مقال لـ ديغراس تایسون نشرته مجلة (The committee for Skeptical Inquirer) سبتمبر 2016 40:5 Vol
لو صادفك شيء لم تتمكن من فهمه، وكان هناك مجموعة من العلماء أيضاً غير قادرين على تفسيره، فهل هذا يعني أن الله قد فعله؟، إذا كنت بهذه الطريقة تحاول دفع دلائلك عن وجود الله، فاسمح لي أن أخبرك الخبر التالي: إن دفتر ملاحظاتك الذي يجمع هذه الدلائل سيصبح أصغر فأصغر يوماً بعد آخر، لأن العلماء يومياً يتوصلون الى تفسير جديد لشيء غير مفهوم سابقاً». Neil deGrasse Tyson
إذا كنت ستنتقي الحقائق العلمية، كي تخدم بها أهدافاً ثقافية، أو سياسية، أو دينية، أو إقتصادية، فتأكد بأنك إنما تسيء للديمقراطية المستنيرة. إن العلم يميز نفسه عن باقي الأغراض والمساعي الإنسانية عبر برهنة قدرته على سبر أغوار الطبيعة، وفهم أدائها، بمستوى يمنحنا القدرة على التنبؤ بمخرجات أحداثها الطبيعية وتفسيرها، هذا إن لم يأخذ ويرتقي بقدرتنا الى التحكم بهذه المخرجات والنواتج.
العلم، يعمل على تحسين صحتنا، وزيادة ثروتنا، وترسيخ أمننا. وهذا متاح اليوم لعدد أكبر من الناس على وجه الكرة الأرضية، بطريقة لم يسبق حدوثها على طول تاريخ الإنسانية.
إن الطرائق العلمية التي تدعم إنجاز هذه الأهداف، يمكن تلخيصها بجملة واحدة والتي تلتزم الموضوعية تماماً: يجب عليك أن تبذل كل جهودك كي تتفادى أن تخدع نفسك وتقنعها بأن شيئاً ما هو حقيقي الوجود بينما هو ليس كذلك، أو إن شيئاً ما هو غير حقيقي بينما هو له وجود حقيقي».
هذه المقاربة للمعرفة لم تتبلور بشكلها الدقيق الى غاية القرن السابع عشر، وفي وقت مقارب لاختراع الأشكال الأولى من المراقيب المقربة المايكروسكوب، والتيليسكوب).
وهذا تقريباً ما اتفقت عليه نصوص غاليليو (Galileo)، وفرانسيس بايكون (Francis Bacon)؛ «نفذ تجاربك كي تختبر فرضياتك الأولية، ثم قارن مناطق الثقة التي وجدتها في اكتشافك وملاحظاتك بالقوة النسبية للأدلة التي لديك. منذ ذلك الحين، تعلّمنا كبشر ألا نقبل بحقيقة أي اكتشاف جديد، أو نظرية علمية جديدة، مالم تجر الأبحاث لإثباتها، على أن تنتهي معظم هذه الأبحاث الى نتائج متوافقة حول نفس الفرضيات التي انطلقت منها .
هذا الأسلوب من التثبت العلمي يحمل تتابعاً مهماً ومتميزاً في مصداقيته. طبعاً لا يوجد قانون يمنعنا من نشر النتائج الخاطئة أو المنحازة، لكن كلفة ونتيجة نشر هذه النتائج ستكون مرتفعة. وإذا حدث وأن نتائج تجربتك قد تم اختبارها من قبل زملائك، ولم تكن النتيجة متطابقة معك، فإن أبحاثك في المستقبل ستكون عرضة للتشكيك، هذا ما أقصده بالكلفة المرتفعة. ولو حدث أنك تسترت مثلاً خلال البحث العلمي عن قراءات وبيانات مغلوطة، وكنت تعرفُ بأنها منتحلة ومزيفة، فإن اكتشافها من قبل الآخرين سينهي عملياً حياتك العلمية. الأمر بهذه البساطة.
هذا النظام الذاتي الضبط ضمن البحث العلمي قد يكون فريداً من نوعه بین التخصصات المهنية الأخرى، وهو لا يتطلب مشاركة من الجمهور، أو مراقبة من الصحافة، أو تدخلاً من السياسيين لجعله عاملاً وفاعلاً. وبالتأكيد ستكون عملية مراقبة هذه الماكنة العلمية العاملة على إنتاج المزيد من الحقائق أمراً غاية في الروعة. فقط راقب تدفق الأبحاث على النشر في المجلات العلمية المحكمة، وستكتشف أنها ساحة حقيقية للمزيد من الاكتشافات، وإنها لا تخلو في بعض الأحيان من فرصة أن تتحول الى ساحة لصراع التناقضات.
