(1) السُّور
أعاد الكنعانيونَ — وربما كان معهم الحوريونَ النازحونَ لفلسطينَ — بناءَ مدينةِ القدسِ بعد أن هُجِرَت في نهاية العصرِ البرونزيِّ الأوسط. الآثار لا تؤيد وجود ما عُرف باليبوسيين، لكن البعض يتحدث عنهم مثل فرانكن الذي يقول: «وقد يكون اليبوسيون أعادوا بناءَ الموقع في أوائل القرن الرابعَ عشرَ وشغَلوه طَوال 400 سنة، وارتأَت كنيون أن سورَ المدينةِ اليبوسيَّ كان هو نفسه سورَها في العصر البرونزيِّ المتأخر أو أن السورَ اليبوسيَّ كان إعادةً لبناء هذا السور. وحيث توقعَت كنيون أن تجد القسمَ الشماليَّ من هذا السور كشف سلسلةً من المصاطب التي أضافت، في رأيها، إلى حيِّزِ البناءِ داخلَ المدينة، وجعلَت المنحدرَ الحادَّ قابلًا للسكن. ومن المحتمل أن هذا البناءَ كان جُزءًا من القلعة على قمة الجبل ومن دفاعاتها (1).»

خارطة (8): القدس في العصر البرونزي المتأخر. المراجع: Mare 1978: 50.
غوشة 1996: 58–59.
ويبدو أن المِيزَةَ الرئيسيةَ للقدسِ اليبوسيةِ هو توسُّعُها باتجاه الغربِ وإقامةُ حصنٍ جديدٍ على جبل صهيون، في حين انسحب السورُ الشرقيُّ قليلًا عن سور العصر البرونزيِّ الأوسط «ومن المحتمَل إذن أن يكون اليبوسيونَ هم الذين أصلحوا التحصيناتِ القديمةَ على تل الأكمة، وقاموا ببناء الحيِّ الجديدِ على المنحدَر الشرقي بين السور وقمة التل (2).»
وصفَت كنيون هذا السُّورَ بأنه جدارٌ محشوٌّ بقطعٍ من الحجارة، واكتشفَت منه بقايا افترضَت أنها تُسوِّرُ كل المدينة، وتقع داخلَ سورِ العصرِ البرونزيِّ الأوسط.
(2) الحُصُونُ والقِلَاع
هناك حِصنَان يبوسيان:
الأول: شرقيٌّ عبارةٌ عن مَعْقِلٍ ينتصِب على جبل أوفل في منحدَره الشرقي، وعندما امتدَّ عَبْر حرفِ الجبلِ إلى الغرب تطوَّر إلى قلعةٍ حقيقية. وقد قام الكنعانيون ببناء هذا الحِصنِ الذي لا يُقهَرُ دفاعًا عن المدينة من الشرق.
الثاني: كان على جبل صهيون، ويبدو أنه الذي أسمَتْه التوراةُ فيما بعدُ ﺑ «قلعة داود». وقد بناه الكنعانيونَ أولًا. وبوجود هذا الحِصنِ تكونُ القدس قد توسَّعَت باتجاه جبل صهيون «وقد ذكر البعض أن لفظ صهيون لم يكن يُشيرُ إلى مدينة أورشليم كلِّها، بل كان يُشير في الأصل إلى القلعة التي كانت تحمي المدينةَ من الجانب الشماليِّ الأكثرِ تعرُّضًا للغزو والاقتحام (3).»
(3) المصَاطِب
ظهرَت سلسلةٌ من المصاطب المليئةِ بالأحجار كشفَت عنها كاثلين كنيون، وقد مكَّنَت هذه المصاطبُ السكانَ من العيش في تلك المنطقةِ التي تتميزُ بالمرتفعاتِ والمنخفضات. وقالت إنها تعتقدُ أن هذه المصاطبَ المستويةَ حلَّت محلَّ المساكنِ القديمةِ المتفرقة، والشوارعِ التي تتسمُ بالانحدار الشديد. وقالتِ الباحثةُ إن بناء المصاطب استغرق وقتًا طويلًا؛ إذ بدأ العمل فيها في منتصف القرن الرابعَ عشرَ قبل الميلاد، ولم يكتمل إلا في مطلع القرن الثالثَ عشرَ قبل الميلاد، وكان بعضُ جدرانِ المصاطبِ يصل ارتفاعُه إلى 33 قدمًا، وهي بالإضافة إلى كونها مساكنَ كانت تقومُ كتحصيناتٍ للمدينة. وترى كنيون أن هذه المبانيَ قد تكونُ هي «القلعة» التي ذكرَتْها التوراة (4).
وعُثر في المنطقة المسمَّاة G في مساحةٍ تبلغ حوالي 650 قدمًا مربعًا، في القسمِ الشماليِّ من المدينة قربَ قمةِ الجبل، على دكَّةٍ أو مصطبةٍ مكشوفة، مع دفاعاتٍ مناسبة، عُملَت في العصرِ البرونزيِّ المتأخر كقلعةٍ أو مدافن.
(4) الآثارُ المادِّيَّةُ المَنقُولَة
عُثر على كسورٍ فَخَّارِيَّةٍ من القرن الرابعَ عشرَ والثالثَ عشرَ في المدينة في مواقعَ داخلَ جدارِ السور، ووُجدَت آثارٌ كثيرةٌ في المقبرة العاليةِ التي تحدَّثْنا عنها في العصرِ البرونزيِّ الأوسطِ والمتأخر.

شكل 44: جرَّةٌ فَخَّاريَّةٌ من القدس في العصر البرونزي المتأخر 1550ق.م. http://www.trocadero.com/stores/TheAweidahGallery/items/1049637/item1049637.html
وقد وجدت كنيون ما يشير إلى الاستقرار في العصر البرونزي المتأخر عند المقابر؛ حيث ظهرَت فخَّارياتٌ كثيرةٌ محليةٌ ومستوردةٌ تعود للقرَنين الرابعَ عشرَ والثالثَ عشرَ قبل الميلاد. وهذه المقابرُ ليست بعيدةً عن مدينة العصرِ الحديديِّ الأوِّل (التي تُسمَّى مدينةَ داود) قُربَ المقبرةِ العاليةِ على المنحدَر الغربيِّ لجبل الزيتون وقُربَ المبنى الحكومي في شمال المدينة وفي نحلات أحيم المجاورة للغرب (5).
وكذلك عثَر شيلوح في 1968م في منطقة G (عند قمة منطقة A التابعة لحفريات كنيون) على آثارٍ تعود للقرنَين الرابعَ عشَر والثالثَ عشَر قبل الميلاد من الطبقة اﻟ «16»، وفيها شبكةُ بناءٍ واسعة وجدران معادة البناء لتكوين ما يشبه المُضلَّع من الأحجار تشغَل مساحةً واسعةً ومسطَّحة (6).
..............................................
1-فرانكن، المرجع السابق، ص47.
2- أرمسترونج، المرجع السابق، ص39.
3- نفسه، ص40.
4- نفسه، ص39–40.
5- Shiloh, op. cit., p. 702.
6- .Ibid.