إذا أخذنا ببعض أَوْجُهِ نظريةِ فنكلشتين القائلةِ إن المرتفعاتِ الوسطى في فلسطينَ (إفرايم ومنسي) انتعشَت بمستوطناتٍ جديدةٍ مع بداية العصرِ الحديديِّ الأوَّل؛ فإننا نُضطَر لقبول فكرةِ الأصولِ الرعوية (وليس الزراعية) لهذه المستوطنات، والتي تُكمِلُ نظريتَه، وهو ما تؤيده النقوشُ المصريةُ في العصرِ البرونزيِّ المتأخرِ حول وجودِ مجموعاتٍ كبيرةٍ غيرِ مستقرَّةٍ من الرعاةِ وقطَّاعِ الطرق.
أمَّا الأراضي المنخفضة، والتي تأثرَت قليلًا بجفاف العصرِ البرونزي، فقد شَهدَت استقرارَ المزارعينَ ونموَ حضارتِهم مع مطلَع العصرِ الحديديِّ الأوَّل.
إن صفةَ المستوطناتِ الرعويةٍ للمرتفعاتِ الوسطى والمستوطناتِ الزراعيةِ للمنخفضات في بلاد فلسطينَ هي الأقربُ إلى الواقع؛ إذ ما زال يفصلُنا عن استعمال مصطلح «شبه إثني» — والذي يكرِّسه طومسون — قرنٌ كاملٌ تقريبًا.
ولذلك تبدو محاولاتُ ستاغر وليمخي وألستروم وغيرهم — لتسميةٍ إثنيةٍ مثل «عابيرو»، و«شاسو»، و«شوتو»، وتحديدِ أماكنِهم المستقرَّةِ الفلسطينية — مغامرةً كبيرة، وتمهيدًا للسقوط في شراك المروياتِ التوراتية.
لا شيءَ تمنحُه الآثارُ عن إثنية القرنِ العاشرِ الفلسطينية سوى المَسحَة الكنعانيةِ العامَّةِ للبلاد، رغم الخصر البلستي في الساحلِ الجنوبيِّ ذي الطبيعةِ الإيجيةِ المخلوطةِ بقوةٍ مع التراث الكنعاني.
وهذا يعني أن وجود «إسرائيل أو يهوذا» في مثل هذا التاريخِ المبكر، لا تؤيده المعلوماتُ المتوفرة عن فلسطينَ في تلك الفترة. إن البيِّناتِ المستخلصةَ من البياناتِ الأركيولوجيةِ والكتابيةِ تُقدِّمُ بكلِّ تأكيدٍ دليلًا ضدَّ أيِّ توكيدٍ لوجود أيِّ بِنًى سياسيةٍ عَبْر إقليميةٍ في المرتفَعات.
ونستبعد تمامًا أيَّ معنًى منطقيٍّ لوحدةِ السكانِ خلالَ العصرِ الحديديِّ الأوَّل أو في بداية العصر الحديديِّ الثاني قبل بناءِ السامَرَّة.1
وتميل آراء الآثاريين الآن إلى أن ظهورَ مستوطناتِ العصر الحديدي الأول كان معاصرًا لتدهور ثقافة العصر البرونزي الأخير؛ أي إنها ظهرَت بعد منتصفِ القرنِ الثانيَ عشرَ مرتبطةً مع سُكنى القرى الجديدة، كما يرى ذلك براندفون F. R. Brandfon، ويكمُن مِفتاحُ فهمِنا لنهاية العصرِ البرونزيِّ في إدراكِنا لقاعدتِه الزراعيةِ التي دمَّرَها الجفاف، كذلك يكمنُ فهمُنا لبداية العصر الحديدي (ولو في ثنايا البرونزي) لاستبدال الزراعة المستقرة في الوديان بالضغطِ على حدود الأراضي الهامشية، والاعتماد على الزراعة الموسميةِ وتربيةِ الحيوانِ ورعيِ الأغنامِ والماعزِ والصيدِ الساحلي.
أمَّا التجارةُ فقد كان دورُها ضئيلًا في العصرَين البرونزيِّ والحديديِّ الأوَّل، وربما كانت أهميتُها تبرزُ مع ظهور المدن الكبيرة والدول الإقليمية منذ القرن التاسع قبل الميلاد.
وهكذا علينا أن نقرِّرَ على ضوء الحقائق الآثاريةِ والقناعاتِ العلميةِ أنْ لا وجود لإسرائيلَ والسامَرَّةَ ودولةِ يهوذا في القرن العاشر قبل الميلاد، ونعترفُ فقط بوجود أورشليم كمدينةٍ يبوسية كنعانية ناشطة. وهو ما تؤيده كلُّ الحفرياتِ الآثاريةِ «وإنه لمن المؤكِّد هو أن مسحَ أنماطِ الاستيطانِ في العصرِ الحديديِّ الأوَّلِ لا يقدِّم وصفًا تاريخيًّا لإسرائيلَ، ولا حتى في السامَرَّةَ في المرتفعات الوسطى؛ فموجةُ الاستيطانِ الجديدِ لم تصل إلى ذروتها حتى مضى وقتٌ من العصر الحديدي الثاني؛ عندها يصبحُ من الصعب فهمُ أصولِ إسرائيلَ في ضوءِ جِدَّةِ الاستيطان فقط».2
والآن كيف يمكنُ التعاملُ مع ما يُسمَّى ﺑ «المملكة الموحدة» وما قبلها بقليل؟
وبشكلٍ أدقَّ كيف يمكن فهمُ الروايةِ التوراتيةِ حول شاؤلَ وداودَ وسليمان؟
نرى أولًا أن القرن العاشر قبل الميلاد لم يشهد تأسيسَ دولتَي إسرائيلَ ويهوذا مطلقًا، وهما اللتانِ نشأَتَا فيما بعدُ، لفترةٍ عابرةٍ ووجيزة، دون أن تكون بينهما علاقةٌ سياسيةٌ ودينيةٌ واجتماعية. وإنَّ ما وُجِدَ في القرن العاشر لا يتعدَّى وجودَ أورشليمَ كمدينة (وليس دولة مدينة) مستمرة من القرون السابقة. ونرى أن كتبةَ التوراةِ اصطنعوا مملكةً موحدةً مكونةً من إسرائيلَ ويهوذا، وصنعوا لها أبطالًا بمَسحَةٍ أسطوريةٍ مثلَ داودَ وسليمانَ اللذَين لا تؤيد وجودَهُما أيةُ إشارةٍ حفريةٍ ولو عابرة؛ ولذلك فإننا نرى أن وهمَ صناعةِ المملكةِ الموحَّدةِ وأبطالها لا يعدُو أن يكون جزءًا من الأدبِ التوراتيِّ وليس من حقائق التاريخِ الآثاري.
أمَّا الأوهامُ التوراتيةُ التي زاد عليها المؤرخونَ المعاصرونَ ونفخوا فيها أكثرَ فلا تعدُو أن تكون تدخُّلًا دينيًّا أيديولوجيا في علم التاريخ؛ إذ نذكُر، على سبيل المثال لا الحصرِ، آراءَ برايت التي توصَّل فيها إلى جَعلِ داودَ سيدًا على إمبراطوريةٍ معتبرة. ها هنا «إمبراطورية» تضمُّ عمون وسوريةَ في الشمال وأدومَ ومؤابَ في الشرق، وتجعلُ برايت قادرًا على الاستنتاج أنه (بفجائيةٍ درامية) استطاعَت فتوحاتُ داودَ أن تُحوِّلَ إسرائيلَ إلى القوة الأولى في فلسطينَ وسورية، وتمتد من خليج العقبة إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن وادي العريش جنوبًا إلى سلسلة جبالِ لبنانَ وقادِش الواقعةِ على نهر العاصي شمالًا.
وفي نهاية الأمر، وحسب روايةِ برايت تَدبَّر داودُ أن يرث «الإمبراطورية الداودية»، والتي تَرسَّخَت بنجاحٍ نسبيٍّ من قِبل سليمان.3
ويرى وايتلام أن ما قام برايت بتركيبه هو نظرةٌ مُستَلهَمةٌ من الكتاب عن «إسرائيلَ الكبرى»، والتي تتوافقُ مع وجهاتِ نظرِ وتطلعاتِ العديدِ من زعماءِ إسرائيل، وتُساعِدُ على دعمها. وقد عبَّر بن غوريون عن الرأي القائل: إن حدودَ إسرائيلَ يجبُ أن تضُمَّ جنوبَ لبنانَ وجنوبَ سوريا والأردن وشرقَ الأردن وسيناء.4
علينا إذن التركيزُ على أورشليم وما حولها في القرن العاشر؛ فقد شهدت مرتفعاتُ يهوذا تحوُّلًا من اقتصاد سكانٍ يعتمدونَ على الرعي وبداوةِ السهوبِ إلى حَدٍّ كبيرٍ إلى قرًى زراعيةٍ تعتمدُ أساسًا على زراعة الأشجارِ المثمرةِ وتربيةِ الحيوان. القرنانِ التاليانِ (التاسعُ والثامنُ قبل الميلاد) شهدا تزايدًا كبيرًا وسريعًا في السكان، وحوَّلَاها في النهاية إلى منطقةٍ موحدةٍ بزعامةِ القدسِ السياسية، والظروفُ المناخيةُ كانت ملائمةً لهذا التحوُّل. بناءُ القلاع في صحراءِ يهوذا وشَمال النَّقبِ يصعبُ اعتبارُه مجردَ استثمارٍ اقتصاديٍّ للأماكن المحدَّدة التي وُجِدَت فيها هذه القِلَاع.5
ما زالت القدسُ في القرن العاشر مجردَ مدينةٍ عادية، لكنها مع تزايُدِ السكانِ في القرنَين اللاحقَين حوَّلَت ما حَولَها من مدنٍ إلى أسواقٍ لها؛ فالخليلُ مثلًا الواقعةُ على حدود السهوبِ تحوَّلَت إلى سوقٍ للمستوطناتِ الجديدةِ والمتصلةِ بالقدس تِجاريًّا. أمَّا شيفيلية ولخيش وتل خويليفة فقد تَحكَّمَت بها مراكزُ تِجاريةٌ أخرى تقعُ قُربَ الساحل، مثل عَقرُونَ وعسقلانَ وغزة. لكنَّ هذه التحولاتِ التِّجاريةَ ما زالت بعيدةً عن القرن العاشر قبل الميلاد.
