ربما كان هذا المناخُ سببًا في استفزاز أقوامِ بحرِ إيجة وقحط أراضيهم مما نتج عن ذلك تلك الغزواتُ الكاسحةُ التي قاموا بها على بلاد آسيا الصغرى وسواحلِ المتوسط.
«وفي أوائل القرنِ الثانيَ عشرَ قبل الميلاد، غمَر سواحلَ فلسطينَ فيضٌ من شعوب البحر من جزر شمالي البحر المتوسط وشواطئه. ويبدو أنها قد شغلَت كلَّ السهلِ الساحليِّ لفلسطين. وأشهرُ شعوبِ البحرِ هذه الفلسطينيونَ الذين قطَنوا المنطقةَ الواقعة بين غزةَ وعفرون، وشعب الثكر الذين قطَنوا المنطقة الساحلية جنوبي الكَرْمل. وقد جلَب الفلسطينيون حضارتَهم الخاصَّةَ معهم، ولكنهم سُرعان ما اندمجوا وامتزجوا مع الكنعانيينَ الذين هُزِمُوا على أيديهم. ولمَّا كانوا يمتلكونَ أغنى قطاعٍ من أرضِ فلسطينَ فإنه لم يَمُرَّ وقتٌ طويلٌ إلا وكانوا قد سادوا على شعوب البحر الأخرى. وفي حوالَي منتصف القرن الحاديَ عشرَ.» (أولبرايت 1971: 115–116).
كان أقوامُ البحرِ خليطًا من هجرةٍ آريةٍ كبيرةٍ قادمةٍ من شمال أوروبا باتجاه بلادِ البلقان، بالإضافة إلى أقوام بحر وجُزرِ إيجة التي أخرجها الجفاف من جُحورها. وقد انقسمَت موجاتُ أقوامِ البحر إلى ثلاثِ مجموعاتٍ أساسية:
(أ)المجموعةُ المنطلقةُ من البلقان: والتي تألَّفَت من الفريجيين والموكينيين، وهم الذين تحالفوا مع الكاشكيين القاطنين شمال آسيا الصغرى (خصوصًا عند السواحل الجنوبية للبحر الأسود). وقد هجمَت هذه المجموعةُ على قلب الإمبراطورية الحيثية ودمَّرَتها نهائيًّا عام 1190ق.م. وبذلك انتهى دور آسيا الصغرى في صُنع أحداثِ تاريخِ غربِ آسيا القديم.
(ب)المجموعة المنطلقة من كريت: والتي تألَّفَت من الشاردانيين واللوكيين والموكينيين واتجهَت نحو قبرص، ثم اتجهَت جنوبًا وتحالفَت مع القبائل الليبية، وهاجمت مصر وكادت تُسقِطُها لولا وقفةُ رمسيسَ الثالثِ الذي أجبَرها على التراجع.
(جـ)المجموعة التي ضمَّت القبائل الفلستية والليرية والزاكارية باتجاه ساحل بلاد الشام؛ حيث دمَّرَت بعضَ ممالكِها وتوغَّلَت في الجنوب؛ أي في فلسطين، وتصدَّى لها رمسيسُ الثالثُ في معركتَين على البحر وفي البر.
وقد انتهى غزو المجموعتَين الأخيرتَين بشكلٍ خاص إلى تفرُّق قبائلِها واستقرارِ بعضِها كسكانٍ مسالمينَ في كثيرٍ من أرجاء المتوسط «وأصبحَت أسماءُ بعضِ هذه الشعوبِ علَمًا على البلاد حتى الآن، ومنهم البلست مثلًا الذين أصبح اسمهم يُطلَق على «فلسطين» منذ ذلك العهد، والشردان الذين أصبحَت جزيرة «سردينيا» تسمَّى باسمهم، و«ثكر» الذين من المحتمل أن يكونوا قد أعطُوا اسمهم لجزيرة صقلية وغيرهم.»2
وهكذا غيَّر هجومُ أقوامِ البحرِ وجهَ التاريخِ بل وأدخلَه في مرحلةٍ جديدةٍ كانت التمهيدَ الأكبرَ لدخول التاريخ في العصورِ الحديدية. ويُلخِّصُ لنا الدكتور توفيق سليمان معالمَ هذا التحوُّلِ الجذريِّ الذي ترتَّب على هجمة أقوام البحر بالنقاط الآتية:3
(1) انهيارُ المملكة الحيثية التي كان بيدها تحديدُ مصيرِ شعوبِ غربِ آسيا وممالكِها لعدة قرونٍ خَلَت على هذه الهجمة.
(2) انهيارُ جميعِ ممالكِ وإماراتِ ساحل بلاد الشام حتى الحدودِ المصرية.
(3) تداعي أركانِ الدولةِ المصرية، بالرغم من صدِّ رمسيسَ الثالثِ لهجوم المغيرين؛ فقد دخلَت مع الأسرة الحادية والعشرين في مرحلة الضعف والانهيار.
(4) هجرةُ بعضِ القبائلِ الليبيةِ القديمةِ إلى مصر وتسلُّمُها الحكم في الدلتا.
(5) تراجعُ السلطةِ الآشورية إلى داخلِ حدودِها الأصليةِ الإقليمية، ثم نهوضُها كدولةٍ قوية.
(6) استقرارُ القبائلِ البلستية (الفلسطينية) على ساحلِ أرضِ كنعان.
(7) ظهورُ الميديين كقوةٍ كبرى على مسرح الأحداث السياسية في غرب آسيا.
وعلى أثَر هذه الهجمةِ نشأَت ثلاثُ قوًى جديدةٌ تصارعَت فيما بينها لتسلُّم زِمَامِ القيادةِ السياسيةِ والعسكريةِ والحضاريةِ في غرب آسيا القديم، وهي الإمبراطوريةُ الآشوريةُ والممالكُ الآراميةُ والمملكةُ الميدية، فوُلِد بذلك عالَمٌ جديدٌ في تركيبه وفي إنجازاتِهِ السياسيةِ والعسكريةِ والاقتصاديةِ والحضارية.