نعرف أن منطقة الجزيرة العربية تمتد من خليج البصرة مُرورًا ببادية الشام حتى خليج العَقَبة وصحراء سيناء. وقد تميَّز جنوب الجزيرة العربية بموقع بحري أتاح لليَمنيِّين الاتِّصال بالمصريِّين والأَحباش عن طريق البحر الأحمر على مدى التاريخ، بل إن ترجيحًا علميًّا بالغ الأهمية لدى الجيولوجيِّين يذهب إلى أن شرق أفريقيا وغرب آسيا كانا أقرب إلى الاتصال، ويجعل من هذا البحر مستنقعًا كبيرًا أو بُحيرة مغلقة كان من الممكن عبورها حتى قبل أربعين ألف سنة. وأُشير هنا إلى أن التواصل الأفروآسيوي كان خبرةً بريَّة، في الأساس، إلى أن أضاف له الفِينيقيون خبرتهم البَحْرية، بل إن الجزيرة أقرب، في وجهة نظر الجغرافيِّين اليونانيِّين الأوائل إلى أفريقيا منها إلى آسيا؛ إذ مع الأُولى يمكن التفكير في شبه المنحرف الذي يصنعه البحر الأحمر فاصلًا بين القارَّتَين، ويتضاءل تدريجيًّا؛ في حين نرى في الخليج العربي هوَّة مُتَّسعة تفصل بينهما كلما اتجهنا جنوبًا.
أما الجزيرة في حدِّ ذاتها؛ فقد كانت وما زالت حقْلًا قَحْلًا كبيرًا، ولكن قِسمها الغربي، أي الشريط الساحلي من شرق البحر الأحمر، من خليج العَقَبة شمالًا حتى اليمن جنوبًا، كان في آلاف الأعوام مَسارًا مأهولًا، حقَّق للسكان واحدًا من أهم أسباب استقرارهم، المسار الذي توطَّن المِخْيال الإسلامي بِاسْم «رحلة الشتاء والصيف».
من هنا يمكننا فهم نقط الالتقاء الشهيرة، مثل مكة، بوصفها بُؤَرًا تلتقي فيها المسارات اللغوية والثقافية والاجتماعية؛ فلقد توسَّطت شمال الجزيرة وجنوبها، وامتصَّت تأثيرات شرق أفريقيا. أما من الناحية الاجتماعية والنَّسَبِيَّة، فإن أساطير عديدة تجعل منها أيضًا بُؤرة تلتقي فيها الأعراق وتنصهر، وهو ما عبَّرت عنه قصص كثيرة، مثل قصة إبراهيم، والعرب العاربة، كما هو الأمر بالنسبة إلى قصة بِلْقِيس التي يُنتسَب إلى سليمان عَبرَها، على سبيل المثال؛ فالمِخْيال العربي القديم جعل من هذه المنطقة بالذات جذرًا لكل نسَابةٍ، من بلاد الرافدَين إلى إثيوبيا.
إذا كان التواصُل بين جنوب الجزيرة ووسطها وشمالها مُثبَتًا تاريخيًّا، فإن السؤال يتصل غالبًا بالتواصل بين شمال الجزيرة وجنوبها وبين شمال أفريقيا وشرقها؛ فالأول تجتمع فيه الشواهد اللغوية والتاريخية والاجتماعية، أما الثاني فقد كان يُحال — حتى وقت قريب — على التواصُل اللغوي وحده، دون كبير تركيز على التواصل التاريخي والاجتماعي.
لقد أورد الجغرافي القديم ستيفانوس البيزنطي نقلًا عن أورانيوس، أن الأحباش من أصل عربي قَدِموا من إقليم يقع وراء سبأ وحضرموت. ولكن دون أن نذهب هذا المذهب، يمكننا اكتشاف دلالة هذا النص القديم في المقارنة بين «حبستي» البربائية (المصرية القديمة) وبين «حبش» الحجازية، ومؤدَّى المعنى في المعجَمَين: جَمَعَ. وقد رأى گليسر منذ سنة 1895 أن هذه التسمية تُطلَق منذ القِدم على مزارعي اللُّبان وجامِعِيه الذين «يجمعون» (يحبشون) من الأرض وشجرها؛ وهذا تأويل لغوي لطيف، لا بأس من التفكير فيه.