إن العلم عادة ما يكتشف الحقائق الموضوعية، وهي حقائق لم يسبق أن أقرتها سلطة معينة عبر القبول بعمل بحثي مفرد ومتفرد. الصحافة على سبيل المثال، يمكن أن تضلل الجمهور خلال محاولتها لاكتشاف قصة خبرية ما تتعلق باكتشاف علمي. ربما عبر اعتماد عنوان خبري مفبرك، أو مبالغ به أو ربما تتعامل مع بحث علمي تم نشره للتو على أنه «حقيقة علمية ثابتة. لكن العلماء في المحصلة لا يتعاملون مع هذه الحقائق الجديدة، مهمها كانت قوّة احتجاجها بمثل تعامل الصحافة، قد يستغرق الوقت سنوات طوال قبل أن نجد أن جمعاً معتبراً من العلماء يتعاملون مع اكتشاف علمي على أنه حقيقة علمية. يمكن ببساطة أن تتوالى البحوث من كل مكان، لكن هذا لا يثبت أي ظاهرة على الاطلاق ما لم يجرِ تجريبها فعلياً وعلى نطاق واسع، عندها فقط يمكن أن تتحول الى حقيقة.
وحالما يحدث أن يتم إثبات الحقيقة الموضوعية للموضوع العلمي عبر هذه الطرق، بعدها لن تتعرض الى أن يشكك بها ليعاد التعامل معها مرة أخرى على أنها خارج حقل الحقيقة.
وعلى سبيل المثال، لم يحدث أن استمع مجتمع العلماء بجدية الى الأطروحات التي تنفي كروية الأرض، بعد أن جرى إثباتها بمختلف الوسائل والنظريات كل العلوم تعاضدت لتنتج لنا هذه الحقيقة.
لم يحدث أن جرى التشكيك بأن الشمس هي جسم ساخن للغاية، أو أن البشر والشمبانزي يتشاطرون 98% من مكونات الـ (DNA)، أو أن الهواء يحمل نسبة 78 % من النايتروجين. لقد بدأ . عصر الفيزياء الحديثة» مع بزوغ الثورة الكمّية (الكوانتم) في بدايات القرن العشرين، وكذلك مع الثورة التي أثارتها النظرية النسبية في وقت مواز تقريباً. لكن هذه الحركات العلمية الجريئة لم تنبذ قوانين نيوتن التي سبقتها في الحركة والجاذبية.
وبدلاً من ذلك، أغدقت في وصف أكثر عمقاً وأكثر واقعية للطبيعة، ويمكن أن ينظر إليه ويجري التثبت منه عبر عدد أكبر من الطرق والأدوات. لقد تعاطت الفيزياء الحديثة مع الفيزياء الكلاسيكية على أنها حالة ظرفية من الحقيقة (جزء أصغر من مشهد أكبر). ولهذا، فالوقت الوحيد الذي يمكن للعلم أن يمتنع عن تأكيد الحقائق، هو خلال الفترات ما قبل الإجماع العلمي على ثبوت الحقيقة العلمية.
وقد مضى الوقت الذي كان فيه العلماء يختصمون الى معايير مختلفة، مع انقضاء القرن السابع عشر حين كانت حواس الانسان هي الوسيلة المتوافرة لمعايرة الأدلة واختبارها لا غير.
وقد تتواجد الحقائق العلمية الموضوعية خارج نطاق التصوّرات المجردة، مثل؛ قيمة الثابت الرياضي (π)، أو قيمة معادلة آينشتاين للقوة الحركية ( E = mc2 ) أو معدل دوران الأرض، أو أن غازي ثاني أوكسيد الكاربون والميثان يشكلان غازات مسببة لظاهرة الدفيئة (الاحتباس الحراري). هذه التعبيرات العلمية، يمكن تأكيدها من قبل طيف واسع من الناس، وبأي وسيلة متاحة وفي أي وقت. وهي صحيحة وحقيقية سواء اعتقدتم بصحتها أم لا.
