قال السيّد ابن طاووس: وقفت على نسخة أصليّة من مجموع محمّد بن الحسين المرزبان كانت بخطّه وفيها أنّه رُوى عن شريح القاضي أنّه قال: كنت أقضي لعمر بن الخطاب فأتاني يوماً رجل، فقال: يا أبَا امَيَّة! إنّ رجلًا أودعني امرأتين؛ إحداهما حرّة مهرة، والاخرى سرية فجعلتهما في دار وأصبحنا اليوم، وقد ولدتا غلاماً وجارية وكلتاهما تدّعي الغلام وتنتفي من الجارية، فاقض بينهما بقضائك!
قال شريح: فلم يحضرني شيء فيهما، فأتيت عمر، فقصصتُ عليه القصّة. فقال: فيما قضيتَ بينهما؟
قلت: لو كان عندي قضاؤهما، ما أتيتُ! فجمع عمر جميع من حضره من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله، وأمرني فقصصت عليهم ما جئت به، وشاورهم فيه. فكلّهم ردّ الرأي إليّ وإليه و قالوا إنّهم لا يعرفون فيه شيئاً!
فقال عمر: ولَكِنّي أعْرِفُ حَيْثُ مَفْزَعَهَا وأيْنَ مُنْتَزَعُهَا.
قالوا: كأنّك أردتَ عليّ بن أبي طالب! قال: نعم! وأين المذهب عنه؟
قالوا: فابعث إليه يأتيك!
فقال: لَا، لَهُ شَمْخَةٌ مِنْ هَاشِمٍ، وأثْرَةٌ مِنْ عِلْمٍ، يُؤْتَى لَهَا ولَا يَأتِي؛ وفي بَيْتِهِ يُؤْتَي الحُكْمُ؛ فَقُومُوا بِنَا إلَيْهِ!
فَقَمنا وأتينا أمير المؤمنين عليه السلام فوجدناه في حائط له يركل فيه على مسحاة، ويقرأ هذه الآية: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً،[1] ويبكي، فأمهلوه حتى سكن، ثمّ استأذنوا عليه، فخرج إليهم وعليه قميص قُدّ نصف أردانه.
فقال: يا أمير المؤمنين! ما الذي جاء بك؟
فقال عمر: أمرٌ عرض! قال: ما هو؟ فقصصت عليه. فقال عليّ عليه السلام: فيم حكمت فيها؟
قلتُ: لم يحضرني فيها حكم! فانحنى عليّ وأخذ بيده من الأرض شيئاً ثمّ قال: الحكم فيها أهون من هذا! ثمّ استحضر المرأتين، وأحضر قدحاً، ودفعه إلى إحداهما وقال: احلبي فيه! فحلبت فيه، ثمّ وزن القدح، ودفعه إلى الاخرى فقال: احلبي فيه! فحلبت فيه.
ثمّ وزنه؛ فقال لصاحبة اللبن الخفيف: خذي ابنتكِ! ولصاحبة اللبن الثقيل: خذي ابنك! ثمّ التفت إلى عمر فقال: أ ما علمتَ أنّ الله حطّ المرأة عن الرجل؟ فجعل عقلها وميراثها دون عقله وميراثه؟ وكذلك لبنها دون لبنه!
فقال له عمر: لَقَدْ أرَادَكَ الحَقُّ يَا أبَا الحَسَنِ ولَكِنّ قَوْمَكَ أبَوا!
فقال عليّ عليه السلام: خَفِّضْ عَلَيْكَ يَا أبَا حَفْصٍ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً.[2]
وروى ابن شهرآشوب هذه الرواية مختصراً عن قيس بن الربيع، عن جابر الجُعفيّ، عن تميم بن حَزَام الأسديّ. وذكر في آخرها أنّ عمر قال: من أين قلتَ ذلك يا أبا الحسن؟
قال: لأنّ الله جعل لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .[3] ثمّ قال: وقد جعل الأطبّاء ذلك أساساً في الاستدلال على الذكر والانثى.[4]
[1] الآية 36، من السورة 75: القيامة.
[2] «التشريف بالمنن في التعريف بالفتن» المشهور ب «الملاحم والفتن» ص 154 و155، طبعة النجف؛ ونقلها العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 6، ص 172 و173 عن «كنز العمّال» ج 3، ص 179، وعن «مصباح الظلام» للجردانيّ ج 2، ص 56 عن ابن عبّاس، وفي آخرها أنّ عمر تعجّب تعجباً شديداً، ثمّ قال: أبَا حَسَنٍ! لا أبقاني الله لشدّة لستَ لها ولا في بلد لستَ فيه!
و الآية المذكورة في آخر الخبر، الآية 17، من السورة 78: النبأ.
[3] الآية 11، من السورة 4: النساء.
[4] «المناقب» ج 1، ص 498، الطبعة الحجريّة؛ و«بحار الأنوار» ج 9، ص 479، طبعة الكمبانيّ؛ وروي الشيخ الطوسيّ مثلها في «تهذيب الأحكام»؛ وكذلك رواها الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان لرجل علي عهد أمير المؤمنين عليه السلام جاريتان فولدتا جميعاً في ليلة واحدة احداهما ابناً والاخري بنتاً فغدت صاحبة البنت فوضعت ابنتها في المهد الذي كان فيه الابن، وأخذت ابنها. فتنازعا، فقام الإمام بوزن لبنهما، فعرفهما به.