المشكلات الناجمة عن شجار الأطفال تبدأ في الاعلان عن نفسها مبكراً. فما أن يبلغ الطفل عامه الأول حتى يبدأ في منازعة الأطفال الآخرين الألعاب والدمى. فهل يعني ذلك أن الطفل سيكون شريراً، أو عدوانيا في المستقبل؟ بالطبع لا. ولكن سلوكه هذا يفسر عجزه عن إدراك بعض المعاني التي تتعلق بالشخص الآخر أو بالأشياء التي يمكن أن تجرح الآخرين أو تسبب لهم الألم أو الأذى.
وفي الواقع، فإن كل رضيع يعتقد بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا بد من أن يكون محور العالم. لذلك، فهو لا يفهم سبب وجود الدمية الجميلة بين ذراعي صاحبها وليس بين ذراعيه هو. وهكذا، ودون الرجوع الى أي مبدأ، يسارع الصغير بنزع اللعبة منه، والهلاك لمن يتصدى له.
وهذا رد فعل طبيعي جداً فلا تحاولي التدخل صديقتي الأم بقدر الإمكان. فإذا كان المعتدى عليه طفلا طبيعيا، سوف يعرف كيف يسترد ممتلكاته، حتى لو كان ذلك مصحوبا بالصياح والدموع من الجانبين، فإذا وصل الأمر لأبعد من ذلك، وظهرت دلائل العنف، يفضل التدخل للفصل بينهما. واشرحي لكل منهما ما حدث بالضبط، قولي مثلا للمعتدى عليه، أن صديقك كان يريد مشاركتك اللعب لأنه وجده مسليا ولم يكن يعلم أن ذلك سوف يسبب لك الألم. واشرحي للمعتدي، أنه لا يجب انتزاع اشياء الآخرين بالقوة. ولكن لا تحاولي ضربه، أو عضه لتوضحي له مقدار الألم الذي سببه للآخر عندما ضربه أو عضه، ولا تطلبي منه أبداً أن يضع نفسه مكان الآخرين لأنه سوف يظل صغيراً على ذلك طالما أنه لم يكمل العام الثاني من عمره بعد. فإذا قمت بعضه أو ضربه كما فعل بصديقه، فلن يخرج من ذلك سوى بشيء واحد: إنك تقومين بنفس الشيء الذي عنفته من أجله وأنك، بالإضافة الى ذلك، تسببين له الألم.
وعندما يقترب الطفل من العامين، يبدأ في إدراك حقيقة جديدة: أنه ليس وحيداً في هذا العالم، ويتملكه فضول قوي في اكتشاف عالم الآخرين، وهذا الاكتشاف لا يخلو بالطبع من بعض الاحتكاكات مثل، دفع الآخر، أو شده أو قرصه أو شد شعره.. الخ.
في هذه الحالة ايضاً، كلما كان تدخلك اقل، كلما سارت الأمور بشكل أفضل، وعليك أن تحاولي إفهام طفلك أنه توجد طرق أخرى كثيرة للتعرف بالآخرين أفضل من الطريقة التي يتبعها.
ويتخذ الأمر، بعد العام الثالث، ابعاداً أخرى، فكلما كبر الطفل يجب مراقبة هذه السلوكيات خشية تحولها الى سلوكيات عدوانية، فلا يمكن الحكم مثلاً على طفل بأنه عدواني لمجرد أنه يقوم بنشاط مفرط أو أن عدد مشاجراته ليس سوى وسيلة للتخلص من الكبت الجسدي بعد ساعة او ساعتين من الدراسة والالتزام المتواصل.
أما إذا لاحظت أن طفلك يسارع دائماً باستخدام قبضته، فاسألي نفسك عن السبب لأن هذا السلوك قد يكون انعكاساً لقلق معين يشعر به أو مشكلة يعاني منها، وقد يكون ذلك السلوك نتيجة الإكثار من رؤية مظاهر ومشاهد العنف سواء على شاشة التلفزيون أم في الحقيقة، من خلال أبوين سريعي اللجوء لاستخدام العنف.
أما إذا لاحظت أن طفلك يشكو دائما من سخرية اصدقائه منه، فتحدثي اليه، وأطلبي منه شرح الاسباب التي تمنعه من إبداء ردود أفعاله في مواجهة من يحاولون استفزازه أو يسخرون منه وفكري معه في حل يساعد على الخروج من هذا المأزق. ولا تحاولي ابدا التدخل أو الاعتراض بشكل مباشر لأن ذلك سيؤدي الى النيل من قدر الصغير في عيون الآخرين امام نفسه، والى التسليم بعدم قدرته على الإتيان بأي رد فعل في مواجهة استفزاز الآخرين.
إذا تشاجر طفلاك، فدعيهما يتوصلا الى إصلاح هذا الخلاف دون تدخل منك، فالتدخل لن يفيد سوى في سكب المزيد من الزيت على النار وازدياد حدة الخلاف وهذا شيء طبيعي لأن كلا منهما يحاول جذب اهتمامك اليه وحده. بالإضافة الى ذلك، فإن تدخلك يعني أنك تنوين الانحياز إلى أحدهما ما يعرضك لاتهام الآخر لك بالظلم. ايضاً، لا تحاولي معرفة من الذي بدأ، وتجنبي تماماً تعنيف أحدهما وملاطفة الآخر، لأن ذلك يولد الغيرة التي تعيد إشعال نار الخلاف بعد بضع دقائق اخرى.
وإذا بدا طفلاك في استخدام الأيدي والأقدام في شجارهما، فلا تلم إلى الصياح إذا كانا صغيري السن لأن العدوانية تعد - لمن هم دون الثالثة - الوسيلة الطبيعية لصقل الشخصية والعثور على مكان في هذا العالم. لذلك، يفضل أن تحتفظي بهدوئك وتكوني على أهبة الاستعداد - فإذا أصر المعتدي على عدوانه، تحدثي اليه قائلة: (هل تعلم أنك بهذه الحركة كنت ستتسبب في كسر ذراع أختك)، هذا السؤال سوف يجعله يعني مدى عنفه. أما إذا زاد الأمر حدة، وأصبح الشجار لا يُطاق، فضعي كلا منهما في غرفة منفصلة، ويمكنك ايضا تحويل اهتمامهما عن الآخر برمته، كأن تقترحي عليهما مشاهدة شريط فيديو، أو اصطحابهما في نزهة قصيرة.
تأكدي صديقتي بأن شجار الاطفال وسيلة للتواصل الاجتماعي والنشاط المفرط في الفسحة المدرسية وسيلة للتخلص من الكبت، وليس سلوكاً عدوانياً.