لم يُسمِّ القوم الذين عاشوا قبل الأَكَديين في العراق القديم أنفسَهم باسم سُومَر؛ فهذا الاسم أَكَديٌّ يرد في صيغة شومر šumer، ويُرفق عادة باسم أَكَدَ نفسها، فالكلمات «أَكَد، وسومر» غالبًا ما تتكرَّر للدلالة بطريقة عامة، وما زالت غير محدَّدة بدقة في الوقت الحاضر، على مُجمَل ما نعرفه اليوم بالجزيرة، الإقليم المحصور بين النهرَين، وما تبِعَه من مدن وقرًى وأرباض.
نورد هنا مثالًا عن ديموغرافيا العراق القديم: يُعتَقَد أن مدينة أوروك وحدها كانت تضم 10000 نَسَمة عام 3500ق.م. ومع توافر المزيد من عوامل التوطُّن والاستقرار، وانتظام الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتطور تِقنيات الزراعة والبناء والفخارة والدباغة والتعدين، وظهور الكتابة، وتأسيس المعابد سوف يصبح عدد سكان أوروك نحو 50000 نسمة في 3000ق.م. أي إننا عندما نتحدَّث على هذا النحو مُستخدِمين عبارة «أَكَد [و] سومر» فإننا نتحدث تقديرًا عن شعب يُعَدُّ بمئات الآلاف، توطَّن الكثيرَ من الأرباض والقرى التي ستتطور إلى مدن ودُوَيلات في أزمنة لاحقة، تمامًا كما كان يحدث في القسم الغربي من الحوض الأفروآسيوي، أعني وادي النيل الذي تحوَّل من مستنقع كبير إلى أرض خصبة مُؤهَّلة للاستقرار؛ فعندما نتحدث عن بلاد الرافدَين وعن وادي النيل، نحن نتحدث عن أولى الحضارات التي وَجدت طريقها إلى الاستقرار والتطوُّر، نحن نتحدث عن «خلق العالم» كما سوف يُعرَف.
لقد حيَّر أصلُ السُّومريين الباحثين، حتى إن فرانكفورت يرى «أن المناقشة المسهبة لهذه المشكلة يمكن أن تتحوَّل في النهاية إلى مُلاحَقة وهمٍ لا وجود له مطلقًا»، كما شطح خيال الكثيرين فجعلوا هذا السؤال غير المجاب أساسًا لتوجيه البحث العلمي وجهة عنصرية أيديولوجية، ونذكر هنا أوستين وادل Austine Waddell الذي وضع نظرية مفادها أن السُّومريين هم أسلاف الآريِّين، وأنهم مؤسِّسو الحضارة المصرية الفعليون، بل إن الملوك من مرحلة ما قبل الأُسرات إلى ما بعد الأسرة الأولى ليسوا في الواقع سوى الملوك السومريين الأوائل، الذين حكموا إمبراطورية تمتدُّ من الهند إلى مصر. ولكي يثبت فرضيَّاته هذه لجأ إلى المزيد من الفرضيَّات ليقول إن الأَكَديين والفينيقيين والعموريين هم من الآريِّين أيضًا، وأن جميع هذه الأقوام والشعوب تعود إلى أصل واحد تجسَّد حضارةً وشعبًا في سُومر. وقد صنَّف وأدل في ذلك عِدَّة كتب؛ منها «صانعو الحضارة» و«القاموس الآري السومري»، ولعل أشهرها هو «الأصول السُّومريَّة للحضارة المصرية» (1).
يقول وأدل: «إن وحدة النوع والمصدر في الحضارات السومرية الرافِدَينية والهندية والمصرية على وفاق مع التكوين الجسماني للشعب الحاكم في جميع هذه البلاد الثلاثة، ويظهر في صورهم ومنحوتاتهم وبقايا هياكلهم العظمية، التي هي برؤوس طويلة، وشعر أشقر، وعيون شهباء أو زرقاء، عرفها المعاصرون على أنها قد كانت علامات مميزة للقسم الآري من الجنس القوقازي» (2).
اللجوء إلى السمات العِرْقيَّة قد يبدو فاصلًا هنا، هكذا تدلُّ صرامة التحديد وتنسيب الجنس، لكن ما ورد في هذه الفقرة هو، بعبارة بسيطة جدًّا وحاسمة جدًّا، مجرَّد تزييف.
