عن سعيد بن أبي الخضيب وغيره أنّه قال الصادق عليه السلام لابن أبي ليلي: أتقضي بين الناس يا عبد الرحمن؟!
قال: نعم يا ابن رسول الله!
قال: بأيّ شيءٍ تقضي؟!
قال: بكتاب الله!
قال: فما لم تجد في كتاب الله!
قال: من سنّة رسول الله! وما لم أجده فيهما، أخذته عن الصحابة بما اجتمعوا عليه!
قال: فإذا اختلفوا فبقول مَن تأخذ منهم؟
قال: بقول من أردتُ، واخالف الباقين.
قال: فهل تخالف عليّاً فيما بلغك أنّه قضى به؟!
قال: نعم! ربما خالفته إلى غيره منهم.
قال: ما تقول يوم القيامة إذا رسول الله قال: أي ربّ! إنّ هذا بلغه عنّي قولي فخالفه؟!
قال: وأين خالفت قوله يا ابن رسول الله؟
قال: فبلغك أنّ رسول الله قال: أقْضَاكُمْ عَلِيّ؟!
قال: نعم! قال: فإذا خالفت قوله، لم تخالف قول رسول الله؟
فاصفرّ وجه ابن أبي ليلى وسكت![1]
وجاء في كتاب «الإبانة»: قال أبو امامة: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): أعْلَمُ بِالسُّنّةِ والقَضَاءِ بَعْدِي عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.
(وذكر) في كتاب «الجِلاء والشفاء والإحَن والمِحَن» أنّ الإمام الصادق عليه السلام قال: قضى عليّ عليه السلام بقضيّة باليمن، فأتوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقالوا: إنّ عَلِيَّاً ظَلَمَنَا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ عَلِيَّاً لَيْسَ بِظَالِمٍ ولَمْ يُخْلَقْ لِلظُّلْمِ وإنّ عَلِيَّاً وَلِيُّكُمْ بَعْدِي والحُكْمُ حُكْمُهُ والقَوْلُ قَوْلُهُ لَا يَرُدُّ حُكْمُهُ إلَّا كَافِرٌ ولَا يَرْضَى بِهِ إلَّا مُؤْمِنٌ.
وإذا ثبت ذلك فلا ينبغي لهم أن يتحاكموا بعد رسول الله إلى غير عليّ. وكلمة القضاء الواردة في هذه الروايات تشمل جميع علوم الدين. فإذا يكون هو الأعلم، فلا يجوز تقديم غيره عليه، لأنّه يقبح تقديم المفضول على الفاضل.
وقال الشاعر المعروف العونيّ:
أمَّنْ سِوَاهُ إذَا اتِي بِقَضِيَّةٍ *** طَرَدَ الشُّكُوكَ وأخْرَسَ الحُكَّامَا
فَإذَا رَأى رَأياً فَخَالَفَ رَأيَهُ *** قَوْمٌ وإنْ كَدُّوا لَهُ الأفْهَامَا
نَزَلَ الكِتَابُ بِرَأيِهِ فَكَأنّمَا *** عَقَدَ الإلَهُ بِرَأيِهِ الأحْكَامَا
وقال ابنُ حَمَّاد:
عَلِيمٌ بِمَا قَدْ كَانَ أوْ هُوَ كَائِنٌ *** ومَا هُوَ دِقٌّ في الشَّرَائِعِ أوْ جِلُ
مُسَمَّى مُجَلَّا[2] في الصَّحَائِفِ كُلِّهَا *** سَلْ أهْلَهَا واسْمَعْ تِلَاوَةَ مَن يَتْلُو
وَ لَوْ لَا قَضَايَاهُ التي شَاعَ ذِكْرُهَا *** لَعَطَّلَتِ الأحْكَامُ والفَرْضُ والنّفْلُ
وقال السيّد إسماعيل الحِمْيَريّ:
مَنْ كَانَ أعْلَمَهُمْ وأقْضَاهُمْ ومَنْ *** جَعَلَ الرّعِيَّةَ والرّعَاءَ سَوَاءَا[3]
أجل، فقد بلغت علوم الإمام عليه السلام حدّاً من العمق والشمول بحيث أعجزت كلّ من يروم جمعها في كتاب.
كتاب فضل ترا آب بحر كافى نيست *** كه تر كند سر انگشت وصفحه بشمارد[4]
وزخرت كتب الحديث والتفسير والتأريخ والسنن والسيرة والأدب والفقه والمعارف السنّيّة والشيعيّة بعلوم الإمام، حتى جلّت عن التعداد والإحصاء.
[1] ذكر الشيخ الطوسيّ تفصيل هذه الرواية في «تهذيب الأحكام» ج 6، ص 220 و221. وقال الكلينيّ في «الكافي» ج 7، ص 408 و409: روى الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن داود بن فرقد، قال: حدّثني رجل عن سعيد بن أبي الخَضِيب البَجَليّ أنّه قال: كنت مع ابن أبي ليلى مزاملة حتى جئنا إلى المدينة. فبينا نحن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله إذ دخل جعفر بن محمّد عليهما السلام. فقلت لابن أبي ليلي: تقوم بنا إليه؟! فقال: وما نصنع عنده؟ فقلتُ: نسائله نُحَدّثه. فقال: قم! فقمنا إليه فسألني عن نفسي وأهلي ثمّ قال: من هذا معك؟ فقلتُ: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين. فقال: أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين؟! فقال: نعم. فقال: تأخذ مال هذا فتعطيه هذا، وتقتل، وتفرّق بين المرء وزوجه، ولا تخاف في ذلك أحداً؟ قال: نعم. قال: فبأيّ شيءٍ تقضي؟ قال: بما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن عليّ عليه السلام، وأبي بكر، وعمر. قال: فبلغك عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: إنّ عَلِيَّاً عَلَيهِ السَّلَامُ أقْضَاكُمْ؟ قال: نعم! قال: فكيف تقضي بغير قضاء علي عليه السلام وقد بلغك هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فما تقول إذا جيء بأرض من فضّة وسماوات من فضّة ثمّ أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدك فأوقفك بين يدي ربّك وقال: يا ربّ! إنّ هذا قضى بغير ما قضيتُ؟! قال سعيد بن أبي الخضيب: فاصفرّ وجه ابن أبي ليلى حتى عاد مثل الزعفران. ثمّ قال لي ابن أبي ليلي: الْتَمس لنفسك زميلًا والله لا اكلّمك من رأسى كلمة أبداً.
[2] مُجَلّ اسم مفعول من باب أجَلَّهُ إجلالًا، أي: المنزّه من العيب. وهو حينئذٍ مضاعف، ويمكن أن يكون ناقصاً يائيّاً من باب جَلَّى الأمرَ أظهره، وجَلَّى الفَرَسُ سبق في الميدان. وفي هذه الحالة كان في الأصل مُجَلِّى وهو اسم فاعل من باب التفعيل، وكان في الشعر مُجَلِّياً، لكنّه ورد هنا مُجَلّا لضرورة شعريّة. أي: أنّ عليّاً في كافّة الكتب السماويّة هو فارس الحلبة الوحيد والسبّاق في ميدان العلم والمعرفة. وهذا الاحتمال أقرب من حيث المعنى، لأنّ الأبيات المذكورة تتحدّث عن المقامات العلميّة لأمير المؤمنين عليه السلام.
[3] «المناقب» لابن شهرآشوب، ج 1، ص 259 إلى 261، الطبعة الحجريّة.
[4] يقول: «لا يكفي ماء البحر لأن يبلّل الإنسان بنانه ليعدّ صفحات كتاب علمك».