تقييم دور مجلس النواب الرقابي لمبدأ الشفافية في الحساب الختامي
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص173-176
2026-06-03
22
إن الدور الرقابي لمجلس النواب العراقي في تحقيق مبدأ الشفافية عند مناقشة الحساب الختامي المقدم اليه بمقتضى قانون الإدارة المالية والدين العام الساري في حينه على وفق الواقع التطبيقي، يمكن رده الى ما يأتي:
أولا. عدم إعداد الحساب الختامي وتقديمه في الوقت المناسب وبصورة سنوية: إن السؤال الذي يُطرح بشأن مدى شفافية الحساب الختامي، هل المؤسسات الدستورية العراقية تقدمه وتصادق عليه بصورة دورية وفي الوقت المناسب؟ فمبدأ شفافية الحساب الختامي يتمثل بأن يكون تقديمه والمصادقة عليه بصورة منتظمة، ويعكس صورة واضحة وأمينة للمركز المالي للدولة (1)، فشفافية الحساب الختامي تحتم أن يقدم في مدة (6) أشهر من السنة المالية القادمة للموازنة المنفذة (2).
ولكن الواقع التطبيقي يشير الى قيام السلطة التنفيذية بإعداد الحساب الختامي وتقديمه الى السلطة التشريعية وإقراره من لدنها بعد مدة طويلة جداً، وهو ما نجده مخالف لمبدأ شفافية الموازنة في مرحلة الرقابة عليها ، إذ أفرغت هذه المصادقة الحساب الختامي من أثره الرقابي ومن محتواه ومضمونه، ومن ثم من غير مجدي إجراء مناقشات بشأن موازنات نفذت منذ زمن طويل. ومن قراءتنا للحسابات الختامية المصادق عليها والمنشورة في الجريدة الرسمية نجدها ان مجلس النواب العراقي ألزم وزارة المالية بمعالجة التحفظات لكنه لم يبين كيفية المعالجة، وهو ما نجده أيضاً مخالف لمبدأ شفافية الموازنة في مرحلة إعدادها من إعداد الموازنات المقبلة بصورة سليمة تكون تقديراتها أقرب للواقع (3) ، فضلاً عن أن الواقع التطبيقي يشير الى قيام المجلس بالمصادقة على حساباً ختامياً لقانوني الموازنة العامة لسنتي (2005 و 2006 )، أي: تمت المصادقة على حساب ختامي لسنتين ماليتين في آن واحد (4) ، وتعتقد الباحثة أن هذه المصادقة مخالفة لمبدأ شفافية الحساب الختامي ومخالفة لمبدأ استقلال السنوات المالية، إذ أدت هذه المصادقة الى تداخل بين سنتي 2005 و 2006 فيما بينهما فلم يتبين لنا القرارات المالية الصادرة من السلطات العامة عند تنفيذ الموازنة العامة لسنة 2005 والموازنة العامة لسنة 2006(5).
ثانياً. عدم تشريع قانون حق الحصول على المعلومات: لا يمكن الحديث عن مبدأ الشفافية من دون التطرق الى أحد الحقوق والحريات العامة الحديثة والمتطورة الا وهو (حق الحصول على المعلومات) وله مفهومان (فالمفهوم السلبي) ويُعرف بأنه حق دستوري يسمح للأشخاص (طبيعية، أو معنوية) بتقديم طلب الى إحدى هيئات الدولة أو أحد مؤسساتها للاطلاع على المعلومات والبيانات والسجلات والإحصاءات والوثائق (6) بما فيها وثيقة الحساب الختامي للدولة. أما (المفهوم الايجابي) وهو قيام الإدارة المالية من تلقاء نفسها بنشر المعلومات والوثائق والتقارير للجمهور للاطلاع عليها (7) بما فيها الحساب الختامي، ويعد العراق من الدول التي صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد منذ عام 2007 وتضمنت الاتفاقية ضمن بنودها إقرار قانون حق الحصول على المعلومات، الا أن مجلس النواب العراقي لم يصدر هذا القانون لغاية كتابة هذه السطور (8).
إن تمويل الموازنة العامة من المال العام الذي هو ملك الشعب ومن حقه أن يراقب تنفيذ الموازنة العامة عن طريق الحساب الختامي استناداً للمادة (27/أولا) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والتي نصت على للاموال العامة حُرمة ، وحمايتها واجب على كل مواطن"، ولدينا بشأن هذا النص الدستوري التساؤلات الآتية:
1. كيف للمواطن أن يحمي المال العام، ولم يصدر له قانون حق الحصول على المعلومات.
2. كيف للمواطن أن يحمي المال العام والحساب الختامي يتم مناقشته لمدة زمنية طويلة جداً، وهذا ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا في قرار لها والذي قضت فيه .... ان تفعيل هذا النص الدستوري يقتضي تشديد الرقابة على المال العام ... (9) ، وترى الباحثة ان العلة من مناقشة الحساب الختامي من لدن مجلس النواب العراقي هي بلوغ أقصى حد من الحماية للمال العام واستدامته استناداً الى مبدأ سيادة الشعب، والمجلس ينوب عن شعب في مناقشة الحساب الختامي.
