اشكالية العلاقة بين الإعلام والتربية:
إن الجدل القائم حول العلاقة بين التربية والإعلام ليس بالجديد، وقد أوضحت الدراسات والندوات التي تناولت هذه العلاقة أن هناك كثيراً من جوانب المقاربة والمفارقة بينهما، وأن التطور التكنولوجي فرض مظهراً مهماً من مظاهر التكامل بين الإعلام والتربية، وأن الإعلام قد أصبح محوراً من محاور العملية التعليمية، وتم إدراج الإعلام التربوي ضمن التخصصات التربوية المنتشرة في المؤسسات التربوية.
إن الثورة التكنولوجية جعلت التربية الإعلامية أكثر الحاحاً وبخاصة بعد أن فقدت الدول السيطرة الكاملة على البث المباشر للبرامج التليفزيونية، وفقدت قدرتها على التصدي للبث الإعلامي الخارجي والاكتساح الثقافي الأجنبي. وبعد أن ساعدت شبكة الانترنت على الغزو الثقافي وتهديد كثير من الثقافات الوطنية، وتفاعل معها الصغار والشباب والكبار في تناول التيارات الثقافية والمذهبية والسياسية.
ومع الفوضى السائدة في المجال الإعلامي الخارجي، ومع التنافس والصراع بين أنماط الثقافة الوطنية والثقافات الأجنبية، ظهر التأثير الواضح للصحف والمجلات وكتب الأطفال وأفلام المغامرات وبرامج التلفاز ومواقع الانترنت على السلوك المنحرف وجرائم العنف والعدوان، ولا سيما لدى الأطفال والمراهقين، والتأثير على كثير من المفاهيم والقيم والعادات، وعلى الهوية الثقافية.
وعلى الرغم من التطورات الحديثة في مجال الإعلام من جهة، وتطور النظريات والفلسفات التربوية من جهة أخرى برزت أهمية التمييز بين دور الإعلام ودور التربية في المجتمع المعاصر ليس لإبعاد الهوة بينهما، وإنما لتحقيق التكاملية.
ويمكن تناول هذا التمييز على النحو التالي:
1. تتميز وسائل الإعلام بسرعة تجاوبها مع المستجدات العلمية والتكنولوجية، وهذا الأمر لا يتوافر للتربية، كما تتوافر في وسائل الإعلام عدة مميزات أخرى لا يتمتع بها غيرها من الوسائل التربوية؛ فهي تقدم خبرات ثقافية متنوعة ونماذج سلوكية، وطرق معيشة قطاعات عريضة من أفراد المجتمع إضافة إلى أنها تنقل إلى الأفراد خبرات ليست في مجال تفاعلاتهم البيئية والاجتماعية المباشرة.
2. يعكس الإعلام الثقافة العامة للمجتمع جنباً إلى جنب مع الثقافات الفرعية للفئات الاجتماعية المختلفة من خلال ما تنقله وسائله المتعددة إلى جمهوره العريض من موضوعات ومعلومات وأفكار وأخبار ومواقف من مختلف جوانب الحياة، بينما تقتصر الثقافة المدرسية على المقررات الدراسية التي تستمد أصولها من التراث الثقافي للمجتمع والبنية الأساسية للحقل المعرفي الذي يتعلمه الطلاب.
3. يتيح الإعلام لجمهوره فرصاً واسعة للترفيه والترويح والمتعة، وهذا ما لا توفره التربية لطلابها فكثيراً ما تعاني التربية من المناهج الجامدة التي لا تلبي اهتمامات الطلبة، أو تشبع ميولهم واحتياجاتهم، وكثيراً ما تكون طرق التدريس قائمة على الإلقاء، وكثيراً ما تكون الاختبارات مثيرة للرعب والخوف من نتائجها.
4. سرعة انتشار الإعلام وتأثيره في تشكيل عقول الجماهير من خلال وسائل الإقناع المباشرة وغير المباشرة ومن خلال الحوار الفعال وجودة تقنية المؤثرات الصوتية والحركية ومرونة البرامج وتنوعها؛ لإرضاء جميع الأذواق ومختلف المستويات الثقافية ومختلف الفئات العمرية، ونقل الخبرات المباشرة الحية من أي مكان في المعمورة وهذا يصعب تنفيذه على الوسائل التربوية أو تحمل مسؤوليته.
5. تؤثر النية في تنمية الإنسان تنمية متزنة متكاملة (جسمياً وعقلياً وخلقياً ووجدانياً وعقائدياً واجتماعيا) حتى تنمو شخصيته إلى أقصى قدر تسمح به قدراته، كما تساعد التربية في إكساب الطلاب والطالبات المفاهيم والاتجاهات والقيم والمعلومات والمهارات التي تساعدهم على التعايش مع الآخرين، وتكوين علاقات اجتماعية وطيدة معهم قائمة على الفهم والاحترام والثقة، وهذا ما تستطيع أن تقوم به وسائل الإعلام باعتبارها وسائل تربوية غير مقصودة لا تستطيع المتابعة أو تعديل السلوك.