكومة الفرنسية سعت إلى إجراء مصالحة بين الأتراك واليونانيين، عن طريق إقناع الأتراك بأن الجمعيات ذات التوجه القومي في اليونان لا تلقى تأييدًا من جانب الحكومة اليونانية. وفي الأيام الأولى من وصوله إلى باريس في نوفمبر عام 1841م، أجرى مصطفى رشيد مباحثات مع وزير الخارجية الفرنسي ف. جيزو حول مشكلات العلاقات التركية اليونانية. طلبت تركيا من اليونان تعويضات مقابل بقاء الأوقاف التي ظلت باقيةً فوق الأراضي اليونانية، وتتمثل في العقارات التي كان يمتلكها مواطنون أتراك انتقلوا للعيش في مناطق أخرى من الإمبراطورية. وقد أبلغ جيزو نظيره التركي أن فرنسا سوف تعترف في هذه الحالة بالحقوق التركية. ومن الأمور التي أثارت الخلافات أيضًا، شروط اتفاقية التجارة التركية اليونانية التي كانت المباحثات بشأن عقدها تدور آنذاك، وقيام اليونان بإثارة انتفاضة سكان جزيرة كريت من اليونانيين وغيرهم في الأقاليم الأخرى للإمبراطورية العثمانية، وهو ما كان يُسبب قلقًا للإمبراطورية.

ترجع الخلافات حول الاتفاقية التجارية إلى أن اليونان طالبت الحكومة التركية بإعطاء اليونانيين الذين يعيشون في الإمبراطورية العثمانية نفس المزايا التي يتمتع بها رعايا الدول الأوروبية الأخرى. وفي الوقت نفسه طالبت اليونان باحتفاظ عمالها من أصحاب الحرف العاملين في الإمبراطورية العثمانية بإمكانية استخدام الورش الموجودة. لكن الباب العالي لم يوافق على ذلك. كان حجم اليونانيين الذين يعيشون في الإمبراطورية ويُعدون رعايا يونانيين كبيرًا للغاية، وكانت الموافقة على الشروط المذكورة تعني إمكانية خلق مستوطناتٍ يونانية مستقلة على أراضي الإمبراطورية، وهو ما كان يُشكِّل مصدرًا لقلق حكومة السلطان. من ناحية أخرى فإن موافقة السلطان، كان من الممكن أن تقنع اليونانيين «الخونة» (من وجهة نظر الباب العالي) في وضع أفضل مقارنة باليونانيين الذين احتفظوا بجنسيتهم العثمانية (124، ج1، ص221–223، ج2، ص112–120/ 48، ص498–500).

بدأت المفاوضات حول شروط المعاهدة التجارية بين تركيا واليونان وكذلك بشأن رفع التعويضات مقابل الأملاك التي تركها الأتراك في الثلاثينيات واستمرت حتى الأربعينيات (124، ج1، ص221–223، ج2، ص112–120/ 48، ص492–500)، وقد قام أ. مافروكرداتو، الذي عُيِّن في الثامن عشر من فبراير عام 1842م سفيرًا لليونان لدى إسطنبول (4) بدور هامٍ في هذه المفاوضات (48، ص497)، وقد نجح كانينج سفير إنجلترا لدى تركيا في التوفيق بين اليونان والباب العالي. وقد اعتبر لويس فيليب الأول ملك فرنسا ومعه جيزو وزير خارجيته، أن عقد الاتفاقية التجارية بين الدولتين يتفق ومصالح فرنسا (48، ص498–500). وقد حاول لويس فيليب في حديث له مع مصطفى رشيد في أبريل عام 1842م استمالة السفير التركي لتقديم بعض التنازلات بخصوص مسألة وضع الأتراك في الإمبراطورية العثمانية (48، ص298).

على أن الدولتين لم ينجحا في تجاوز الخلافات بينهما في هذا الشأن، ومن ثم لم تُعقَد الاتفاقية التجارية بين اليونان وتركيا.

وفي ديسمبر عام 1841م أكد جيزو لمصطفى رشيد أن الدول الكبرى لا تؤيد مساعي اليونان في توسيع حدودها (48، ص492-493). على أن مصطفى رشيد، الذي كان على دراية بالمنافسة المحتدمة بين هذه الدول على اليونان، ظل على مخاوفه في ألا يدوم هذا الاتفاق. ولهذا فقد استمر يتابع باهتمامٍ سياسة فرنسا تجاه هذه القضية.

 

يذكر مصطفى رشيد في التقرير الذي رفعه إلى الباب العالي والمؤرخ يناير 1842م، أن أيًّا من الدول الكبرى، التي تسعى للتوصل إلى تسوية سلمية للصراعات الدولية، لا تُفكر في الوقت الراهن في عقد تحالف مع اليونان؛ فالأخيرة تقع الآن تحت وصايةٍ مشتركة لثلاث دول (روسيا وفرنسا وإنجلترا)، وأن أي علاقة أكثر قربًا يُمكن أن تنشأ بين إحدى هذه الدول وبين اليونان، ربما تُشعل المنافسة لدى الدول الأخرى، وهو ما قد يُشكل سببًا لمزيد من الخلافات السياسية (48، ص495).

وفي عام 1842م ساءت من جديد العلاقات التركية اليونانية. فقد تبين أن هناك عضوين منتخبين في البرلمان اليوناني تعود أصولهما إلى جزيرة بسار Ebsare، التي ما تزال خاضعةً للإمبراطورية، وبناءً على هذه الحقيقة؛ قامت الحكومة اليونانية بإدخال تعديلات على مواد القانون اليوناني تسمح بانتخاب اليونانيين، الذين يعيشون على أراضي الإمبراطورية العثمانية، للبرلمان اليوناني. وقد اعتبر الباب العالي هذه الإجراءات ادعاءً من اليونان في أراضي بسار (48، ص502–504) ورأت ضرورة اتخاذ إجراءات مناسبة. أرسل الباب العالي بالتعليمات اللازمة لسفرائه لدى لندن وباريس. وقد أعرب كوستاكي، السفير التركي لدى اليونان، عن احتجاجه على الحكومة اليونانية، وسلم نسخة من الاحتجاج إلى سفراء كل من إنجلترا وفرنسا وروسيا لدى أثينا. وقام السفراء الأتراك لدى لندن وباريس بإجراء المباحثات الضرورية مع وزراء خارجية هذه الدول (48، ص502-503). وفي فبراير 1844م وعد جيزو مصطفى رشيد توجيه تعليمات إلى بيكاتوري السفير الفرنسي لدى اليونان تُفيد بألا يسمح بقيام تحركات من جانب الحكومة اليونانية تكون موجهةً ضد الإمبراطورية العثمانية (48، ص503-504).

ونتيجة للجهود الدبلوماسية التي بذلها ممثلو الدول سالفة الذكر؛ أُلغي التعديل الخاص بالسماح بانتخاب سكان الأراضي الخاضعة للإمبراطورية العثمانية للبرلمان اليوناني من مشروع الدستور اليوناني، وتم الاحتفاظ بها على هيئة «سند»، وقد كان هذا الموقف مبررًا لاندلاع الخلافات بين اليونان وتركيا أكثر من مرة (5) (48، ص505).

كان نشاط جمعية «إتيريا» (6) في اليونان يقض مضاجع الباب العالي. وقد تلقى مصطفى رشيد تعليمات تقضي بأن يستوضح سرًّا موقف الحكومة الفرنسية من نشاط هذه الجمعية. وفي رده على الباب العالي المؤرخ 28 مارس 1844م أفاد مصطفى رشيد أن فرنسا وإنجلترا كانتا تؤكدان دومًا نياتهما لتأييد وحدة وحياد الإمبراطورية العثمانية، وإن لم يتمكن تمامًا من أن يستوضح بشكل محدد نياتهما المبيتة. كان مصطفى رشيد نفسه يعتبر أن اليونانيين، بفضل تاريخهم القديم وثقافتهم، يتفقون بشكل كامل مع الأوروبيين في وجهات النظر وفي العقيدة وفي مبادئ الإدارة الداخلية على وجه الخصوص، ولم يكن لديه أدنى شك في أن الإنجليز والفرنسيين سوف يتعاطفون مع اليونانيين. على أن آمال فرنسا وإنجلترا كانت تواجه صعوبات تمثَّلت في موقف روسيا المعادي للخطوات اليونانية الأخيرة، وفي اتفاق وجهات نظر النمسا وبروسيا مع وجهات نظر روسيا بشأنها، علاوة على ذلك كانت فرنسا وإنجلترا مشغولتين بمشكلاتهما الداخلية، كما أنهما كانتا تنتهجان سياسةً تُجنبهما نشوب أي تدهور في الأوضاع الخارجية. ويُشير مصطفى رشيد إلى أن من الصعوبة تصور أن تكون لدى الدولتين أي طموحات تجاه اليونان في المستقبل القريب. على أنه إذا اندلعت الانتفاضات في الإيالات العثمانية المجاورة لليونان، أو في جزر البحر المتوسط، التي كانت تدخل ضمن نطاق الإمبراطورية العثمانية، فإن وزيري خارجية فرنسا وإنجلترا، ربما يُضطران — تحت ضغط الرأي العام — لإعلان تأييدهما لليونان ولو ظاهريًّا (48، ص505-506).

أولى مصطفى رشيد، بتكليفٍ من حكومة السلطان، اهتمامًا أكبر لنشاط الجمعيات ذات النزعة الهلينية في فرنسا وإنجلترا، وسعى لاستيضاح علاقات الحكومات الأوروبية بها. لقد أتاح الحديث الذي دار بين السفير التركي وبين جيزو في هذا الصدد (48، ص513) والقلق الذي أبدته روسيا من جراء إنشاء هذه الجمعيات تهدئة مخاوف الحكومة التركية، حيث أكد جيزو أن هذه الجمعيات لا تُشكل في الوقت الحالي أي خطر حقيقي على الإمبراطورية (48، ص513-514).

وفي عام 1844م ترأَّس كوليتيس الحكومة اليونانية، وكان معروفًا بتأييده للتوجهات الفرنسية، مما دفع الباب العالي لمخاطبة فرنسا تحديدًا بطلب توفير ضمانات لحصانة أراضي الإمبراطورية العثمانية. وفي تقريره المؤرخ 17 سبتمبر 1844م يعود مصطفى رشيد مرة أخرى لينبه أن الحكومة الفرنسية، شأنها في ذلك شأن الدول الكبرى الأخرى، وعدت بألا تسمح بالتوسع في حدود اليونان، لا عن طريق الحرب، ولا عن طريق الانتفاضات، وأنها أحاطت الحكومة اليونانية علمًا بذلك (48، ص515-516).

كان مترنيخ قد اقترح ضم النمسا وبروسيا إلى تحالف الدول الثلاث الضامنة، وتوقيع معاهدة تجمع بين الدول الخمس الكبرى بهدف الحفاظ على حدود ثابتة لليونان (48، ص516). استحسنت روسيا هذه الفكرة، بينما وقفت منها إنجلترا وفرنسا موقفًا سلبيًّا. رفضت فرنسا الاقتراح النمساوي؛ إذ رأت أن مثل هذه الضمانات (وهو ما أوضحه سفير النمسا لدى فرنسا لمصطفى رشيد في يناير 1845م) يُمكن أن تُقلل من شأن التأثير الفرنسي في اليونان. وقد أعطى مصطفى رشيد أهمية فائقة لتصريحات الدول الكبرى فيما يتعلق بضمانات الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية؛ إذ كان من شأن هذه التصريحات، من وجهة نظره، أن تُساهم في فرض طاعة السلطان على اليونانيين الذين يعيشون على أراضي الإمبراطورية.

وفي مايو 1845م أوجز الباب العالي محصلة تقارير السفراء الأتراك لدى إنجلترا وفرنسا عن اليونان، وتوصَّل إلى استنتاج مفاده أن ثلاث دول تؤيد الإمبراطورية العثمانية في نزاعها مع اليونان. وقد تعرض التقرير الذي رُفع إلى السلطان إلى أن وزارة خارجية الإمبراطورية العثمانية والسفراء الأتراك لدى العواصم الأوروبية طالبوا بحظر نشاط الجمعيات اليونانية في لندن وباريس، وأن سفارات الدول الراعية تؤيد هذه المطالب (48، ص522–524).

 

وأشارت التقارير أيضًا إلى أن كانينج، السفير الإنجليزي لدى إسطنبول «يحدوه الأمل في إبلاغ الباب العالي بأفضل النيات وتصرفات حكومته تجاه الإمبراطورية العثمانية»، عرض على وزارة خارجية الإمبراطورية العثمانية سرًّا تعليمات لورد أبردين، التي قدِّمت للسفير الإنجليزي لدى أثينا. وتؤكد هذه الوثيقة الموقف الإنجليزي الرافض للمشروعات اليونانية الخاصة بالتوسع في أراضيها. وأكد كانينج أن الدول الأوروبية الأخرى اتَّفقت بالإجماع على هذه المسألة مع إنجلترا (48، ص526).

وفي يناير عام 1847م، وكان مصطفى رشيد ما يزال يشغل منصب رئيس الحكومة التركية، وقع صدام حاد بين الإمبراطورية العثمانية واليونان، كان من نتيجته قطع العلاقات الدبلوماسية، وكان السبب وراء هذا الصدام هو الإهانة التي تعرض لها موسوروس السفير التركي لدى أثينا (124، ج2، ص117، 132، ص613، 213، ص428-429). وقد تدخَّلت الدول الأوروبية أيضًا في هذا الصدام (124، ج2، ص118–120)، وكانت هذه الدول «متفقة فيما بينها على أمر واحد، وهو بالتحديد رغبتها في منع وقوع حرب تركية يونانية، كانت، في رأيهم، مقدمة لوقوع حرب بين إنجلترا وفرنسا» (124، ج2، ص119).

اتخذ الباب العالي بقيادة مصطفى رشيد باشا موقفًا متشددًا أثناء هذا الصدام، وأحرز فيه انتصارًا دبلوماسيًّا واضحًا. وقد تحقَّق للباب العالي ما أراد؛ فتم الاعتذار للسفير. ويؤكد د. ج. روزين أن هذا الانتصار الدبلوماسي الذي حقَّقته حكومة السلطان قد زاد من احترام الدوائر الدبلوماسية الأوروبية لها (124، ج2، ص121).

لقد أتاح التنافس الدائر بين الدول الكبرى، وخاصةً التوجه السياسي للدول الغربية المناهض لروسيا، أتاح للإمبراطورية العثمانية أن تستغل هذه العوامل لحل خلافاتها مع اليونان، ورأت فيها ركائز للتأثير الدبلوماسي ولتحقيق النتائج المرجوة.

لقد كان طموح الشعب اليوناني لإعادة وحدته ظاهرةً تقدمية من الناحية التاريخية، على الرغم من النزعات الهلينية القومية التي شاركته فيها البورجوازية اليونانية. ولهذا فإن من الضروري النظر إلى سياسة الباب العالي والدول الأوروبية المؤيدة له في هذه القضية باعتبارها محاولة لوقف مسيرة التطور التاريخي.

...................................................

1 لم تتم الإشارة إلى تاريخ هذه الانتفاضة، ويبدو أن الحديث هنا كان يدور حول انتفاضة سكان كريت التي وقعت في عام 1841م، وكان السبب وراءها نقل إدارة الجزيرة من محمد علي إلى الباب العالي. وقد طلب سكان الجزيرة اليونانيون، الذين شاركوا في النضال من أجل استقلال اليونان، الانضمام إلى اليونان (انظر 124، ج2، ص53–55).

2 وقفت القوات العسكرية لدول أوروبا الغربية، بما فيها فرنسا، ضد رغبة اليونان في استغلال حرب القرم الدائرة آنذاك لتوسيع أراضيها.

3 يؤكد س. س. تاتيشيف في كتابه «السياسة الخارجية للإمبراطور نيكولاي الأول» «أن الانقلاب الذي حدث في أثينا ليلة الثالث من سبتمبر عام 1843م أخرج اليونان نهائيًّا من دائرة نفوذنا» (132، ص564).

4 ألكسندر مافروكرداتو (1791–1865م)؛ من أبرز المشاركين في الثورة اليونانية، شغل منذ عام 1832م منصب نائب رئيس المجلس الوطني، كما شغل منصب الوزير عدة مرات، وكان مفوضًا لدى كل من ميونيخ وبرلين ولندن وإسطنبول وباريس. وفي عام 1854م ترأَّس الحكومة اليونانية.

5 استغل السكان اليونانيون من مختلف أجزاء الإمبراطورية العثمانية إمكانية إيفاد نواب لهم لتمثيلهم في البرلمان اليوناني، وذلك كنوعٍ من إظهار الإرادة في انتمائهم لليونان (انظر الموسوعة التاريخية السوفييتية، المجلد 4، ص758-759).

6 في الأربعينيات سادت في أوساط الجمعيات السياسية اليونانية فكرة إقامة إمبراطورية بيزنطية عن طريق التأصيل المستمر للعناصر اليونانية في الإمبراطورية العثمانية وتحويلها إلى إمبراطورية عثمانية يونانية مع التوجه نحو تغليب العنصر اليوناني تدريجيًّا على حساب العنصر التركي (209، ص80–82/ انظر أيضًا 139، ص80).

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد