ليس العراق استثناءً مما مرَّ به الوطن العربي من محاولات متواصلة لطمس آثاره التاريخية، وتشويه هُويَّته، وإعادة توطين مساره في التاريخ، على نحوٍ لا يعود فيه العرب عربًا بل أشتات أقوام أجنبية مهاجرة، وعلى نحوٍ لا تعود فيه الحضارة العربية فعلًا مؤسِّسًا للتاريخ بل صدًى لتاريخ محيطها، صدًى يضيع كلما تقدَّمنا في التاريخ منفصلًا عن جذوره بادئًا كلَّ مرَّة ممن جاوره من أقوام وحضارات.
لقد دَرَجَ السَّبْر الأكاديمي — والسبر يعني التجربة والخبرة واكتناه الأمور — على تسمية الأقوام التي جاورت وعاصرت السومريِّين بالأقوام الساميَّة، وهذه التسمية في الحقيقة فسَّرت السابق بهيئة اللاحق، وأوَّلت الماضي بفهم الحاضر، فقرَّرت غير المرئي بما هو مرئي، ولسنا في حاجة الآن إلى استعادة ما ذكرناه مرارًا من تاريخ هذه الكلمة ونَسَبها، لكننا نشير في عجالة إلى أن نسَبها التَّوراتي قد آل بها في الدراسات المتأخرة إلى اختزال ما عرفه التاريخ من حراك اجتماعي وسياسي وثقافي شهدته الأقوام العاربة في ملمح اجتماعي وسياسي وثقافي مزعوم يصوِّر العبرانيين.
تبقى الإشارة هنا إلى أننا نستخدم اصطلاح العاربة دون الالتزام باستخدام اصطلاحَين آخرَين يرافقانه عادة في كتابات الإخباريين العرب، وهما الأقوام البائدة والأقوام المستعربة؛ فهذا التقسيم يئول عادة إلى طرفَين؛ العاربة أو العرباء أو البائدة، والمتَعرِّبة أو المستعربة. وهو آخر الأمر ليس سوى شكل آخر من تصنيفهم إلى قحطانيين وعدنانيين. فإذا لجئوا إلى اللفظ الأول قصدوا القِدَم، إشارةً إلى قبائل العرب التي بادت قرومها قبل الإسلام، ثم كان نسلهم في العاربة، أو أن هذه أعقبتهم، ثم كان نسل العاربة في قحطان، وإذا لجئوا إلى اللفظ الثاني قصدوا الفصل بين عرب اليمن وعرب الحجاز، دون تمييز في القِدَم؛ فالتمييز هنا اجتماعي لغوي محض.
يقول جواد علي في المفصَّل (1: 295) ملخِّصًا كتابات الإخباريين الأوائل: «جماع العرب البائدة في عُرف أكثر أهل الأخبار هم: عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وأميم، وجاسم، وعبيل، وعبد ضخم، وجرهم الأولى [وهي غير جرهم القحطانية أو الثانية]، والعمالقة، وحضورا [وهم أصحاب الرَّس]، فهؤلاء هم مادة العرب البائدة وخامها، وهم أقدم طبقات العرب على الإطلاق.»
عندما نُعرِّف الأقوام العاربة — إذن — نقول: هم القبائل العربية القديمة التي عاشت وسادت أرض الجزيرة العربية وجوارها الأفريقي على امتداد الساحل الشرقي من القارَّة وساحلها الشمالي وصحرائها، قبل ظهور الإسلام.
فإذا اتفقنا على هذا التعريف — البسيط والشامل في الوقت نفسه — لزِمنا أن نُجري تعديلًا على فهم بعض المفاهيم المتصلة به.
أوَّل ذلك هو ما نصطلح عليه بالجاهليَّة، وهذا لفظ إسلامي وصفيٌّ قدحيٌّ أطلقه المؤمنون على غير المؤمنين، وعنوا به عرب ما قبل الإسلام، ولم أعثر على ما يفيد أنهم عنوا به غيرهم من الأمم؛ فالمسيحيون واليهود كانوا أهل كتاب، والفُرس والروم عُرفوا بأسمائهم هذه.

وهذا اللفظ يصف — في الواقع — جانبًا واحدًا لا غير من أولئك العرب، يختص بأغلب عقائدهم، وبعض سلوكهم وعادتهم، فأغلب تلك العقائد نبَذها الإسلام فلم يُبقِ إلا على ما أشار إليه القرآن بالإسلام، أي إسلام ما قبل الإسلام، أو الإسلام الإبراهيمي، ومن ذلك معتقَد الحنفيين والأنبياء الوارد وصفهم بأنهم مسلمون؛ فالإسلام في القرآن هو دين الله على الأرض منذ أن عرفت الأرض رسل الله وأنبياءه، لا منذ ظهور الإسلام بين ظهرانَي العرب المستعرِبة، أي الإسلام المحمَّدي.
وإلى ذلك فإن جانبًا من هذه الدلالة العامة نستفيد منه تحيينًا تاريخيًّا، وإن كان على نحوٍ مُقارِب غير دقيق، فما المقصود بالعصر الجاهلي؟
إنه جزء من تاريخ العرب تبدأ نهايته ببدء رسالة الإسلام في مكة، فإذا جئنا إلى وصف الأفراد بهذا الوصف — أي الجاهلية — نجد أن العصر الجاهلي ينتهي بفتح مكة، ومن بقي من غير العرب على دينه بعد فتح مكة هو كافر أو مشرك فقط، دون أن يَبقى جاهليًّا.
دلالة الجاهليَّة إذن لا تؤخذ على إطلاقها؛ فهي — بالرغم مما تضمَّنته من دلالة قدحيَّة — مُقيَّدة أُريدَ لها أن تدلَّ على الزمن الذي سبق ظهور الرسالة، ثم انصرفت ضمن ما انصرفت إليه إلى الإشارة إلى عقيدة الرجل من العرب، ولعلَّ لذلك صلة بلقب أبي جهل، الذي كان من عُتاة الكفار وأشدِّهم حَمْلًا على النبي خاصَّة.
فتح مكة إذن هو نهاية العصر الجاهلي، فماذا عن بدايته؟
إننا، مهما عمَّمنا، لن نستطيع المُضِي بدلالة هذا اللفظ إلى أبعد من التاريخ المتصوَّر لنشأة العرب المستعربة من أبناء إسماعيل بن إبراهيم. فإذا دقَّقنا قلنا إن دلالة اللفظ تبدأ من الزمن المتصوَّر لنصب الأوثان في الكعبة، وانتشار ثقافتها، أي ثقافة المعتقدات الوثنيَّة، بإقدام عمرو بن لُحَيٍّ الجُرهُمي على نصب هذه الأوثان كما نقرأ في الإخباريات العربية القديمة، أي بعد ترك الإسلام الإبراهيمي؛ فهذا اللفظ الذي قبَّح ما كان عليه العرب قبل الإسلام المحمَّدي لا يشمل كلَّ العرب، إذن، بل كان لوصف عبَدة الأوثان، ولم يكن كل العرب كذلك.
لقد أُسِّست الكعبة، في أرجح الآراء، منذ 2000ق.م. استوطنتها جُرهُم أولًا، ثم حلَّت خُزاعة بديلًا عن جُرهُم مع القرن الثالث الميلادي، ثم حلَّت قُريش بديلًا عن خُزاعة، وصولًا إلى عام الفيل أو عام الأبابيل — الذي وُلِد فيه النبي — دون أن تنجح حملة أَبْرَهة — أخذًا بالسرديات المتوارثة — في تحويل دين العرب إلى المسيحية بدلًا عن الوثنية، وهذا الزمن — أي مع القرن الثاني الميلادي — هو التأريخ التقريبي الذي يبدأ ببدايته وصف الجاهلي.
أريد التأكيد من ناحية أخرى على أن هذا اللفظ الذي قبَّح ما كان عليه العرب قبل الإسلام لا يشمل كلَّ العرب، ونعود إلى رأي فيه الكثير من الوعي بالتاريخ، والعلم بالقرآن، للشيخ عبد الحميد بن باديس؛ إذ يقول: القرآن «يعيب من العرب رذائلهم النفسية؛ كالوثنية، ونقائصهم الفعلية؛ كالقسوة والقتل، ويُنَوِّه بصفاتهم الإنسانية التي شادوا بها مدنياتهم السالفة واستحقوا بها النهوض بمدنيَّة المدنيَّات، ولنذكر عادًا؛ فهي أمة عربية ذات تاريخ قديم ومدنية باذخة، ذكرها القرآن فذكرها بالقوة والصولة وعزة الجانب، ونعى عليها الصفات الذميمة التي تنشأ عن القوة؛ قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) (فصلت: 15).
فالنظرة التاريخية المجردة في هذه الآية وفيما ورد في موضوعها تُرينا أن عادًا بلغت من القوة والعظمة مبلغًا لم تبلغه أمَّة من أمم الأرض في زمنها. حتى إن الله — جل شأنه — لم يتحدَّ قولهم: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً إلا بقوته الإلهية التي يُذعن إليها كل مخلوق، ولو كانت في أمم الأرض إذ ذاك أمة أقوى منهم لكان الأبلغ أن يتحدَّاهم بها. وإن أمة تقول هذه الكلمة بحالها أو مقالها لهي أمة مُعتدَّة بقوتها وعظمتها.»

خريطة العالم، وهي الأقدم من نوعها، وفيها تتوسَّط بابل مركز الأرض.
انتهى الاقتباس عن ابن بادِيس (1)، وهو يذكر بعد ذلك أممًا وأقوامًا عاربة أخرى من عرب ما قبل الإسلام، أهمها ثمود وسبأ، ويختم قائلًا: «هذه مدنيَّات ضخمة عبرت في هذه الأمة التي أهَّلها الله لحمل الرسالة الإلهية إلى العالم. وهذه بعض خصائص هذه الأمة التي هيأها للنهوض بالعالم وإنقاذه.» وكان ابن باديس قد أجمل ذلك في محاضرة له سنة 1939م (2). وأُشيرُ إلى أن هذا الشيخ الأمازيغي الأصل يتحدث أيضًا عن «محمَّد ﷺ رجل القوميَّة العربية» وهذه العبارة هي عنوان محاضرته المرفقة مع المحاضرة الأولى، وهو صاحب النشيد المعروف «عروبة الجزائر»، ومطلعه:
شعبُ الجزائرِ مسلمٌ وإلى العُروبة ينتسبْ
منْ قالَ حادَ عَنَ اصْلهِ أو قالَ ماتَ فقدْ كذبْ
وقصيدته المشهورة التي مطلعها:
الحمدُ لله ثمَّ المجدُ للعربِ مَن أنجبوا لبَني الإنسانِ خيرَ نَبِي
ونشروا مِلَّةً في الناسِ عادلةً لا ظلمَ فيها على دِينٍ ولا نسبِ
وعودٌ إلى حديثنا؛ فإننا إذ نتصوَّر الآن أن جميع مَن ذكرنا مِن أمم وأقوام كانت تتحدث عربيَّةً ما، مختلفة عن عربيتنا، فإننا بذلك نعيد ترديد قول مأثور عن أبي عمرو البَصري يرى فيه أن لسان حمير ليس بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا، وليس أصح من هذا سماعًا، ولكننا جميعًا نعرف كيف كان ابن عباس يُتقن هذا اللسان ويفسِّر به غريب القرآن، فأيكم الآن لا يقول بعربيَّة حمير وإن لم يعِ منها شيئًا؟ بل العربية قاموس (أعني محيطًا) أشمل من أن يجمعها ساحلٌ واحد، وهي أكبر من كل قاموس (أعني مُعجَمًا) ينجزه أحد، ولن ينجز أحدٌ على الإطلاق مُعجَمًا تاريخيًّا شاملًا للغة العربية لهذا السبب، أي لأن أحدًا لا يحيط بنشأة العرب ومراحل تكوُّن لسانهم شيئًا فشيئًا.
العربية لم تنزل من السماء مرةً واحدةً، أو تلقَّاها العرب عن «أفاتار» عُلوي، بل تدرَّجت تدرُّج الكائن الحي مَوْلدًا، ونشأةً، واكتمالًا، وقد نشأ اللسان العربي منذ أن توطَّنت الأقوام الأُوَل هذا الحوض الأفروآسيوي الكبير، نبتت في ما نعرفه الآن بشبه الجزيرة العربية، ثم رحلت شمالًا فدوَّنها السُّومريون، ثم الأَكَديون، ولكن ذلك لا ينفي أنها كانت قد اكتملت في موطن نشأتها جنوبًا، وذلك لا ينفي أيضًا أن مراحل قبل ذلك كانت خارج التدوين لا يحيط بها أحد.
لهذا السبب أقول إن كل معجم تاريخي يظهر الآن لن يجمع أصول العربيَّة، وإن قارب ذلك في مسار عام يفحص دون أن يُفصِح، ويشير دون أن يقف فعلًا على تدرُّج المفردات وبنائها عبر جميع مراحل النشأة.
...................................................
1- ابن باديس، العرب في القرآن، دار تانيت، 2009م، ص13-14.
2- أُعيدَ نشر هذه المحاضرة بعنوان «العرب في القرآن» سنة 2000م عن دار تانيت.