روى المجلسيّ عن حفص بن غالب مرفوعاً قال: بينما رجلان جالسان في زمن عمر بن الخطّاب إذ مرّ بهما عبد مقيّد، فقال أحدهما: إن لم يكن في قيده كذا وكذا فامرأتي طَالِقٌ ثَلاثاً.[1] فحلف الآخر بخلاف مقاله يعني إن كان فيه كما قلت فامرأته طالق ثلاثاً.
ولمّا كان مولى هذا العبد قد قيّده لما فعله، فقد جاءه وسأله أن يحلّ قيده، حتى يعرف وزنه و يتبيّن أي القسمين صحيح وأيّهما خطأ. إذ إنّ قسمه خطأ لطلاقه زوجته ثلاثاً، فأبى المولى أن يحلّه، فارتفعا إلى عمر، فقال لهما: اعتزلا نساءكما! وبعث إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وسأله عن ذلك.
فقال عليه السلام: ما أهون ذلك! ثمّ دعا بإجّانة، فأمر الغلام أن يجعل رجله فيها ثمّ أمر أن يصبب الماء حتى غمر القيد والرّجل. ثمّ عَلَّمَ في الإجّانة علامة، وأمره أن يرفع قيده عن ساقه حتّى يخرج من الماء، وتبقى الرجلان فقط في الماء، ثمّ أمر أن يعلَّم محلّ تراجع الماء فدعا بالحديد فوضعه في الإجّانة حتى تراجع الماء إلى موضعه. ثمّ أمر أن يوزن الماء فوزن فكان وزنه بمثل وزن القيد وأخرج القيد فوزن فكان مثل ذلك، فعجب عمر.[2]
وروى الشيخ الطوسيّ عن الحسين بن سعيد، عن بعض الأصحاب يرفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل حلف أن يزن الفيل فأتوه به، فقال: ولِمَ تَحْلِفُونَ بِمَا لَا تُطِيقُونَ؟! قال: قد ابتليتُ.
فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بقُرْقور[3] فيه قصب، فأخرج منه قصب كثير. ثمّ علم صبغ الماء بقدر ما عرف صبغ الماء قبل أن يخرج القصب، ثمّ صيّر الفيل فيه حتى رجع إلى مقداره الذي كان انتهى إليه صبغ الماء أوّلًا. ثمّ أمر أن يوزن القصب الذي اخرج، فلمّا وزن، قال: هذا وزن الفيل.[4]
وروى الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض الأصحاب، كما روى الشيخ الطوسيّ عن عليّ بن مهزيار، عن إبراهيم بن عبد الله، وروى الشيخ الصدوق، وكلّهم رووا عن أبان بن عثمان، عن رجل أخبره، عن الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام، قال: اتي عمر بن الخطّاب برجل قتل أخا رجل، فدفعه إليه، وأمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنّه قد قتله، فحُمل إلى منزله، فوجدوا به رمقاً، فعالجوه حتى بري.
فلمّا خرج (من المنزل)، أخذه أخو المقتول فقال: أنت قاتل أخي! ولي أن أقتلك! فقال له: قد قتلتني مرّة! فانطلق به إلى عمر فأمر بقتله، فخرج وهو يقول: يا أيّها الناس! قد والله قتلني. فمرّوا به إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فأخبر خبره، فقال: لا تعجل عليه حتى أخرج إليك! فدخل على عمر، فقال: ليس الحكم فيه هكذا!
فقال عمر: مَا هُوَ يَا أبَا الحَسَنِ؟!
فقال الإمام: يَقْتَصُّ هَذَا مِنْ أخِ المَقْتُولِ الأوَّلِ مَا صَنَعَ بِهِ؛ ثُمَّ يَقْتُلُهُ بِأخِيهِ.
فنظر أنّه إن اقتصّ منه، أتى على نفسه، فعفا عنه وتتاركا.
ونقل ابن شهرآشوب هذه الواقعة عن أحمد بن عامر بن سليمان الطائيّ، عن الإمام الرضا عليه السلام بالنحو الآتي: أقرّ رجل بقتل ابن رجل من الأنصار، فدفعه عمر إليه ليقتله به فضربه ضربتين بالسيف حتى ظنّ أنّه هلك. فحُمل إلى منزله وبه رمق فبرئ الجرح بعد ستّة أشهر. فلقيه الأب وجرّه إلى عمر. فدفعه إليه عمر. فاستغاث الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فقال لعمر: ما هذا الذي حكمت به على هذا الرجل؟!
فقال عمر: النّفْسُ بِالنّفْسِ. قال الإمام: أ لَمْ تَقْتُلْهُ مَرّةً؟! قال عمر: قد قتلته ثمّ عاش!
قال الإمام: فَتُقْتَلُ مَرّتَيْنِ؟! فبَهت عمر، ثمّ قال: فَاقْضِ مَا أنْتَ قَاضٍ.
فخرج الإمام عليه السلام، فقال للأب: أ لم تقتله مرّة؟! قال: بلى! فيبطل دم ابني؟! قال: لا! ولكنّ الحكم أن تدفع إليه، فيقتصّ منك مثل ما صنعتَ به، ثمّ تقتله بدم ابنك! قال: هُوَ واللهِ المَوْتُ ولَا بُدَّ مِنْهُ. قال الإمام: لَا بُدَّ أنْ يَأخُذَ بِحَقِّهِ. قال: فَإنّي قد صفحت عن دم ابني، ويصفح لي عن القصاص.
فكتب أمير المؤمنين عليه السلام بينهما كتاباً بالبراءة. فرفع عمر يده إلى السماء، وقال: الحَمْدُ لِلَّهِ أنْتُمْ أهْلُ بَيْتِ الرّحْمَةِ، يَا أبَا الحَسَنِ! ثُمَّ قَالَ: لَوْ لَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ.[5]
وكذلك نقل ابن شهرآشوب عن تفسير «روض الجنان» لأبي الفتوح الرازيّ قال: حضر عند عمر بن الخطّاب أربعون نسوة وسألنّه عن شهوة الآدميّ. فقال: للرجل واحد وللمرأة تسع. فقلن: ما بال الرجال لهم دوام ومتعة وسراري بجزء من تسعة ولا يجوز لهنّ إلّا زوج واحد مع تسعة أجزاء؟ فافحم. فرفع ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام.
فأمر أن تأتي كلّ واحدة منهنّ بقارورة من ماء، وأمرهنّ بصبّها في إجّانة. ثمّ أمر كلّ واحدة منهنّ أن تعرّف ماءها؟ فقلن: لا يتميّز ماؤنا! فأشار عليه السلام أن لا يفرّقن بين الأولاد، وإلّا لبطل النسب والميراث. وفي رواية يحيى بن عقيل أنّ عمر قال: لَا أبْقَانِيَ اللهُ بَعْدَكَ يَا عَلِيّ![6]
[1] أخبار الأئمّة الطاهرين عليهم السلام في ضوء الآية القرآنيّة: الطَّلاقُ مَرَّتانِ وإجماع الشيعة على أنّ المرأة لا تحرم على زوجها إلّا إذا طّلقها ثلاث طلقات. وله أن يعود إليها بنكاح جديد أو بالرجوع إليها في عدّتها، وذلك بعد كلّ واحدة من الطلقتين الاوليين. بَيدَ أنّ العامّة يعملون بفتوى عمر، إذ قال: طلّقوا ثلاثاً في آنٍ واحد للتيسير، فيطلّقون نساءهم في مجلس واحد وبصيغة واحدة. بحيث لا يمكن الرجوع إليهنّ بدون محلّل. ويعدّ هذا الطلاق واحداً عند الشيعة هذا من جهة، ومن جهة اخرى اليمين بالطلاق والعتاق باطل عندهم. أي: إذا حلف شخص بقوله: إذا كان كذا فزوجتي مطلّقة أو عبدي حرّ. فهذا اليمين باطل من أساسه. وإنّما أراد أمير المؤمنين عليه السلام من خلال تعيين وزن القيد بهذا الطريق مع أنّ أصل اليمين باطل من الطرفين أن يخلّص به الناس من أحكام من يجيز الطلاق باليمين.
[2] «بحار الأنوار» ج 9، ص 465، طبعة الكمبانيّ؛ وذكره الشيخ الطوسيّ في «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 318 و319، طبعة النجف؛ كما ذكره الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» ج 3، ص 9، طبعة النجف.
[3] قُرْقور كعصفور: السفينة العظيمة أو الطويلة.
[4] «تهذيب الأحكام» ج 8، ص 318، الحديث 1184 في باب النذور؛ ورواه المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 9، ص 465 عن تهذيب الشيخ، طبعة الكمبانيّ.
[5] «المناقب» ج 1، ص 497، الطبعة الحجريّة.
[6] «المناقب» ج 1، ص 492.