إن طريقة التدبير في المعيشة، هي الأسلوب الذي يتم من خلاله تنفيذ السياسات الاستراتيجية العامة في أمور المعيشة وإدخالها في حيّز الإجراء. وهذه الطريقة تشمل:
ـ الادخار
لا يختلف اثنان في تأثير ادخار الأموال على تماسك الأسرة والمجتمع ورقيّهما، وهذا الأمر - طبعا - من أهم سياسات حسن التدبير في المعيشة، فلو تصفحنا تاريخ الأنظمة الحاكمة المستقرة، والمجتمعات البشرية المتطورة والأسر الناجحة للمسنا أهمية التوفير والادخار، ومدى تأثيره الإيجابي عليها.
أما النصوص الإسلامية فهي بدورها تطرقت إلى بيان أهمية هذا الأمر، وسنشير إلى بعضها في الأبحاث التالية:
1. أهمية الادخار
إن روح الانسجام والتعاون بين أفراد الأسرة والمجتمع من أهم العوامل التي تساعد على تنامي الرغبة في التوفير لديهم.
فعندما تسود هذه الروحية بينهم، ويتولى زمام أمورهم وليّ أمرٍ مدبّر، فسوف يتسنّى لهم الادخار، ولكن لو فقد الانسجام والتعاون بينهم وبين إدارتهم، أو أنهم تمردوا على أوامر ولي أمرهم، فسوف لا يتمكنون من ادخار أموالهم، وسيواجهون مصاعب في إدارة أمورهم.
إذًا، لو سلك أعضاء الأسرة أو المجتمع نهج الإسراف والتبذير، فإنهم لن يتمكنوا من ادخار ما يلبي متطلباتهم عند الحاجة، حتى وإن كان ولي أمرهم مديرا وقانعاً. فإذا تمكن الناس من ادخار أموالهم وتسخيرها في النشاطات الإنتاجية، فسوف تتهيأ الأرضية اللازمة للرقي الاقتصادي، وتتوافر فُرص العمل، ويرتفع المستوى المعيشي للناس. كما أن الادخار بذاته يعد سببا للحيلولة دون الإسراف والتبذير. وكلما زادت قدرة الناس على الادّخار، فسوف يبتعدون عن طبيعة الاستهلاك المُفرِط إلى حدٍّ كبير.
ومصادرنا الدينية حافلةٌ بنصوص تؤكد على أهمية الادخار، منها: ما قاله الإمام الرضا (عليه السلام): ((إنَّ الإنسان إذا أدخل (ادّخر) طَعَامَ سَنَةٍ، خَفَّ ظَهرُهُ وَاسْتَرَاحَ. وَكَانَ أبو جعفر وأبو عَبْدِ اللهِ (عليهما السلام) لا يشتريانِ عُقدَةً، حَتَّى يُحرِرًا طَعَامَ سَنَتِهِما))(1).
لو انتهج الإنسان هذا الأسلوب في المعيشة، لا شك أنه سينعم براحة البال، ويستقرّ نفسيًّا، وبالطبع، فإن راحة بال أي إنسان لها تأثير كبير على نشاطاته، فهي تعتبر أساسا لتطوره الفكري، وداعيًا لعطائه العملي، كما أنها من أسباب تكامل شخصية الإنسان وسمو المجتمع، وقد قال سلمان المُحَمَّدِي رضي الله عنه: ((إِنَّ النَّفْسَ قَدْ تَلْتَاثُ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنَ الْعَيْشِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هِيَ أَحْرَزَتْ مَعِيشَتَهَا اطْمَأَنَّتْ))(2).
ولا ريب في أن التوفير والادخار يزرعان روح الطمأنينة بين جميع أعضاء الأسرة والمجتمع، ولا يُبقي مجالاً للقلق والاضطراب بشأن المستقبل في أذهانهم. فوليّ أمر كهذه أسرة أو مجتمع كهذا، سيكون محترما ومستقلاً، حيث لا يضطر لأن يمد يده إلى الآخرين، طلبا للمعونة.
لذا، فإن تأكيد الإمام الرضا (عليه السلام) على ضرورة توفير متطلبات الحياة لمدة عام، هو مثالٌ على الادخار الممدوح الذي سنتطرق إلى ذكره لاحقا، وهو في الحقيقة تأكيد على أهمية الادخار بشكل عام(3).
وتجدر الإشارة إلى أن الادخار ليس دائماً، بمعنى: توفير الأموال في الحياة الدنيوية، فهناك ادخار معنوي - أيضا - أكدت عليه النصوص الدينية، وفيه بركات عظيمة لا تفنى، وتفوق بركات الادخار المادي. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((سبعٌ يجري للعبد أجرهنّ وهو في قبره وبعد موته: من علّم علما أو كرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورث مصحفاً، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته))(4).
2. أنواع التوفير والادخار
يمكن تقسيم التوفير حسب أهدافه العقلائية والشرعية إلى قسمين، ممدوحٌ (ادخار مطلوب)، ومذمومٌ (اكتناز منهي عنه):
أ. الادخار والتوفير الممدوح
إن الادخار الممدوح أو التوفير الأمثل الذي يجب على المؤمن انتهاجه هو ما تتحقق به أهداف لا تتنافى مع العقل والشرع، بل يتم من خلاله حفظ كرامة المؤمن، وعزته، وصيانته وعياله من الفقر والحرمان، كما يعينه على القيام بواجباته على أكمل وجه. ويتجلى هذا النوع من التوفير في أمور كثيرة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع معًا، منها: الوقف، والإنفاق في سبيل الله، ومساعدة الفقراء، وبناء مدارس، وبناء مستشفيات وما إلى ذلك من أعمال ممدوحة.
وقصّة النَّبي يوسف (عليه السلام) في القرآن الكريم خير دليل على أهمية الادّخار، وذلك عندما فسر رؤيا ملك مصر في البقرات السبع العجاف بسنوات الجفاف والجدب، ومن ثم اقترح عليه توفير القمح وادخاره، لتجاوز هذه المحنة: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 47 - 49].
ونستلهم من هذه الآيات المباركة أن الهدف من الادخار يكون حميدا، لو كان المراد منه حماية اقتصاد المجتمع، والحفاظ على تماسكه لدرجة أن نبيًا من أنبياء الله تعالى تولى هذه المهمة بنفسه، والنصوص الحديثية - أيضا - أكدت على هذا المبدأ في تدبير المعيشة، أي ضرورة ادخار مؤونة سنة، كما جاء في حديث الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ((فَإِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يُعْطُونَ من السَّنةِ إِلى السَّنةِ، فَالرِّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَكْفِيهِ وَيَكفِي عِيالَهُ مِن السنة إلى السنة))(5).
وأجاب الإمام الرضا (عليه السلام) على سؤال معمّر بن خلّاد عن توفير طعام سنةٍ، قائلاً: ((أنا أفعَلُهُ))، ويعني بذلك إحراز القوت(6).
التدبير وخدمة المجتمع
إن توفير الخدمات العامة للمجتمع من شأنه المساعدة على ادخار النعمة، وفي الوقت نفسه يُعدّ ذخرا معنويا للعبد في آخرته، كحفر بئرٍ، أو شق قناةٍ، لتأمين مياه الشرب والسقي للناس. ولهذا التوفير آثاره المعنوية التي لا ينكرها أحد. قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((سِتُّ خِصَالٍ يَنتَفَعُ بِها المؤمِنُ بَعدَ مَوْتِهِ: وَلَدٌ صَالِحٌ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، وَمُصْحَفٌ يُقْرَأْ فِيهِ، وَقُلَيبٌ يَحْفِرُهُ، وَغَرِسٍ يَغرِسُهُ، وَصَدَقَةُ ماءٍ يجرِيهِ، وَسُنَّةٌ حَسَنَةٌ يُؤْخَذُ بِها بَعدَهُ))(7).