ولا شك أن القبائل الجنوبية من الجزيرة العربية قد عبَرت في أزمنة متفاوتة باب المندب إلى سواحل شرق أفريقيا، وأن هؤلاء الرحَّالة والمتطلِّعِينَ قد انتشروا غربًا، مثلما كان غيرهم قد انتشر على امتداد شمال أفريقيا، حتى التقَوا مع القبائل التي كانت تسيطر على جنوب الصحراء حتى ضفاف الأطلسي، كما أنهم التقوا واستقرُّوا جنوبًا على امتداد بحر العرب وسواحل المحيط الهندي حتى زنجبار وتانجانيقا، وإننا لنجد أسماء المدن اليمانية القديمة ظلَّت منتشرة هناك — كما حفظتها سجلَّات الرحَّالة العرب لاحقًا — ومنها: سبأ، وهوازن، وسراة، ومأرب … ولا سبيل إلى تأويل هذا التماثل إلا بترجيح الحراك الاجتماعي الثقافي بين الطرفَين، وبالأخص بالاتجاه من الشرق إلى الغرب.
لقد أصبحت منطقة وادي النيل، بعد انحسار آخر عصر جليدي، أو ما يُعرَف بالجفاف العظيم، قبل 10000 سنة، وقد كانت قبل ذلك مُستنقَعًا، صالحةً للتوطُّن والاستزراع، كما سبقتها جزيرة ما بين النهرَين في ذلك، ما سمح باستقبال الراحلِين من الغرب (الصحراء الليبية الآن) ومن الشرق (صحراء الجزيرة العربية الآن)، (المنطقتان اللتان شهدتا عصورًا مطيرة مصنَّفة ولها سجلَّاتها الجيولوجية والأركيولوجية، وانتشرت في ربوعها أنماط من العيش غلب عليها الصيد واللَّقْط) بالاستقرار في أطرافها، شمالًا وجنوبًا.
بعد ذلك بسِتة آلاف سنة، أي في الألف الرابع قبل الميلاد، توحَّدت مملكتا الشمال والجنوب في مصر، وبرز إلى الوجود واحد من أعظم تراثات الإنسانية، ولكن الحديث عن نقل ثقافات مختلفة من الشرق والغرب إلى مصر هو حديث لا طائل منه، ما لم نتمكن من رصد سجلَّات هذه الثقافات المهاجِرة، لقد كانت خارج التدوين، وهي لهذا السبب تقود إلى اعتبار مصر، بعد نشأة الهيروغليفة، مركزًا لا يمكن إغفال أثره في الحديث عن التحول الديموغرافي والسوسيولوجي للمنطقة بأسرها.

المصدر: ليبيا القديمة.
إن مراحل تطور اللغة المصرية القديمة مفتاح رئيس لفهم أُحجِية التساكُن هذه، ولكنها تبدو بُغيةً بعيدة المنال؛ لأننا لا نعثُر منها إلا على ما هو مدوَّن في الهيروغليفية، وهي تفقد ضرورتها؛ لأنها خارج إمكانية المقارنة بما رافقها من متغيرات. ولي رأي في هذا الشأن يقول إن نقوش الكهوف ورسوماتها في تدرارت أكاكوس، وما زامنها، قد تُفصِح عن أكثر مما هو معروف الآن عن نشأة «الكتابة» الهيروغليفية، وذلك بافتراض أشكال تصويرية أوَّليَّة تغيَّرت تدريجيًّا لتُنتج أشكال الكتابة الأوَّليَّة. إن الأمر نفسه إذا اعتُمِد مع الرواسم الفَخَّارية الرافدَينية التي أنتجت الدور شبه الكتابي Proto-literal في شمال شرق الجزيرة، فإنه سيلقي ضوءًا جديدًا على هذه النشأة في شمال شرق أفريقيا. ومدُّ البحث إلى هذا المدى في التاريخ، لا يكتمل إلا إذا اتصل بسُومر، لغةً وكتابةً، ونمطَ حياة، وأسلوبَ بحث بشكلٍ تجري فيه معالجة الوحدات البحثية المفردة، أو التفاصيل المحلية، بتوافقاتها بين مكان وآخر، ومعالجة تحوُّلات هذه الوحدات وتطوراتها بمنهجية تفرز المتصل من المنفصل، والشبيه من المختلف، والسابق من اللاحق، في سلسلة التطوُّر والتحوُّل اللغوية الاجتماعية.