لا يمكنُ الأخذُ بالمروياتِ التوراتيةِ؛ لأنها، ببساطة، مروياتٌ أدبيةٌ وفولكلورية لا علاقة لها بالتاريخ. ولذلك توَجَّب إهمالُ كلِّ ما يُذكَرُ عن داودَ ودخولِه إلى القدس وتسميتِها ﺑ «مدينة داود» أو «صهيون»، وكذلك ما يتعلَّقُ بسليمانَ وسيرتِه وبنائِه للهيكل … إلخ. كلُّ هذه المروياتِ التوراتيةِ الأدبيةِ لا يمكنُ الأخذُ بها في القرنَين العاشرِ والتاسعِ قبل الميلاد … ولذلك نرى أن ما قامت به كنيون من ربطٍ قَسريٍّ لآثار القدسِ في هذه المرحلةِ مع القصصِ التوراتيِّ أضرَّ بقيمة جهودِها العلمية؛ إذ ما علاقةُ علمِ الآثارِ بالتسميات القَسريَّةِ المأخوذةِ من التوراة، والتي قامت كنيون بإطلاقها على بعض القلاعِ والجُدرانِ والأسوارِ الصمَّاءِ التي لا يُوجَد ما يشير مطلقًا إلى علاقتها بداودَ وسليمانَ وخصوصًا في كتابَيْها:6
Jerusalem: Excavating 3000 Years of History.
Royal Cities of the Old Testament.
لذلك توَجَّب التعامُل بحذَرٍ مع كتبها وبحوثها، ورغم أننا نرى أن حفرياتِها وكشوفاتِها كانت رائدةً في مدينة القدس، لكِن ما شَوَّه القيمةَ العلميةَ لهذه الحفرياتِ هو تأويلاتُها التوراتية.
إن الحفرياتِ الأثريةَ العديدةَ في القدس — والتي شارك فيها ما لا يقلُّ عن ثلاثينَ آثاريًّا — لم تجد أيةَ معطياتٍ أو معلوماتٍ أو موادَّ تؤكِّد هذه النصوص التي قرءُوها في التوراة. وقد كتب الكثيرُ منهم أبحاثًا حول هذا الموضوع بأمانة، في حين رمى البقيةُ منهم ما ثبتَ أمامهم من حقائقَ ومعلوماتٍ منطقيةٍ علمية، واعتمد على النصوص التاريخية التي كتبها علماء التلمود، والتي ردَّ في جزءٍ منها حكايةَ إحضارِ داودَ للأسباط وتوزيعِ القدسِ عليهم بالتساوي7 هذه المروياتُ وغيرُها لا تُقدِّم شيئًا على المستوى العلميِّ لمعالجة موضوعِ القدسِ تاريخيًّا. وتَتبقَّى إشارةٌ واحدةٌ تأتينا من الآثار المصرية، ومن نَصٍّ منقوشٍ على بوابةٍ كبيرةٍ يعودُ إلى عصر الملكِ المصريِّ شاشنق الأول (950–929ق.م.) والذي يَذكُر أن حملةً كبيرةً لهذا الملكِ حصلَت في حدود عام 931ق.م. اقتحمَت عددًا كبيرًا من المدنِ الفلسطينية، ولكنَّهَا لا تذكرُ القدسَ ولا يهوذا ولا إسرائيلَ ولا السامَرَّة «ذلك أنه من بين أكثر من 150 مكانًا ذُكِرَت لا نلتقي إلا بالقليل محفوظًا ليُمهِّد لنا تحديدَ طرقٍ تدور في النواحي حول المنطقة الجبلية للسامريَّة دون الوصولِ إلى مركز المملكةِ الإسرائيلية، بل لا تُوجَد إشارةٌ إلى أنهم اقتربوا من اليهودية (يهوذا) إطلاقًا، ومع ذلك فهناك ما يشير إلى غارةٍ على الإقليم الأدومي.»8
هذه الملاحظةُ العلميةُ الأركيولوجيةُ تُفصِحُ لنا عن مدى الخيالِ التوراتيِّ الذي قام بتلفيقِ قصةٍ كاملة عن شاشنقَ وحملتِه المخصَّصةِ على أورشليمَ ونهبِ هيكل سليمان (كالعادة!). وهي تُلغي أيضًا قصةَ مصاهرةِ سليمانَ للفرعون وقصةَ رحبعام ويربعام المختلقة. وليس أدل على التهويل وعدمِ الدقةِ أكثر من ذكر الفراعنةِ دون ذكرِ أسمائِهم باستثناء شاشنق (الذي تسمِّيه التوراة شيشق ملك مصر!).9 لقد تأكَّد حصولُ الحملةِ المصريةِ على فلسطينَ من خلال العثور على قطعةٍ في مجدو تذكُر شاشنق.10
أمَّا القصةُ الباذِخةُ ليربعام ورحبعام وهدد فلا يمكنُ العثورُ على ما يؤيدُها؛ لأنها ببساطةٍ قصةٌ مُختلَقة. وهكذا يرى طومسون هذا الحادثَ فلا يهوذا ولا إسرائيلُ ولا القدسُ أو أيُّ عاصمةٍ أخرى محتملةٍ في المرتفعات الوسطى تستدعي اهتمامَ شاشنق في محاولاتِه لإخضاع فلسطين، سياسيًّا واقتصاديًّا، لمصر.
كانت القدسُ مدينةً جبليةً صغيرةً في ذلك الوقت، أمَّا وجودُ يهوذا في مثل هذا التاريخِ المبكرِ فلا يؤيدُه المعلوماتُ المتوفرةُ عن فلسطينَ في تلك الفترة.11
كلُّ هذا الخيالِ الأدبيِّ الجامح — والذي يهدف إلى رسم صورةٍ زائفةٍ عن أمةٍ كبيرةٍ وعريقةٍ لا وجود لها — ذهب مع الريح، ووضعناه في خانة الأدب لا في خانة التاريخ. وما الهدفُ من وراء قصص شاؤلَ وداودَ وسليمانَ سوى الحديثِ الميثولوجيِّ المعتادِ لخلق «عصر بطولةٍ إسرائيلي» كما هو عند كل الأمم الطالعةِ الجديدة. لكننا نعرف كم خدمَت الآثارُ مثلَ ذلك العصرِ عند الكثير من الأمم القديمة، إلا عند اليهود الذين لم يَرقَوا إلى مستوى البطولةِ هذا بسبب ضآلتهم وحجمهِم المتواضعِ في التاريخ القديم، ولم يكن هناك سوى الكتابةِ المُنشَّطةِ بخيالٍ جامح، لكنَّ الكتابة — وهي تُشحَنُ بالمقدسات — تصبحُ أقوى من الواقع أحيانًا، وتسهِمُ في بثِّ أساطيرَ قد تَخلُق بالحَثِّ والقوةِ تاريخًا لاحقًا. وهو ما حصَل مع التوراةِ واليهودِ فيما بعدُ.
..............................................
1 طومسون، المرجع السابق، ص211.
2 نفسه، ص 214.
3 وايتلام، المرجع السابق، ص178.
4 نفسه.
5 طومسون، المرجع السابق، ص 226.
6 Kathleen M. Kenyon, “Jerusalem: Excavating 3000 Years of History,” London, 1967.
Kathleen M. Kenyon, “Royal cities of the old Testament,” London, 1971.
7 إبراهيم الفني، القدس عَبْر الحضارة والتراث منذ ستة آلاف عام، عمان، 1997م، ص 50.
8 سير ألن جاردنر، مصر الفراعنة، ترجمة الدكتور نجيب ميخائيل إبراهيم، ط2، القاهرة، 1987م، ص361.
9 العهد القديم، الملوك الأول 14: 25–26. الملوك الأول 1: 16–18.
10 جاردنر، المرجع السابق، ص 361.
11 طومسون، المرجع السابق، ص12.