وما أكثر الأعمال التي قام بها أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المضمار، وقد نقل خبر بعضها المؤرّخون كقيامه بحفر آبار ((ينبُع))، وإنشاء قنواتٍ عديدةٍ، وتفجير عيون كثيرة كعين ((البغيبغة))، و((أبي نيزر))(8)، وذكروا كيف جعلها وقفا في سبيل الله تعالى(9). ولا زالت آثار بعضها باقيةً حتى يومنا هذا في عدة مناطق كالمنطقة التي تُعرف باسم آبار عليٍّ(10).
فرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام كانوا مثالاً يُحتذى به في السبق إلى الخيرات، لأجل حفظ المصالح العامة، وتوفير الخدمات لأبناء جلدتهم، ودائماً ما كانوا يوصون الناس بذلك. فقد روى معتب: قال لي الإمام الصادق (عليه السلام): ((قَدْ يَزِيدُ السِّعرُ بالمدينةِ، كَمْ عِندَنا من طعام؟)). قلت: عندنا ما يكفينا أشهرا كثيرة.
قال (عليه السلام): ((أخرجه وَبٍعهُ)). قلت: وليس بالمدينة طعامٌ؟!
قال (عليه السلام): ((بِعهُ)). فلما بعته، قال (عليه السلام): ((اشْتَرِ مَعَ النَّاسِ يَومًا بيوم))، ثم قال (عليه السلام): ((يا معتبُ، اجْعَلْ قُوتَ عِيالي نصفًا شَعِيرًا، وَنِصْفًا حِنطَةٌ، فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أني واجدٌ أَنْ أَطْعِمَهُم الحنطَةَ عَلَى وَجهِها، وَلكِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَانِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَد أَحسَنتُ تَقدِيرَ المعيشة))(11).
وتأكيد تعاليمنا الدينية على أهمية الادخار المحمود وحثنا على انتهاجه، دليلٌ على فائدته ومكانته. فالشعب الذي يروم تحقيق الأهداف المنشودة في بلوغ درجات الرقيّ الاقتصادي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا بد له من تسخير الأموال والجهود في هذا المضمار، وتحمّل بعض المصاعب، وغضّ النظر عن بعض ملذات الحياة، وإن كانت مشروعةً.
ب. الادخار والاكتناز المذموم
إن جواز إدخار الأموال وتوفيرها لوقت الحاجة أو عدمه منوطٌ بالأهداف المتوخاة منه، فإن كانت الأهداف تتفق مع حكم العقل والشرع، يكون الادخار مطلوبا، ولا بد منه. وأما إن كانت هذه الأهداف لا تنسجم مع حكم العقل والشرع فسيكون الادخار حينها مذموما ومنهيا عنه، لأنه يؤدي إلى تسخير الثروة في غير رضا الرب، ويحرم المجتمع والفقراء من منافعه. إذ أن أصحاب هذا المال المكتنز سيتنصّلون من أداء واجباتهم المالية تجاه أبناء مجتمعاتهم، فجمع المال من قِبَل الأثرياء، بهدف جني ثروة طائلة، أو احتكار بضاعةٍ يحتاجها الناس، سيؤدّي إلى حرمان الناس من حقوقهم المشروعة.
وهذا العَمَل بذاته يُعدّ من أكثر الأفعال قبحًا، وقد أنّب الله تعالى هؤلاء في كتابه المجيد تأنيبًا شديدًا، وهدّدهم بالعذاب الأليم فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
كما ذمّ عزَّ وَجَلَّ البخلاء، والذين يكنزون الأموال ولا ينفقوها، بقوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 37].
