إشارات ولطائف (البَرّ) و(البِرّ)
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص131-135
2026-06-08
61
البَرّ و البِرّ في القرآن الكريم وردت بعض الايات القرآنية في بيان كلمة البر وتعريف البر وتنقسم هذه الايات الى عدة مجموعات منها:
- الايات التي تعرف هوية الابرار وتضعهم في لائحة أفضل المخلوقات في عالم الامكان و (البر) اسم من أسماء الله تعالى الحسنى: ( إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ[1]) وقد وصف الملائكة كذلك بهذا الاسم بل وسموا به حيث قال عنهم الله تعالى بأنهم البررة: (ٖبِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ[2]) وكلنا نعلم بأن كتاب الابرار في عليين ويشهد عليه المقربين أما الابرار ففي نعيم دائم جالسين على الارائك فرحين ينظرون الى بعضهم البعض: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[3]) إذا فهذا ما وعد به الله سبحانه الأبرار مقام رفيع وعز منيع ولذلك يتمنى كل عاقل وصاحب لب الموت والحشر مع الأبرار: (رَبَّنَا... وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [4]).
- الايات التي تدعوا الى البر وتأمر بالخيرلا وتنهى عن الفجور والعصيان والعدوان (وكلها صفات تتناقض مع البر والخير) مثل قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ[5]) و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ[6])
- الايات التي تشير الى طريق الوصول الى البر ومقام الابرار من خلال بيانها لمعنى البر وتقديم نماذج للأبرار ولعل أشمل آية في هذا المجال هي الاية التي نقوم بتفسيرها. ووفقا للآية الشريفة (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[7]) التي تنتمي الى هذه المجموعة فإن الخطوة الاولى للوصول الى شاطئ البر والخير هو الانفاق مما تحب فمن أراد بلوغ مقام البر لا بد له من بذل ما يحب في سبيل الله سبحانه إلا أن الانفاق لا يقتصر على المال وحسب بل إن هناك ماهو أهم منه وهو الكرامة والعرض وماء الوجه والاعتبار والاهم من ذلك كله هو التضحية بالنفس ولذلك أشارت هذه الاية الشريفة الى السبيل الوحيد للوصول الى مقام الابرار وهو انفاق الانسان لأحب مالديه في سبيل الله تعالى. واستنادا الى آية أخرى تندرج كذلك ضمن هذه المجموعة تعتبر بعض المسائل الاخلاقية في الامور الاجتماعية أرضية مناسبة لبلوغ مقام الابرار. وفي اشارة الى هذا المعنى قال الله سبحانه - كما ذكرنا سابقا – بأن الدخول الى البيوت من ظهورها لا يندرج ضمن البرنامج الاخلاقي الذي ينشده الاسلام: ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[8]) وأشارت العديد من الايات القرآنية الى هذا النوع من المسائل الاخلاقية التي تلعب دورا بارزا في تهذيب الفرد كاستجاب الاستئذان قبل الدخول الى الاماكن الخاصة وقبول عذر الآخرين واعتذارهم والرجوع والعودة بدلا من الاعتراض أو الدخول عنوة على الشخص المراد زيارته أو التقاؤه دون اشعار أو ابلاغ سابق فقد لا تكون لدى الشخص المطلوب فرصة في الوقت الراهن للمقابلة أو اللقاء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ[9]).
وهنا نلاحظ أن هذه المجموعة من الايات تتحدث عن واجب الفرد وتكليفه أمام الله سبحانه وتعالى إذا ما أراد الوصول الى مقام الابرار. وأما البر (أو البر) المذكور بشأن الوالدين: (وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ[10]) فهو بر نسبي لا يشمل سائر أنواع البر الاخرى وهنا ينبغي. الانتباه الى أن بر الولد لوالديه وصحبته الطيبة لهما في الامور الحياتية – وإن كانا مشركين- هو أمر عام وواجب يقع على عاتق كل ولد سواء أكان مسلما أم لم يكن. وبالإضافة الى بيان القرآن الكريم الحكمة النظرية والبحث في كل ماهو موجود وغير موجود فقد أوضح كذلك الحكمة العملية الى جانب الحكمة النظرية وشرح معظم المسائل المتعلقة بالأوامر والنواهي ومن بين الايات القرآنية التي تحدثت عن الشمولية والحكمة النظرية الاية الشريفة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[11]) بالإضافة الى الايات التي تشير الى حقيقة وجود الله سبحانه والقيامة والوحي والرسالة والملائكة والروح وما شابه ذلك. وأما الايات التي تشرح الحكمة العملية وتبين الاوامر والنواهي فهي الايات التي تأمر بتحصيل البر والتقوى أو تنهى عن الاثم والعدوان كقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[12]) وأشار القرآن الكريم الى هذا النوع من البر والتقوى من خلال الاقسام الثلاثة وهي العقائد والأخلاق والأعمال حيث قال سبحانه بأن البر هو عبارة عن الايمان بالله وباليوم الاخر والملائكة والكتب السماوية المنزلة والاعتراف برسالة الانبياء عليهم السلام وأداء الواجبات والتكاليف العبادية والمسؤوليات المالية والاجتماعية والاخلاقية: (الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة