ابدال حرف اللين من حرف صحيح: اعلم: أن الشاعر يضطر فيبدل حروف اللين من غيرها كما قال:
لها أشارير من لحم تتمره من الثعالي ووخز من أرانيها (1)
يريد الثعالب وأرانبها فكان الشعر ينكسر لو ذكر الباء في الثعالب وتفسد القافية لأن رويه الياء فأبدل الباء لأن الحركة لا تدخلها فينكسر الوزن فكذلك أبدل ياء في الحمي وهو يريد الحمام ومن قبيح ماجاء في الضرورة عند النحويين .
قال أبو بكر(2) وهو عندي لا يجوز ألبتة من الوجوه شعر ينشدونه يجعلون فيه الالف التي هي بدل من التنوين بمنزلة هاء التأنيث فيظهرن الياء قبلها كما يقولون : شقاية وشقاوة وذلك قوله (3):
إذا ما المرء صم فلم يكلم وأعيا سَمْعُهُ إِلا نَدَايَا ولاعب بالعشي بني بنيه كفعل الهرِ يَلْتَمِسُ العظايا يلاعبهم وودوا لو سقوهُ مِنَ الدِّيفانِ مُتَرَعةٌ إنَايَا فأبعده الإله ولا يُؤتَى ولا يُعطى مِنَ المَرضِ الشَّفَايَا قال أبو العباس : فَمَنْ أَجازَ هذا فلا ضرورة له في إجازته، إلا الرواية، وَهُوَ أَحقُّ كلام بالرفع وأولى قول بالرد، وإنما حقُّ هَذا الشعر، أن يكون مهموزاً فيقولُ: ولا يُعطى مِنَ المرض الشفاء، وكذلك العظاء، وَأَعْيا سمعه إلا النداء، ومِنْ ذلك إبدال الهمزة في الموضع الذي لا(4) يقوم فيه الشعر بتحقيقه ولا تخفيفه (5)، فإن كان مفتوحاً جُعِلَ أَلفاً، وإِنْ كانَ مكسوراً جُعِلَ ياءً، وإنْ كانَ مضموماً جُعِلَ واواً نحو قول الفرزدق : رَاحَتْ بِمَسْلَمَةَ البغالُ عَشِيَّةٌ فَأَرْعَى فَزَارَةُ لَا هَنَاكَ المَرْتَعُ (6)
وقال حسان بن ثابت:
سألت هذيل رسول الله فاحشة ضلت هذيل بما قالت ولم تصب(7)
وقال زيد بن عمرو بن نفيل :
سالتاني الطلاق ان رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر(8)
فهذان(9) ليس من لغتهما سلت أسأل وسلت أسأل لغة (10)من غير هذا الاصل كخفت أخاف في التقدير والوزن ليس من أصل الهمزة ويقول هم يتساولان كقولك : يتقاولان ومن الهمزة المبدلة للضرورة :
لا يرهب ابن العم متى صولتي ولا أخْتتي من صولة المتهدد(11)
وإنما يقال أختتأت اذا استترت من خضوع وفرق .
__________________
(1) من شواهد سيبويه 1/344على إبدال الباء من ياء والثعالب والأرانب، شذوذاً وجعله بعضهم من باب الترخيم عند الضرورة بتعويض الياء. وعند المصنف من باب الإبداله لا من باب الترخيم والأشارير جمع إشرارة وهي قطعة من اللحم تقدد للادخار ونتمره تجففه والوخز شيء ليس بالكثير. وأصل الوخز الطعن وقيل : الوخز الخطيئة بعد الخطيئة والأراني والثعالي : أصلهما: ثعلب وأرنب أبدلت الياء الموحدة فيهما. وصف الشاعر: فرخة عقاب تسمى غبة كانت لبني يشكر والبيت لأبي كاهل النمر بن تولب اليشكري. وانظر: الضرائر / 153 والشعر والشعراء / 49 و 101 والموشح / 155 ومعجم المقاييس 1/355واللسان تمر». والمفصل للزمخشري / 365. والتهذيب 4/329 والهمع 1/ 181والدور اللوامع 1/157وشرح السيرافي 3/80 والجمهرة لابن دريد 2/13ومجالس ثعلب / 299 ..
(2) في الأصل «أبو العباس» والتصحيح من «ب».
(3) هذه الأبيات وردت في اللسان مع قليل من التحريف منسوبة إلى أعصر بن سعد ابن قيس عيلان واسمه منبه بن سعد. وقيل : هي للمستوغر بن ربيعة. والشاهد فيها : شبه ألف النصب في العظايا والشفابا بهاء التأنيث نحو: عظاية وصلاية، فصحح الياء وإن كانت طرفاً فكما أن الهاء فيهما صححت الباء قبلها. فكذلك ألف النصب التي في العطايا والشفايا، صححت الياء قبلهما. والعظاء: واحدها عظاية وهي دويبة، ويحترش يحرك جحرها اليغريها بالخروج لتخرج فيصيدها . وانظر: الخصائص 1/292وفيه يحترش بدلاً من يلتمس. ويسقي بدلاً من يعطي وحماسة البحتري / 324 والشعر والشعراء 1/51والمنصف 1/155 ومعجم الشعراء / 466. وشرح السيرافي1/234. والمخصص15/117 والمحتسب 1/77 واللسان 18/218 و 16/230 والخزانة2/226. وطبقات ابن سلام / 12 طبعة أوربا والتمام في تفسير أشعار هذيل / 159 .
(4) لا : ساقطة في (ب).
(5) قال المبرد في المقتضب 1/ 166ولو جاز أن تقلب الهمزة إلى حروف اللين لغير علة لجاز أن تقلب الحروف المتقاربة المخارج في غير الإدغام، لأنها تنقلب في الإدغام كما تنقلب الهمزة لعلة وانظر: الكتاب2/170.
(6) من شواهد سيبويه 2/170على إبدال الهمزة ألفاً للضرورة، وإن كان حقها أن تجعل بين بين لأنها متحركة أراد لا هناك. وقيل هذا حين عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هبيرة الفزاري فهاجم الشاعر ودعا على قومه بأن لا تهنأهم النعمة بولايته. وراحت بمعنى ،رجعت والرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير، أي وقت كان من ليل أو نهار وأراد بغال البريد التي قدمت بمسلمة عند عزله. والمرتع : مصدر ميمي، فزارة منادى. وانظر: المقتضب 1/167 والكامل / 478 ، والخصائص 3/152 والحجة 1/301وشرح السيرافي 1/234والمقرب لابن عصفور / 175 وابن يعيش 9/113 الأضداد لابن الأنباري / 209 والرواية راحت بمسلمة الركاب والمحتسب 173/2. والديوان / 508.
(7) من شواهد سيبويه 2/130و2/170على إبدال الهمزة الفاً للضرورة، والأصل سالت . قال المبرد: وأما قول حسان سألت هذيل فليس من لغته سلت أسأل مثل خِفْتُ أَخافُ، لأن هذا من لغة غيره والفاحشة التي سألتها هديل، أن يحل لها الرسولُ الزنا. وانظر: المقتضب1/167 والكامل / 288. وشرح السيرافي 1/234والمحتسب 1/90 وابن يعيش 9/114 وشواهد الشافية / 399. والخصائص 3/152 والديوان /63 والبيت مفرداً.
(8) من شواهد سيبويه 2/170 على إبدال الألف في «سأل من الهمزة واستشهد به 1/290 وكذلك فعل المصنف في الجزء الأول مع بيت آخر هو : ويكان من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر على أسماء الأفعال ترد للتندم ويكأن مركبة عند الخليل وسيبويه من وي التعجبية وكأن المخففة من المثقلة والبيتان لعمرو بن نفيل . وانظر الخصائص 3/41 والمحتسب .2/155 وشرح السيرافي 1/234 وابن يعيش 4/76 والخزانة 3/95 والهمع 2/106
(9) في الكتاب 2/170وبعد ذكر الأبيات الثلاثة التي مرت فهؤلاء ليس من لغتهم : سلت ولا يسال وهو يعني : الفرزدق وحسان وابن نفيل. وأما ابن السراج فقال: فهذان ولعله يريد حسانا، وزيد بن نفيل .
(10) انظر: الكتاب 2/ 170 وبلغنا أن سلت تسال لغة ولم يذكر لأية قبيلة هي .
(11) الشاهد فيه (اختتى) فقلب من الهمزة ياء حين احتاج إلى تسكينها، وإنما جعل هذا في ضرورة الشعر لأن الهمزة المتحركة إذا كان قبلها فتحة أو كانت مضمونة وفيها كسرة كان تليينها أن تجعل بين بين ولا تبطل حركتها . وانظر: شرح السيرافي 1/234والمقرب لابن عصفور / 175 . واللسان 1/56 وديوان طرفة / 153 مما نسب إليه .