ففعل البخيل مذمومٌ، لأنه لا يُرجّح تلبية حاجات مجتمعه ودينه على ما يظنّه من حاجات قد تطرأ عليه وعلى أسرته، والبخيل لا يتقيد بحد معين لادخار المال، بل يجمعه بشرَهٍ، ويحاول جني ثروة دون رويّة، إذ تطغى عليه الأنانية، ولا يعير أي أهمّيّةٍ لحوائج الآخرين، حتى لو كان ذوي الحاجات مؤمنين، لأن مصلحة المجتمع الإسلامي لا تمت إليه بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، وهمّه الوحيد جمع أكبر قدر ممكن من المال.
3. الأسلوب الأمثل في حفظ المال المدّخر
إن إدارة شؤون الحياة بأسلوبٍ مناسبٍ يتطلب حُسن تدبير وتخطيط صحيح، ومن يأخذ المستقبل بعين الاعتبار ولا يغفل عن عواقب أفعاله، سيضمن عيشًا رغيدًا لنفسه ولأهله.
والتخطيط للمدى البعيد على المستوى الاقتصادي يُعدّ من المسائل الهامة في ديننا الحنيف، إذ أعاره عظماء ديننا أهمية بالغة. قال الإمام علي (عليه السلام): ((فَدَع الإسراف مُقْتَصِدًا، وَاذْكُرْ فِي اليَومِ غَدًا، وَأَمْسِكْ مِن المَالِ بِقَدَر ضَرُورَتِكَ، وَقَدَّمُ الفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ))(12).
وذكر لنا الإمام الكاظم (عليه السلام) عن والده الإمام الصادق (عليه السلام) طريقة لحفظ المال وادخاره، فقال: إنَّ رجلاً أتى الإمام الصادق (عليه السلام) شبيها بالمستنصح فقال له: يا أبا عبد الله كيف صِرتَ تتّخذ الأموال، قطعا متفرقة، ولو كانت في موضع واحد كان أيسر لمؤنتها وأعظم لمنفعتها. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ((اتَّخَذتُها مُتَفَرِّقَةً، فإن أصابَ هذا المال شيءٌ، سَلِمَ هذا، وَالصَّرَةُ تجمع هذا كُلَّهُ))(13).
فالإمام الصادق (عليه السلام) يعلّمنا الأسلوب الصحيح في توفير المال، وذلك بادّخاره في عدّة أماكن، كاستثماره في عدّة مشاريع، فذلك أنسب وأحفظ له. فلو وقعت حادثة، فإن المال لا يتلف كله، ويبقى منه شيء، وهذا كفيل للإنسان بأن لا يحتاج إلى الآخرين حينها.
______________________________
(1) الكليني، الكافي، ج 5، ص 89.
(2) م. ن.
(3) إن مسألة ادخار مؤونة سنة، هي برنامجٌ يتم إجراؤه في الظروف العادية، وليس في الظروف المتأزمة، ففي هذه الحالة فإن أئمتنا (عليهم السلام) حالهم حال سائر الناس، إذ يهيّؤون مؤونتهم يوميا، ولا يجوزون ادخارها لمدة سنة. وبطبيعة الحال، في وقتنا الحاضر لا يتحقق الادخار بتوفير الأطعمة، بل يتم من خلال توفير الدخل المالي الزائد عن الحاجة.
(4) البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي الخرساني، شعب الإيمان، ج 5، ص 122.
(5) الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص 153.
(6) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 167.
(7) الشيخ الصدوق، الأمالي، ص 233.
(8) العقلاني، أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج7، ص343.
(9) المبرد، محمد بن يزيد الكامل في اللغة والأدب، ج 3، ص 152.
(10) العاملي، الحُر، وسائل الشيعة، ج 13، ص 303-307.
(11) الطوسي، تهذيب الأحكام، ص 161.
(12) الرضي الشريف، نهج البلاغة، ص 377، الرسالة (21).
(13) الكليني، الكافي، ج 5، ص 91.