قال ابن شهرآشوب: روى جماعة منهم إسماعيل بن صالح عن الحسن أنّ عمر استدعى امرأة كان يتحدّث عندها الرجال. فلمّا جاءها رسله، ارتاعت وخرجت معهم فأملصت فوقع إلى الأرض ولدها يستهلّ ثمّ مات. فبلغ عمر ذلك، فسأل الصحابة عن ذلك، فقالوا بأجمعهم: نراك مؤدِّباً، ولم ترد إلّا خيراً! ولا شيء عليك في ذلك! فالتفت إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: أقسمت عليك يا أبا الحسن لتقولنّ ما عندك!
فقال عليه السلام: إن كان القوم راقبوك، فقد غشّوك. وإن كانوا ارتأوا فقد قصّروا، الدية على عاقلتك! لأنّ القتل الخطأ للصبيّ يتعلّق بك!
فقال عمر: أنْتَ واللهِ نَصَحْتَنِي! والله لا تبرح حتى تجري الدية على بَنِي عَدِيّ. ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام.
وقد أشار الغزّاليّ إلى ذلك في «إحياء العلوم» عند قوله: ووجوب الغرم على الإمام إذَاً، كما نقل من إجهاض المرأة جنينها خوفاً من عمر.[1]
وقال ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة»: لمّا مات عمر، وأظهر ابن عبّاس قوله في العول، ولم يكن قبل يظهره، (قيل له): هلّا قلتَ هذا وعمر حيّ؟!
قال: هِبْتُهُ وكَانَ امْرِءاً مَهِيباً.[2] واسْتَدْعَى عُمَرُ امْرَأةً لِيَسْألَهَا عَنْ أمْرٍ وَكَانَتْ حَامِلًا، فَلِشِدَّةِ هَيْبَتِهِ ألْقَتْ مَا في بَطْنِهَا فَأجْهَضَتْ بِهِ جَنِيناً مَيِّتاً.
فَاسْتَفْتَى عُمَرُ أكَابِرَ الصَّحَابَةِ في ذَلِكَ؛ فَقَالُوا: لَا شَيءَ عَلَيْكَ! إنّمَا أنْتَ مُؤَدِّبٌ. فَقَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ: إنْ كَانُوا رَاقَبُوكَ، فَقَدْ غَشُّوكَ؛ وإنْ كَانَ هَذَا جُهْدَ رَأيِهِمْ فَقَدْ أخْطَاوا. عَلَيْكَ غُرّةٌ يَعْنِي عِتْقَ رَقَبَةٍ. فَرَجَعَ عُمَرُ والصَّحَابَةُ إلَى قَوْلِهِ.[3]
[1] «المناقب» ج 1، ص 497؛ ونقل العلّامة الأمينيّ هذه الواقعة في «الغدير» ج 6، ص 119، الحديث 22 بصورتين، عن مصادر عديدة كأبن الجوزيّ في «سيرة عمر»، وأبي عمر في «العلم»، والسيوطيّ في «جمع الجوامع» نقلًا عن عبد الرزّاق، والبيهقيّ، وابن أبي الحديد في شرحه؛ ورواه الشيخ المفيد في «الإرشاد» ص 113.
[2] روى الكلينيّ في «الكافي» ج 7، ص 80، والشيخ الطوسيّ في «تهذيب الأحكام» ج 9، ص 249، والصدوق في «من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 188 عن الزُّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنّه قال: جالستُ ابن عبّاس، فعرض ذكر الفرائض في المواريث. فقال ابن عبّاس: سبحان الله العظيم. أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً، جعل في مالٍ نصفاً ونصفاً وثلثاً؟ فهذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ فقال له زُفَر بن أوس البصريّ: يا ابن عبّاس! فمن أوّل من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطّاب لمّا التفّتْ عنده الفرائض ودفع بعضها بعضاً قال: والله ما أدري أيّكم قدّم الله وأيّكم أخرّ؟ وما أجد شيئاً هو أوسع من أن اقسم عليكم هذا المال بالحصص! فأدخل على كلّ ذي حقّ ما دخل عليه من عول الفريضة. وأيم الله أن لو قدّم من قدّم الله، وأخرّ من أخرّ الله، ما عالت فريضة. فقال له زُفَر بن أوس: وأيّها قدّم الله وأيّها أخرّ؟ فقال: كلّ فريضة لم يهبطها الله عزّ وجلّ عن فريضة إلّا إلى فريضة، فهذا ما قدّم الله. وأمّا ما أخرّ الله، فكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها ولم يكن لها إلّا ما بقي، فتلك التي أخرّ الله. إلى أن قال: فقال زُفَر بن أوس لابن عبّاس: ما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هِبْتُهُ. فقال الزهريّ راوي هذه الرواية: والله لو لا أنّه تقدّمه إمام عدل كان أمره على الورع فأمضى أمراً فمضى، ما اختلف على ابن عبّاس في العلم اثنان». ومن طريق العامّة أورد هذا الحديث بتمامه وكماله حتى آخره كلّ من البيهقيّ في سننه، ج 6، ص 253، والحاكم في مستدركه، ج 4، ص 340، والملّا عليّ المتّقي في «كنز العمّال» ج 6، ص 7، وأبي بكر الجصّاص في «أحكام القرآن» ج 2، ص 109.
أقول: والعجيب هنا أنّ أتباع عمر يعدّون هذه المهابة من فضائله. قال ابن أبي الحديد: وكان عمر بن الخطّاب صعباً عظيم الهيبة، شديد السياسة، لا يحابي أحداً ولا يراقب شريفاً ولا مشروفاً، وكان أكابر الصحابة يتحامونه، ويتفادون من لقائه. إلى أن قال: وقيل لابن عبّاس لمّا أظهر قوله في العول بعد موت عمر ولم يكن قبل يظهره: هلّا قلتَ هذا وعمر حيّ؟ قال: هبتُه وكان امرءاً مهيباً انتهى.
[3] «شرح نهج البلاغة» ج 1، ص 58، طبعة بيروت، دار المعرفة، دار الكتاب العربيّ، دار التراث العربيّ.