ويظهر دور المواطن في الحساب الختامي من ممارسة الرقابة الشعبية على ما يحتوي الحساب من مخالفات مالية جسيمة، والرقابة الشعبية هي الرقابة التي تمارس من لدن الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والرأي العام والصحافة وتزداد الرقابة الشعبية في عصر العولمة مع تزايد دور منظمات المجتمع المدني في الدول (10) ، وترى الباحثة أن عدم إقرار قانون حق الحصول على المعلومات وتقديم الحساب الختامي وإقراره في الوقت المناسب وبصورة دورية وسنوية يعد خرقاً للدستور والمتمثل بالمادة (27/ اولاً) منه ومن ثم خرق لمبدأ الشفافية ولاسيما (شفافية الموازنة العامة في مرحلة الرقابة)، وهذا ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا بقولها "... وكان المقتضى من المشرع العراقي توسيع قاعدة الحماية لجميع الأموال العامة التي تخصص للمنفعة العامة وان عدم إيجاد السبل الكفيلة للحفاظ على المال العام... يمثل خرقاً لاحكام المادة (27/ اولاً) من الدستور ... (11).
نستنتج مما تقدم، ضعف رقابة مجلس النواب العراقي في الحساب الختامي المصادق عليه (من 2005 الی 2011 ) من تحقيق مبدأ الشفافية، وذلك لقيام السلطة التنفيذية بإعداده وتقديمه الى المجلس بعد مضي مدة زمنية طويلة جداً، الى جانب ذلك عدم قيام مجلس النواب العراقي بتشريع قانون حق الحصول على المعلومات جعلت من رقابة المجلس تتميز بعدم الفاعلية، إذ حالت من دون معرفة المواطن بحقيقة المركز المالي للدولة، لذا ندعو الى ضرورة تحسين وتطوير الدور الرقابي لمجلس النواب من عرض مشروع قانون الحساب الختامي في مدة وجيزة.
____________
1- ينظر: د. عباس محمد نصر الله المالية العامة والموازنة العامة ،طا ، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2015، ، ص 86 ، ينظر: د. جيهان حسن سید احمد خليل دور السلطة التشريعية في الرقابة على الاموال العامة، دار النهضة العربية، القاهرة 2002، ص 81
2- ينظر : القسم (11) الفقرة (6) من قانون الإدارة المالية والدين العام رقم (95) لسنة 2004 الساري في حينه.
3- ينظر: الحسابات الختامية لسنوات المالية (من 2005 الى 2011) المنشورة في جريدة الوقائع العراقية، سبق الاشارة اليها.
4 بنظر د. شداد خليفة خزعل حاتم، آلية الرقابة على تنفيذ الموازنة العامة في ظل قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 ، بحث منشور في مجلة الباحث للعلوم القانونية ، كلية القانون، جامعة الفلوجة المجلد الأول، العدد الأول، 2020 ، ص 217.
5- تم المصادقة على الحساب الختامي لقانوني الموازنة لسنتي (2005- 2006) بالقرار التشريعي الصادر من مجلس النواب العراقي رقم (24) لسنة 2015، سبق الإشارة اليه.
6- اما المادة (3/هـ ) من مشروع قانون حق الحصول على المعلومات لعام 2012 عرف الحق بأنه " المعلومة الموجودة في السجلات والوثائق المكتوبة او المحفوظة الكترونياً أو الرسومات او الخرائط او الجداول او الصور او الافلام او المايكروفيلم او التسجيلات الصوتية او اشرطة الفيديو أو الرسوم البيانية او اية بيانات على أجهزة خاصة او اية اشكال اخرى تدخل في نطاق المعلومة وفقاً لهذا القانون للمزيد من التفاصيل ينظر: زينة صاحب كوزان عبد العباس، التنظيم القانوني لحق الحصول على المعلومات (دراسة مقارنة)، اطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون جامعة بابل ، 2017، ص 28-29
7- زينة صاحب كوزان عبد العباس، التنظيم القانوني لحق الحصول على المعلومات (دراسة مقارنة)، اطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون جامعة بابل ، 2017، ص 259.
8- ينظر: د. مها بهجت يونس التنظيم الدستوري والقانوني لأسس وآليات مكافحة الفساد في ظل دستور جمهوية العراق 2005 ، ط 1 ، مكتب ،رياض ،بغداد، 2015 ، ص 38-37
9- اصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها رقم (153 / اتحادية / 2023 ) في 2023/8/7، بناءً على طعن في بعض نصوص قانون الموازنة العامة الاتحادية للسنوات (2023، 202، 2025) والمقدم من رئيس مجلس الوزراء ضد رئيس مجلس النواب، إذ تم ادراج عدد من المواد لم تكن مدرجة في مشروع القانون الذي قدمته الحكومة الى مجلس النواب، منشور على الموقع الرسمي الالكتروني للمحكمة https://www.iraqfsc.iq، تاريخ زيارة الموقع 2025/1/19.
10- ينظر : د. عبد المطلب عبد الحميد اقتصاديات المالية العامة بلا طبعة بلا ذكر دار وزمان ومكان النشر ص 134 ، وينظر أيضاً : د. أحمد عبد جابر الكفيشي، التنظيم القانوني للرقابة المالية العليا على الأموال العامة، ط 1 ، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2020، ص88
11- قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (49) وموحدتها 83 اتحادية 2022 في (2022/9/21، منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4695) في 2022/10/24 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة