... لو كان الخوض في البحث عما وراء المادة أمرا محظورا، فلم خاض القرآن في هذه المباحث ، ودعى جميع الإلهيين إلى سلوك هذا الطريق الذي سار عليه.
قال سبحانه : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (1).
وقال سبحانه : (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (2).
ترى في هاتين الآيتين أدقّ البراهين على التوحيد في التدبير بما لا يتصوّر فوقه ، وسيوافيك تفسير الآيتين عند البحث عن وصف التوحيد.
إنّ الكتاب الكريم يذمّ المشركين بأنّهم يعتقدون بما لا برهان لهم عليه ، ومن خلال ذلك يرسم الطريق الصحيح للالهيين وهو أنه يجب عليهم تحصيل البرهان على كل ما يعتقدونه في المبدأ والمعاد.
قال سبحانه : (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) (3).
ولو كان عمل السلف في هذا المجال حجة ، فهذا الإمام علي بن أبي طالب قد خاض في الإلهيات في خطبه ورسائله وكلمه القصار بما ليس في وسع أحد غيره.
ولأجل ذلك ترجع إليه كثير من المدارس الفكرية العقلية في الإلهيات ، وعنه أخذت المعتزلة العدل والتوحيد ، والإمامية أصولها وعقائدها.
فلا ندري لما ذا تحتج سلفية العصر الحاضر والماضي بعمل أهل الحديث من الحنابلة والأشاعرة ، ولا تحتج بفعل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ربيب أحضان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتلميذه الأول خليفة المسلمين أجمعين.
قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله) : «إنّ للناس مسالك مختلفة في هذا المجال ، فهناك من يرى البحث عن الحقائق الدينية والتّطلّع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسنّة بدعة ، والعقل يخطّئهم في ذلك ، والكتاب والسنة لا يصدّقانهم.
فآيات الكتاب تحرّض كلّ التحريض على التدبر في آيات الله وبذل الجهد في تكميل معرفته ومعرفة آياته بالتذكر والتفكر والنظر فيها والاحتجاج بالحجج العقلية ، ومتفرقات السنّة المتواترة معنى توافقها. وهؤلاء هم الذين يحرّمون البحث عن حقائق الكتاب والسنة ، حتى البحث الكلاميّ الذي بناؤه على تسليم الظواهر الدينية ثم الدفاع عنها بما تيسّر من المقدمات المشهورة والمسلّمة عند أهل الدين» (4).
______________
(1) سورة الأنبياء : الآية 22.
(2) سورة المؤمنون : الآية 91.
(3) سورة الأنبياء : الآية 24.
(4) الميزان ، ج 8 ، ص 153.