وتقابلها في نفس الوقت ما يمكن أن أسميه بالحقائق الشخصية، التي قد تعتز بامتلاكها لكن لا وسيلة متاحة للجميع كي يثبتوها للجميع. هذه الحقائق، لا سبيل الى إثباتها سوى عبر إثارة الجدل حولها. ولا سبيل الى إقناع الناس بها سوى بالقوة، أو بالإيمان الشخصي. أسئلة من قبيل؛ هل إن يسوع المسيح سيخلصنا؟، هل إن محمدا هو آخر رسل الله الى الأرض؟ هل يجب أن تدعم الحكومة الفقراء وتعيلهم؟
إن الإختلافات في الآراء تعكس الفوارق الثقافية للأمم، وهي أمر يجب أن يراعى في أي مجتمع لا يتوجب على الفرد مثلاً أن يُحب زواج المثليين، وهو ليس مجبراً بالتأكيد على حمل مثل هذه المشاعر، ولن يجبرك أحد على أن تتزوج من مثليي الجنس. لكن لو سعيت من أجل وضع قانون يمنع مواطنيك من إتيان مثل هذا الزواج، فهذا يعني أنك تفرض حقيقتك الشخصية على حقائق الآخرين. هنا تتحول المحاولات السياسية الى مرحلة من فرض القناعات والتصورات التي تتعلق بالحقائق الشخصية على الآخرين ودفعهم الى تبنيها. وهي بذلك ستصبح في حقيقتها نوعاً واضحاً من الدكتاتورية.
الأمر مع العلم يختلف في ترتيبه، لأن التطابق في الآراء يعني أنك تقطع شوطاً آخر باتجاه النجاح. النجاح يُعرف هنا على أنه تثبيت لحقيقة علمية جديدة. أما الإتهامات المستمرة لمعشر العلماء بأنهم يحاولون دائماً أن يتطابقوا في آرائهم، فهي اتهامات مضحكة، لأن جوهر عملهم العلمي والبحثي هو أن تتطابق الطرق المختلفة في استنتاج نتيجة واحدة، وهذا ما يسمى (إختبار النتائج)، وهو أمر يختلف كلياً عن محاولة التطابق في الآراء حول قضية من قضايا الحقائق «الشخصية». بالنسبة للعلماء، فإن أهم عمل قد يؤديه عالم خلال حياته العلمية، هي أن يفترض مسألة تتخالف مع الأفكار السائدة عن قضية علمية ما، ثم يتعرض لاعتراضات علمية ثم تثبت الأبحاث اللاحقة صحة ما ذهب إليه في افتراضه أو ملاحظاته الأولى، هذا هو الاختلاف الصحي، والذي يثمر على طريق البحث العلمي بينما تستمر الأبحاث الأخرى في البحث عن حقائق جديدة في عام 1863 ، أمضى إبراهام لينكولن قراراً بتأسيس الأكاديمية الوطنية للعلوم)، بناء على مقترح من الكونغرس لينكولن كان أول رئيس جمهوري، وكانت تلك السنة قد شهدت الكثير من منجزاته وكتاباته. وتكفلت هذه المؤسسة المهيبة في ما بعد بإصدار التوصيات المستقلة عن التأثير السياسي الموضوعية من جانبها العلمي، للأمة في ما يتعلق بالجوانب العلمية والتكنولوجية. اليوم، هناك وكالات حكومية أخرى تخدم أغراضاً مشابهة، بما في ذلك مؤسسة (ناسا NASA)، التي تجتهد في وضع معايير علمية تتبعها كل المعايير القياسية الأخرى. وهناك وزارة الطاقة (DOE)، التي تضع المعايير العلمية لأي نوع من الطاقة القابلة للاستخدام. وهناك (الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA) التي تتكفل بكل جهدها لترصين البحوث والمعلومات المتعلقة بالجو على سطح الأرض. وهناك مراكز ومؤسسات كثيرة غير هذه .
هذه المراكز البحثية والعلمية، فضلاً عن كونها نافذة لنشر البحوث الموثوقة وتقييمها، فإن بإمكانها أن تقدم الدعم للسياسة وأصحاب القرار على طريق الحكم العلمي الرشيد. لكن هذا لن يحدث ما لم يتجه المسؤولون الى تقدير أهمية العلم، وقبلها يتجه الناس الذين يدلون بأصواتهم لهؤلاء السياسيين الى فهم كيفية عمل الحقائق العلمية، ولماذا تعمل.