روى محمّد بن يعقوب الكلينيّ والشيخ الطوسيّ بسنديهما المتّصلين عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن رجل ضرب رجلًا على هامته؛ فادّعى المضروب أنّه لا يبصر شيئاً ولا يشمّ الرائحة، وأنّه قد ذهب لسانه.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن صدق، فله ثلاث ديات. فقيل: يا أمير المؤمنين! وكيف يعلم أنّه صادق؟ فقال: أمّا ما ادّعاه أنّه لا يشمّ الرائحة، فإنّه يدني منه الحراق (مادّة حادّة كالفلفل وماء البصل وأمثالهما) فإن كان كما يقول وإلّا نحّى رأسه ودمعت عينه.
وأمّا ما ادّعاه في عينه، فإنّه يقابل بعينه الشمس، فإن كان كاذباً، لم يتمالك حتى يغمّض عينه. وإن كان صادقاً، بقيتا مفتوحتين.
وأمّا ما ادّعاه في لسانه، فإنّه يضرب على لسانه بإبرة، فإن خرج الدم أحمر، فقد كذب، وإن خرج الدم أسود، فقد صدق.[1]
وروى الكلينيّ والشيخ هذا الحديث عن الأصبغ كما مرّ ذكره، ولكنّ الكلينيّ رواه في بعض نسخ «الكافي» مرفوعاً، وقال: عليّ بن إبراهيم رفعه قال: سئل. فلهذا اعتمد صاحب «وسائل الشيعة» على هذه النسخة، وذكره مرفوعاً. ورواه عن الشيخ مسنداً عن الأصبغ، كما في ذيله.[2]
وذكره صاحب «مستدرك الوسائل» مرسلًا عن «بحار الأنوار» عن كتاب «مقصد الراغب» ضمن قضايا أمير المؤمنين عليه السلام.[3]
وروى الكلينيّ بإسناده عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن بعض أصحابه، عن أبان بن عثمان، عن الحسن بن كثير، عن أبيه، كما روى الشيخ الطوسيّ عن الحسين بن سعيد، عن فُضالة، عن أبان، عن الحسن بن كثير، عن أبيه، أنّه قال: اصيبت عين رجل وهي قائمة، فأمر أمير المؤمنين عليه السلام، فربطت عينه الصحيحة. وأقام رجل بحذاه، بيده بيضة يقول: هل تراها؟! قال: فجعل إذا قال: نعم! تأخّر قليلًا، حتى إذا خفيت عليه، علّم ذلك المكان، قال: وعصبت عينه المصابة. وجعل الرجل يتباعد، وهو ينظر بعينه الصحيحة، حتى إذا خفيت عليه؛ ثمّ قيس ما بينهما، فُأعطي الأرش على ذلك.[4]
وذكر الشيخ النوريّ في «مستدرك الوسائل» عن كتاب «دعائم الإسلام» عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: إذا ضرب الرجل، فذهب سمعه كلّه، ففيه الدية كاملة. فإن اتّهم، ضُرب له بالشيء الذي له صوت بقربه من حيث لا يراه ولا يعلم به، ويُتَغَفَّل بذلك، وبالصوت والكلام، حتى يوقف على ذهابه سمعه.[5]
وكذلك روى في مستدركه عن كتاب «الجعفريّات» بسنده المتّصل عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قضى في رجل ضُرب فذهب بعض سمعه، فقال عليّ عليه السلام: تمسك اذنه المصابة، ثمّ ترسل الصحيحة، ثمّ ينقر له بالدرهم حتى إذا بلغ مداه قاسوه وحسبوه كم ذراع.
ثمّ يقلب إلى الجانب الآخر، ثمّ ينقر له بالدرهم، حتى إذا انتهى إلى مداه، قاسوه وحسبوه كم ذراع هو. ثمّ ينظرون هل هو سواء، صُدِّق. وإن لم يكن سواء، اتّهم. فإن جاء سواء، أمسكوا الصحيحة، ثمّ أرسلوا المصابة، ثمّ نقر له بالدرهم، حتى إذا بلغ مداه، قاسوه وحسبوه. فإن جاء سواء، صُدِّق (و إلّا اتّهم). ثمّ يجعلون الدية على قدر الأذرع،[6] فيعطونه على قدر ما نقص من سمعه.[7]
وروى الشيخ الطوسيّ عن الحسين بن سعيد، عن الحسن، عن زرعة، عن سماعة أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل ضرب غلاماً على رأسه فذهب بعض لسانه، وأفصح ببعض الكلام، ولم يفصح ببعض. فأقرأه المعجم، فقسّم الدية عليه. فما أفصح به طرحه، وما لم يفصح به ألزمه إيّاه.[8]
ونقل السيّد ابن طاووس عن «مجموع» محمّد بن حسين المرزبان أنّ عمر اتيَ برجل قد ضربه آخر بشيء فقطع من لسانه قطعة قد أفسدت بعض كلامه. فلم يدر عمر ما فيه! فَحَكَمَهُ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ أنْ يُنْظَرَ مَا افْسِدَ مِنْ حُرُوفِ اب ت ث وهِيَ ثَمَانِيَةٌ وعِشْرُونَ حَرْفاً؛ فَتُؤْخَذَ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِهَا.[9]
وروى الكلينيّ عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن سليمان الدهّان، عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنّ عثمان أتاه رجل من قيس بمولى له (عتيق حليف شريك) قد لطم عينه، فأنزل الماء فيها، وهي قائمة ليس يبصر بها شيئاً.
فقال له: اعطيك الدية. فأبى المضروب وأصرّ على القصاص قال: فأرسل بهما (إنّ عثمان لم يعرف كيف يقتصّ، إذ إنّ عينه الظاهرة صحيحة، ولكن ذهب نورها) إلى عليّ عليه السلام، وقال: احكم بين هذين! فأعطاه الدية، فأبى، و زاد فيها فلم يزالوا يعطونهم حتى أعطوه ديتين، قال: فقال: ليس اريد إلّا القصاص.
قال الإمام الصادق عليه السلام: فدعا عليّ عليه السلام بمرآة، فحماها، ثمّ دعا بكرسف فبلّه، ثمّ جعله على أشفار عينيه، وعلى حواليها، ثمّ استقبل بعينه عين الشمس. قال: وجاء بالمرآة فقال: انظر، فنظر، فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة، وذهب البصر.[10]
قال المجلسيّ رضوان الله عليه في شرح هذا الحديث: قال الشيخ في «النهاية»: جعل القطن المبلول على أشفار عينيه لئلّا تحترق. وقول الإمام الصادق عليه السلام: ثمّ استقبل بعينه الشمس. ظاهر أنّه يجعل الرجل مواجه الشمس لا المرآة، كما ذكره في «التحرير». وظاهر بعضهم جعل المرآة مواجهة الشمس، ولعلّه أوفق بالتجربة إذ تجعل المرآة مواجهة للشمس، ويقال للرجل: انظر في المرآة.
قال في «الروضة»: ولو ذهب ضوء العين مع سلامة الحدقة، قيل: في الاقتصاص منه طرح على الأجفان قطن مبلول، ويقابل بمرآة محماة مواجهة الشمس، بأن يكلّف النظر إليها حتى يذهب الضوء.
والقول باستيفاء القصاص على هذا الوجه هو المشهور بين الأصحاب. ومستنده رواية رفاعة. وإنّما حكاه في «الروضة» قولًا (قيل في ذلك) للتنبيه على عدم دليل يفيد انحصار الاستيفاء فيه، بل يجوز بما حصل الغرض من إذهاب البصر، وإبقاء الحدقة بأيّ وجه اتّفق.[11]
[1] «فروع الكافي» ج 7، 323، طبعة الحيدريّة الحديثة؛ و«تهذيب الأحكام» ج 10، ص 268.
[2] «وسائل الشيعة» في طبعة أمير بهادر: ج 3، ص 504، وفي طبعة إسلاميّة الحديثة: ج 19، ص 279. وقال الشيخ الحرّ العامليّ في ذيل هذا الحديث: ورواه الصدوق بإسناده إلي قضايا أمير المؤمنين عليه السلام نحوه، إلّا أنّه قال: ثلاث ديات النفس. وأمّا لفظ الإمام عليه السلام في نسخة «الكافي» و«تهذيب الأحكام»( ثلاث ديات) فهو مجمل، ولا يعلم مقدار الدية.
[3] «مستدرك الوسائل» ج 3، ص 284.
[4] «فروع الكافي» ج 7، ص 323، الحديث؛ و«التهذيب» ج 10، ص 266، الحديث 1047؛ و«وسائل الشيعة» في طبعة أمير بهادر: ج 3، ص 504، وفي طبعة إسلاميّة الحديثة: ج 19، ص 283، الحديث 2؛ و«مستدرك الوسائل» ج 3، ص 285، عن ظريف بن ناصح في كتاب الديات؛ وذكره ابن شهرآشوب مختصراً في مناقبه، ج 1، ص 509.
[5] «مستدرك الوسائل» ج 3، ص 284.
[6] الذراع من طرف المرفق إلي طرف الإصبع الوسطي. ويعادل نصف متر تقريباً.
[7] «مستدرك الوسائل» ج 3، ص 284.
[8] «تهذيب الأحكام» ج 10، ص 263، الحديث 1039، طبعة النجف، ورواه في «وسائل الشيعة» في طبعة أمير بهادر: ج 3، ص 503، وفي طبعة إسلاميّة الحديثة: ج 19، ص 274، الحديث 4.
[9] «التشريف بالمنن في التعريف بالفتن» المعروف ب «الملاحم والفتن» لا بن طاووس، ص 153، 154، طبعة النجف.
[10] «فروع الكافي» ج 7، ص 319، الحديث الأوّل، طبعة المطبعة الحيدريّة.
[11] «مرآة العقول» ج 4، ص 203، الطبعة الحجريّة.