كنت قد أشرت في «ما قبل اللغة» (3) إلى أن القدر الهائل من الحراك الثقافي والاجتماعي الذي عرفَتْه المنطقة يجعل توصيف شعوب المنطقة بسِمات عِرقية ومواصفات محددة بشكل دقيق موضوعًا خارج السؤال، أي إنه مستحيل ألبتة. وإنما يقتصر هذا الاستخدام على الإشارة إلى شعب يتحدث لغة بعينها، ومنها يأخذ اسمه، فيُوصَف بها ولا تُوصَف به. كما أشرت إلى أن الاعتماد على مثل هذه المقارنات مؤسَّس على الكثير من «أوهام البحث العلمي»، وعلى رأسها التقسيم التَّوراتي للأجناس، الذي ساد بشكل سريع — لغياب التصنيف العلمي الدقيق — وسيطر على الدراسات الألسُنية والتاريخية، وهو الآن ليس سوى جزء من تاريخ البحث، ولا تتم العودة إليه إلا من قبيل استدعاء النماذج الكلاسيكية المتجاوَزَة.
من ناحية أخرى فإن وصف السُّومَريين ﺑ «ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء» هو من قبيل قولنا الآن: «التبو يصطادون الفقمة ويعيشون في الإسكيمو»! لسبب بسيط، وهو أن السومريين كانوا يفخرون بإطلاق صفة على أنفسهم من باب التعريف أو التمييز هي: «ذوو الشعر الأسود» أو «ذوو الرءوس السوداء» حرفيًّا: «ءُنْ.سَنْگ.گي» (ءُنْسَنْگِي) un-sang-ngi6 وهي كلمة مركَّبة من ثلاثة مقاطع:
ءُنْ: قوم.
سَنْگْ: رأس.
گي: أسود.
نورد هنا مثالًا دالًّا هو جزء من ملحمة «ءِنْ.مَرْكِر En-marker وسيِّد ءَرَتَّا Aratta» وترد فيه كلمات: «كي.إن. گي» أي «سومر»، و«كي. أوري» أي «أَكَد»، و«ءُنْ. سَنْگ. گي» أي «أهل الرءوس السوداء»، و«مَرتو» التي سنعود لها لاحقًا، نقرأ:
|
المتوافقة اللسان
|
emeḫa-mun
|
|
كِنْگي، الأرض العظيمة، ناموس النبالة
|
ki-en-gikur gal me nam-nun-na-ka
|
|
كِيُرِي، الأرض البهيَّة
|
ki-urikur me-te-ĝal2-la
|
|
أرضُ مَرتُو، المرْجُ الآمن
|
kurmar-tu u2-sal-la nu2-a
|
|
كَوْنُ الرءوس السوداء وهم
|
anki niĝin2-na uĝ3saĝ sig10-ga
|
|
يخاطبون [الإله] ءِنْلِلْ بلسان واحد
|
den-lil2-ra eme1-am3ḫe2-en-na-da-ab-dug4
|
وبالعودة إلى هذا النعت المتكرِّر في الألواح المسمارية، لا معنى — إطلاقًا — للقول بآريَّة السُّومريين. نعم، ربما كانت الشواهد التي لجأ إليها وادل صحيحة — في معظمها — خاصة ما يورده من مقارنة بين الرموز والعلامات السومرية في مرحلتها الصورية وبين العلامات الهيروغليفية ورموز وادي السند، لكنه عمد — فيما رتَّبه عليها من نتائج — إلى توجيهها لكي تؤدي هدفًا واحدًا هو أرْيَنَة السُّومريين، وأرينة الكنعانيين، وأرينة أسلاف العرب، ثمَّ أرينة الشرق، وبالتالي أرينة حضارة العالم.
الملاحظة الأولى التي نُسجِّلها على الفرضيات التي يلجأ إليها الباحثون لسدِّ فجوات في تاريخ الشرق القديم، وفي التراتيب الكرونولوجية لأعمار الحضارات التي نشأت فيه — ومنها ما نقرأه عند وأدل — هي أن تصوُّرَهم للحضارة يتأسَّس على أكثر مما يجب من «الكمال»! وأعني بهذا العبارة أن هؤلاء الباحثِينَ ينزعون الحضارة عن دالَّة تَكوُّنِها في الزمان، ويُحيلون إحداثياتها المتغيرة إلى نَسَقٍ ثابت تتطابق فيه هذه الإحداثيات، بغض النظر عن المسارات غير النسقيَّة التي تندرج فيها النشأة، ويندرج فيها النمو، أي بأخذ طابع تدرُّجيٍّ مُتتالٍ متَّصلِ الحلقات بشكل مباشر أو غير مباشر. أي إنهم — آخر الأمر — يُثبِّتون صورةً نمطية واحدةً — أو عددًا قليلًا — من صور نشأة الحضارة وتطوُّرِها ونُموِّها.
..............................................
1- صدر بترجمة زهير رمضان، عام 1999م، عن الدار الأهلية للنشر، الأردن.
2- م. س. ص19.
3- ما قبل اللغة، الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية، صدرت الطبعة الأولى عن دار تانيت، سنة 2008م؛ وصدرت الطبعة الثانية عن دار الكتب العلمية، سنة 2013م.