إشارات ولطائف حول الآية (249) من سورة البقرة
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج11، ص683-684
2026-10-27
122
1. ميدان امتحان الناس: يعتقد الاشخاص العاديون غالبا بأن الامتحان يكون منحصرا في موارد نزول الشر والابتلاء مثلما يشير قسم مهم من آيات القرآن الكريم أيضا الى الامتحان بهذه الصورة (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) [البقرة: 155] (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) [الصافات: 106] إلا أن حقيقة الابتلاء لا تنحصر في الامور المرة بل إن المبدأ القرآني العام يتمثل في أن جميع الحوادث الواقعة في عالم الطبيعة والحركة في صورة الخير والشر والعذوبة والملوحة جميعها امتحانات الهية: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: 35] لان الحوادث إما أن تكون نعمة أو نقمة وتلك تستدعي مقابلتها بالشكر أو الصبر.
وعلى هذا الاساس فليس هناك واقعة لا يكون الانسان مسؤولا عنها: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا...) [الفجر: 15-17] وانعدام التكليف في قبال الوقائع المرة والحلوة لا يتوفر إلا في الجنة والنار.
من هنا ربما ابتلي الانسان أحيانا بالصحة والثروة والقوة كي يظهر هل يشكر أم لا وكذلك قد يبتلى أحيانا اخرى بالمرض والفقر والفاقة كي يظهر هل يصبر أم لا وهكذا نرى الباري كيف يمتحن المسلمين بالحرب والصلح: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: 35][1] (وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) [الأعراف: 168].
2. دوام سنة الامتحان: إن مضمون الآية التي هي مورد البحث لا يزال مطروحا على الساحة حتى الآن ولا يتفاوت إلا في مصاديقه، ففي حرب طالوت وجالوت تمثل الامتحان الالهي في ابتلاء أشخاص عطاشى مشردين في الاصقاع الفلسطينية والأردنية بنهر عليهم ألا يشربوا منه رغم ما بهم في حين تمتحن المجتمعات البشرية المعاصرة بأشكال أخرى مختلفة.
ولا يزال الامتحان التقليدي ساريا وكل من شاء صيانة عزته وشرفه الانساني عليه تحمل عطش وجوع وآلام الامتحان.
[1] وفي حديث جاء في ذيل هذه الاية الشريفة ورد فيه أن أمير المؤمنين عليه السلام كان على سرير المرض فعاده اخوانه فقالوا كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ فقال بشر قالوا: ماهذا كلام مثلك؟ فأجابهم بتأكيد جوابه قائلا بأن المرض شر أي شر إضافي والله سبحانه يقول: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: 35] فالخير الصحة والغنى والشر والمرض والفقر. مجمع البيان ج7-8 ص74.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة