0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

حق الإنسان في الحياة

المؤلف:  محمد حسن صلاح مهدي الجواهر

المصدر:  جريمة القتل العمد والظروف المشددة فيها

الجزء والصفحة:  ص 25-35

2026-06-24

38

+

-

20

أن حق الإنسان في الحياة من الحقوق الأساسية التي حظيت باهتمام كبير على الصعيدين الدولي والوطني، إذ جاء في المادة (3) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه ". وهو ما يشكل أساساً دولياً راسخاً لتعريف حق الإنسان في الحياة وترسيخ حمايته.
وبالانتقال إلى التشريعات الوطنية محل المقارنة، فقد جاء في المادة (15) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، التأكيد على ذلك الحق ، بنصها أن " لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقا للقانون. وبناءً على قرار صادر من جهة قضائية مختصة." مما يعكس حرص المشرع العراقي على توفير ضمانات قانونية وقضائية لحماية هذا الحق.
كما نصت المادة (59) من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014 ، على ان " الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها، ولكل مقيم على أراضيها " وهو ما يؤكد على توجه المشرع المصري الى حماية هذا الحق من خلال ضمان مقومات الأمن والاستقرار اللازم لصونه. اما في فرنسا، فلم يرد في دستور الجمهورية الفرنسية الصادر في 4 أكتوبر 1958، نص صريح خاص بالحق في الحياة، غير أن ذلك لا يعني عدم حماية هذا الحق، حيث أن حمايته الدستورية تستفاد . من النصوص ذات القيمة الدستورية التي تكون الكتلة الدستورية (1) ، ولا سيما من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1989 وديباجة دستور 27 أكتوبر 1946.
وعلى صعيد التشريعات الجنائية للدول محل المقارنة ، لكل من العراق، مصر، وفرنسا، يتبين لنا أنها قد أولت اهتماما خاصاً لتجريم الأفعال التي تمس حق الإنسان في الحياة، وذلك من خلال تنظيم جريمة القتل العمد وبيان صورها وتشديد العقوبة اذا ما اقترنت الجريمة بظروف معينة قد تطرأ عليها.
فقد نصت المادة (405) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 على أن " من قتل نفسًا عمدًا يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت " ويعني ذلك أن جريمة القتل لا تقع إلا على إنسان، أي أن يكون المجني عليه إنساناً، فهي لا تقع على حيوان، وقد عاقب قانون العقوبات العراقي على قتل الحيوان في المادتين (483 - 484).
بينما نصت المادة (230) من قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 المعدل بالقانون رقم (95) لسنة 2003 على أن "كل من قتل نفسا عمدا مع سبق الإصرار على ذلك أو الترصد يعاقب بالإعدام " فالمشرع المصري أخرج بذلك الحيوان، إذ يعد قتله جريمة قائمة بذاتها وقد نصد على ذلك في المواد ( 355 357، 380)، كما أخرج الجنين قبل ولادته، فإن قتله يكون جريمة قائمة بذاتها هي جريمة الإسقاط وقد عالجها في المواد (260-24) من قانون العقوبات المصري، وخرج بداهة الإنسان الميت، ولو جهل الجاني موته.
كذلك نصت المادة (1221) من قانون العقوبات الفرنسي على أن " إزهاق روح شخص آخر عمدا يشكل جريمة قتل.." ويذهب قضاء المحاكم الفرنسية إلى التبرئة في جرائم قتل الأطفال عقب ولادتهم إذا ثبت أن الجنين كان ميتا في بطن أمه، أما إذا لم يثبت ذلك فإن الأمر يقتضي الإدانة، سواء تبين أنه تنفس عقب الولادة أم لم يتبين ذلك (2) .
مما يتبين لنا من النصوص القانونية آنفة الذكر، مدى اهتمام التشريعيات الجنائية على حماية حق الإنسان بالحياة لما لهذا الحق من أهمية كبيرة . وتشترك التشريعات الجنائية محل المقارنة في اعتبار "قصد إزهاق الروح" هو المعيار الجوهري للفصل بين القتل العمد وغيره من جرائم الاعتداء على السلامة البدنية.
أن جريمة القتل العمد تقع على حق الإنسان في الحياة، لذلك فإن محل الاعتداء في هذه الجريمة هو الإنسان الحي، أي يجب أن يكون المجني عليه على قيد الحياة وقت ارتكاب فعل القتل، ولم يحدد قانون العقوبات اللحظة التي يعد فيها الجنين ،مولودًا، مع أن تحديد هذه اللحظة يؤدي إلى اختلاف في الأحكام الخاصة بالحماية الجنائية، فإذا كان لا يزال جنينًا خضع للحماية الخاصة بالإجهاض، بمعنى أن المشرع يحمي الجنين بالنصوص التي تعاقب على الإجهاض، في حين يحمي الإنسان بعد ولادته بالنصوص التي تعاقب على القتل والجرح والضرب والإيذاء.
لكن القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 بين معيار وجود الإنسان، وذلك في المادة (34) التي نصت على أن " تبدأ شخصية الإنسان بتمام ولادته حيًا وتنتهي بموته ، ووفقًا لهذا النص يعد الإنسان موجودا بتمام ولادته حيًا إلى حين وفاته.
إن الحق في الحياة يختلف إذا كان الإنسان جنينًا عما إذا كان مستقلاً عن جسم أمه، فحياة الجنين حياة مستقبلية احتمالية في حين أن حياة الإنسان المولود حيًا تعد حياة يقينية، وبالتالي يحميها المشرع بنصوص القتل والجرح والإيذاء.
ولذلك يتضح أن هناك تفاوتاً بين الحقين من حيث القيمة القانونية ومدى جدارة كل منهما بالحماية الجنائية، فالحياة الحالية أكثر أهمية في نظر القانون من الحياة المستقبلية، ولذلك في حالة قيام تنازع بينهما، وتطبيقا لمبدأ جواز التضحية بالحق ذي القيمة الأقل إنقاذا للحق ذي القيمة الأكبر، يمكن، بل يجب التضحية بالأول دون الآخر، أي بالحق ذي القيمة الأقل. فلا تقوم المسؤولية الجنائية عن التضحية بحياة الجنين إنقاذا لحياة الأم الحامل، بل وإنقاذاً لصحتها (3) . ولما كان تحديد اللحظة التي تبدأ عندها الحياة الإنسانية الذي يحدد نطاق الحماية الجنائية الواجبة التطبيق كان من اللازم بيان بداية حياة الإنسان ونهايتها، وهذا ما سنتناوله تباعا في البنود التالية. أولا: بداية حياة الإنسان أن تحديد بداية الحياة الإنسانية هو السبيل إلى تكييف أفعال الاعتداء على الحياة بأنها تحقق جريمة القتل أو جريمة الإجهاض، ولهذا التكييف أهمية بالغة من الناحية القانونية، ذلك أن القانون يعاقب على قتل الإنسان بعقوبة أشد من عقوبة قتل الجنين، كما أنه يعاقب على قتل الإنسان الحي عمدا كان أم غير عمد، بينما لا يعاقب على الإجهاض إلا إذا كان عمدًا.
ويعاقب قانون العقوبات المصري على الشروع في القتل العمد، في حين أنه لا يعاقب على الشروع في الإجهاض، وهذا ما يتضح من نص المادة (264) عقوبات مصري " لا يعاقب على الشروع في الإسقاط". بينما لم يتجه المشرع العراقي إلى ذات المنحى ، فيمكن القول أن المشرع العراقي يعاقب على الشروع في الإجهاض من حيث الأصل، بالاستناد إلى نص المادة (31) من قانون العقوبات، بنصها " يعاقب على الشروع في الجنايات والجنح بالعقوبات التالية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك :
أ – السجن المؤبد اذا كانت العقوبة المقررة للجريمة الاعدام.
ب – السجن لمدة لا تزيد على خمس عشرة سنة اذا كانت العقوبة المقررة للجريمة السجن المؤبد.
ج - السجن مدة لا تزيد على نصف الحد الاقصى للعقوبة المقررة للجريمة اذا كانت العقوبة السجن المؤقت. فاذا كان نصف الحد الاقصى خمس سنوات او اقل فتكون العقوبة عندئذ الحبس لمدة لا تزيد على نصف مدة الحد الاقصى للعقوبة المقررة للجريمة.
د – الحبس او الغرامة التي لا تزيد على نصف الحد الاقصى لعقوبة الحبس او الغرامة المقررة للجريمة اذا كانت العقوبة المقررة للجريمة الحبس او الغرامة." مما يتبين من نص المادة أنها ذكرت " يعاقب على الشروع في الجنايات والجنح بالعقوبات التالية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك..." ثم بينت مقدار العقوبة بحسب نوع الجريمة والرجوع إلى مواد الإجهاض في القانون نفسه في المواد (417 - 418 - 419)، نجد أنها جرمت الإجهاض وصوره المختلفة من غير أن تتضمن نصاً خاصاً يستعبد الشروع (4) ، ومن ثم يبقى الشروع في الإجهاض العمدي خاضعًا للقواعد العامة في الشروع بخلاف بعض التشريعات التي تستبعده بنص . ومنها التشريع المصري.
أن قانون العقوبات العراقي، كذلك التشريعات محل المقارنة والمتمثلة بقانون العقوبات المصري وقانون العقوبات الفرنسي لم تبين في نصوصها بداية حياة الإنسان. وبالعودة إلى ما ذكرناه أنفاً، فقد تناول القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 في الفقرة الأولى من المادة (34) ذلك بنصها على " تبدأ شخصية بتمام ولادته حياً وتنتهي بموته ، وهكذا فقد قررت هذه المادة معياراً لوجود الإنسان، اذ حصرته بين حدين، تمام ولادته حياً وموته ولا يعد موجوداً خارج هذين الحدين. وعلى ضوء ما جاء في الفقرة الأولى من المادة أنفة الذكر، يتضح أن إطار الحماية الجنائية يرتبط ارتباطاً مباشراً بوجود الشخص باعتباره مركزاً قانونياً للمصلحة المحمية، إذ إن هذا الإطار لا ينشأ إلا عندما ينشأ المركز القانوني نفسه، وهو ما حدده المشرع المدني بتحديد بداية شخصية الإنسان بتمام ولادته حياً، ونهايتها بالموت، وبذلك فإن القانون الجنائي، عند حماية الحق في الحياة، يتقيد بهذا التحديد المدني.
وبالانتقال إلى الفقه ، فقد تعددت الآراء حول بداية الحياة العادية للإنسان، فيذهب رأي إلى أن " الحياة العادية للإنسان تبدأ ببداية عملية الولادة لا بانتهائها أو بلحظة متوسطة بين بدايتها ونهايتها، ذلك أن هذه هي التي يصبح عندها الجنين صالحا للحياة خارج جسم ،أمه، وقابلا للتأثير الخارجي" (5). ويذهب مؤيدو هذا الرأي إلى أن الحياة العادية تبدأ منذ بداية عملية الولادة فعلاً، وبذلك إذا أخطأ الطبيب في عملية الولادة خطأ أدى إلى وفاة المولود فإنه يسأل عن جريمة قتل خطأ، بينما إذا اعتبرنا الإنسان لا يزال جنينًا في هذا الوقت فلا مسؤولية على الطبيب، لأن جريمة الإجهاض جريمة عمدية ولا يمكن أن تقوم بخطأ غير عمدي. وإذا بدأت الحياة العادية للإنسان ببداية الولادة، فمن باب أولى بانتهاء عملية الولادة، فإن المولود يصبح محلاً للحماية وفقا للنصوص الخاصة بالقتل والجرح والإيذاء مهما كان جنسه ذكرًا أم أنثى، كما لا عبرة بسن المجني عليه أو مستواه الاجتماعي، فالقانون يحمي حق الإنسان في الحياة سواء كان متعلما أم جاهلا، غنيا أم فقيرا، وطنيًا أم أجنبيًا، مفيدًا للمجتمع أم عنصرًا ضارًا، فيبقى حق الإنسان مصوناً حتى وإن كان المجني عليه مجرما خطيرا ، وحتى إذا كان محكوما عليه بالإعدام، إذ إن تنفيذ هذا الحكم يجب أن يتم وفقًا لأحكام القانون (6) .
بينما يذهب رأي آخر إلى أن الإنسان يمكن أن يكون محلاً لجريمة القتل منذ أن تكون عملية الوضع قد أشرفت على نهايتها، فلا يشترط أن تكون الولادة قد تمت فعلاً(7) . كما ذهب فريق من الفقهاء إلى القول بأن حياة الطفل تبدأ متى خرج حيًا وبكامله من بطن أمه، بصرف النظر عن كونه قد تنفس أم لم يتنفس وبصرف النظر عن كون الحبل السري قد قطع أم لا، وعلى ذلك فإن الاعتداء على هذا الطفل منذ تلك اللحظة بقصد قتله يكون جريمة قتل لإنسان حي، أما إذا وقع الاعتداء عليه وهو ما يزال في بطن أمه فإنه لا يعد جريمة قتل، وإنما يعد جريمة إجهاض متى توافرت أركانها. في حين ذهب فريق آخر من الفقهاء إلى القول بأن حياة الطفل تبدأ من إحساس أمه بآلام الوضع الطبيعي، ومنذ تلك اللحظة فإن أي اعتداء عليه بقصد قتله يكون جريمة قتل الإنسان حي، ولذلك فلا يشترط أن يكون الطفل قد خرج من بطن أمه (8).
وعند تحديد بداية الحياة ينبغي عدم إهدار الحماية التي تجب للطفل أثناء عملية الولادة من الأفعال التي تمس حياته أو سلامة ،بدنه، لا سيما حين تستغرق عملية الولادة وقتا قد يطول بالنسبة للولادة المتعسرة، لذلك لا يؤيد الرأي الذي يحدد بداية حياة الإنسان بلحظة خروج المولود حيًا من جسم أمه وانفصاله عنها، ولو لم تمض على انفصاله غير لحظات قليلة (9) . فهذا الرأي، رغم بساطته العملية الواضحة، لا يحقق أي حماية للطفل أثناء عملية الولادة إزاء الأفعال التي تمس حياته أو سلامة بدنه، ذلك أن الأخذ بهذا الرأي يؤدي إلى عدم مساءلة الطبيب الذي ولد الأم عن الخطأ الجسيم الذي أدى إلى وفاة الطفل أثناء عملية الولادة، وقبل خروج الجنين من رحم أمه، إذ لا يمكن اعتبار ذلك إجهاضا لانعدام قصد الإجهاض، كما لا يمكن اعتباره قتلا عمدا، طالما لم نعترف للجنين قبل خروجه حيًا من رحم أمه بصفة الإنسان الحي الذي يمكن أن يكون محلاً للاعتداء على الحياة المحقق لجريمة القتل.
والذي نؤيده نحن، هو ما رجحه الفقه من اعتبار أن الحياة العادية للإنسان تبدأ ببداية عملية الولادة لا بانتهائها، ووفقا لهذا المنحى لا يشترط لبداية الحياة أن ينفصل الطفل عن بطن أمه بخروجه كليا من الرحم، وإنما تبدأ حياة الطفل منذ بداية عملية الولادة، أي منذ إحساس الأم الحامل بآلام الوضع التي تنتهي بخروج المولود إلى خارج جسمها. ويترتب على ذلك أنه منذ بداية آلام الوضع يصبح الكائن الحي خارج نطاق جريمة الإجهاض، ليدخل في حماية النصوص التي تعاقب على جريمة القتل أو الإيذاء أو غيرها من أفعال الاعتداء على سلامة الجسم.
ثانيًا: نهاية حياة الإنسان
تنتهي حياة الإنسان بالموت حين ما يلفظ انفاسه الاخيرة ويفرق رجال الطب بين "موت الفرد" و "موت الأنسجة والخلايا". ويقصد بموت الفرد توقف أجهزة الحياة لديه عن أداء وظائفها توقفا تاما وأبديًا، وأهمها توقف الجهاز العصبي والدموي والتنفسي عن العمل. أما موت الأنسجة فلا يتحقق في ذات اللحظة التي تتوقف فيها أجهزة الجسم، وإنما يتراخى إلى ما بعد موت الفرد، بل قد تفصل بينهما ساعات أو أيام ، ويقرر الأطباء أنه في بعض الحالات النادرة قد تتوقف أجهزة الحياة عن العمل لفترة مؤقتة ثم تعود بعدها إلى العمل تلقائيًا أو عن طريق تدخل طبي ، ويطلقون على الموت في هذه الحالة " الموت الكاذب (10) "
أما انتهاء الحياة ، فإنها تنتهي وفقًا للمعيار الطبي التقليدي متى توقفت أجهزة الجسم عن مباشرة أعمالها تماما، وبخاصة جهاز القلب وجهاز التنفس، ويسمى هذا بالموت الإكلينيكي أو العضوي (11) . أما وفقًا للمعيار الطبي الحديث فإن الحياة تنتهي بتوقف جهاز المخ عن مباشرة وظائفه توقفا تامًا، بما يسمى بالموت الكامل أو الموت الحقيقي (12).
وتنتهي الحياة نهاية طبيعية بالموت، أي بتوقف القلب والجهاز التنفسي عن مباشرة وظائفهما توقفا تاما ودائما، وحتى يلفظ الإنسان نفسه الأخير يظل جديرًا بحماية القانون ولو كان مصابا بمرض لا علاج له ومن شأنه أن يقود الإنسان حتمًا إلى الموت ولو بعد وقت قليل، فكل فعل يكون من شأنه أن يعجل بإنهاء حياة الإنسان ولو للحظة يسيرة يعد قتلا في مفهوم القانون، ولو تم هذا الفعل برضاء المريض أو بناء على طلبه.
وتطبيقا لذلك يرتكب قتلا الطبيب إذا أعطى مريضه الذي يعاني من مرض سينتهي به حتما إلى الوفاة جرعة من السم تخليصا له من آلام المرض وأوجاعه، فرغم أن هذا الفعل يندفع إليه الطبيب بدافع الإشفاق على المريض مما يعانيه، وقد يطلبه المريض أو أهله (13) ، إلا أن ذلك لا ينفي أن فعل الطبيب يعد اعتداء على حياة إنسانية لم تنته بعد نهاية طبيعية. لكن لا يرتكب قتلا الطبيب الذي يعطي مخدرًا يغيب عن الوعي مريضا في حالة الاحتضار، تخفيفًا لآلام الاحتضار حتى يموت موتاً طبيعيًا، لأن فعل الطبيب لم يبتسر حياة المريض، إذ لم يكن من شأنه التعجيل بوفاته. وبانتهاء الحياة تنعدم صلاحية الإنسان لأن يكون محلاً لجريمة القتل (14) .
ويقصد بالقتل الرحيم بأنه القتل بقصد تخليص المريض من آلام قاسية ومرض عضال لا يرجى شفاؤه، أو إذا كان مشوه الخلقة أو ناقصها (15).
وقد نادي الفيلسوف اليوناني ،أفلاطون، والألماني نيتشة والإنجليزي بيكون وتوماس مور، بشرعية القتل رحمة أو شفقة، لما فيه من الحفاظ على مجتمع صحيح البنية سليم الصحة وأن في الخلاص من هؤلاء راحة لهم من الآلام التي يقاسونها فضلا عن أن هذه الفئة تشكل نوعا من الطفيليات الضارة للمجتمع، واعتنق هذا الرأي أنصار المذهب البروتستانتي. إلا أن الديانة المسيحية والدين الإسلامي والقيم الأخلاقية والاجتماعية تأبى اعتبار هذا النوع من القتل مشروعًا، بل تؤثم فاعله وترصد له جزاء دينيًا ودنيويا (16).
أما من الناحية القانونية، فإن المعول عليه في جريمة القتل هو الإنسان الحي أيا كانت الصورة التي عليها حياته، حتى لو كان مريضا مرضا ميؤوساً من شفائه، أو وليدًا مشوها أو ناقص الخلقة. فطالما أن حياة هؤلاء ثابتة بيقين، فإن الاعتداء عليها يخضع لأحكام القتل أيا كان الباعث وراءه، فلا أثر للبواعث على قيام جريمة القتل (17) ، فحكم القانون في تحريم القتل صارم إلى حد لا يسوغ معه الاعتداء على الحياة، مطلق الحياة. ومع ذلك فقد نصت بعض التشريعات على تخفيض عقوبة القتل بدافع الشفقة، نظرًا لأن مرتكب هذه الجريمة لا يمكن اعتباره مجرمًا عاديًا تتأصل في نفسه النزعة الإجرامية، بل هو إنسان يمتلئ قلبه بالشفقة والرحمة، وتنطوي نفسيته على عاطفة نبيلة ودافع شريف، فهو لم يرد القتل لذاته أو لإشباع شهوة الانتقام، بل أراد إنقاذ المجني عليه من آلام لا تطاق (18) ومن هذه التشريعات المادة (579) من القانون الإيطالي لسنة 1931، والمادة (538) من القانون السويسري، والمادة (552) من القانون اللبناني.
ثالثا : فعل الاعتداء على الحق في الحياة
إن جريمة القتل يجب أن تقع على إنسان حي، على قيد الحياة، أي إن المجني عليه في جريمة القتل هو دائما الإنسان الحي، وتوافر حياة هذا الإنسان وقت ارتكاب الجاني فعل القتل أمر لازم. فإذا أطلق شخص النار على آخر وتبين أن الأخير كان قد فارق الحياة قبل إطلاق النار عليه، فلا يسأل الفاعل عن جريمة قتل عمد ولا عن شروع فيها، وذلك لفقدان هذا الركن من أركان جريمة القتل العمد، وهو أن يكون محلها إنسانا على قيد الحياة (19) .
وعلى هذا، فإن وقوع فعل القتل على جثة لإنسان قد فارق الحياة لا تقوم به جريمة القتل التامة، لانعدام محل القتل، وهو الإنسان الحي، ولكن التساؤل يثور هنا حول إمكانية اعتبار هذا الفعل مكونا لجريمة شروع في قتل، والإجابة عن هذا السؤال ترتبط بمشكلة العقاب على الجريمة المستحيلة.
وقد تعددت آراء الفقهاء في شأن هذه الجريمة بين المذهب المادي والمذهب الشخصي والمذاهب الوسيطة، فأنصار المذهب المادي يرون عدم العقاب على الجريمة المستحيلة، لأن الشروع المعاقب عليه يفترض البدء في التنفيذ، وإذا كان يستحيل تنفيذ الجريمة فكيف يتصور أن يبدأ الإنسان في تنفيذ المستحيل؟ يضاف إلى ذلك أن المشرع عندما يجرم أفعالا معينة إنما ينظر إلى ما يترتب عليها من ضرر أو خطر يصيب مصالح وحقوقاً على درجة من الأهمية، والجريمة المستحيلة لا يتوافر فيها هذا الضرر أو الخطر على الحق المراد الاعتداء عليه، لاستحالة تنفيذ الجريمة أصلا.
وتطبيقا لذلك فإن فعل الاعتداء "القتل" الواقع على ميت لا يعتبر شروعًا في جريمة القتل العمد، لاستحالة تنفيذ مثل هذه الجريمة بسبب تخلف المحل، وهو الإنسان الحي. وقد أخذ على هذا الرأي أنه يضيق نطاق العقاب على أفعال خطرة تحدد مصالح اجتماعية جديرة بالحماية، فضلا عن أن الشروع المعاقب عليه لا يتطلب أن يكون الجاني قد بدأ فعلا في تنفيذ الركن المادي للجريمة، بل يتحقق بكل فعل يؤدي مباشرة إلى اقترافها دون اعتداد بكون التنفيذ مستحيلا أم ممكنا (20). ولهذا ذهب أنصار المذهب الشخصي إلى العقاب على الجريمة المستحيلة بصفة مطلقة، وسندهم في ذلك أن العقاب على الشروع لا يعتد فيه بالنتيجة الإجرامية، وإنما المعول عليه هو النية الإجرامية التي تتجه إلى تحقيق تلك الجريمة، وأي فعل يكشف عن هذه النية وعن خطورة فاعله يكفي للعقاب عليه دون تفرقة بين ما إذا كان إتمام الجريمة ممكنا أم مستحيلا. وفي الجريمة المستحيلة يحقق الجاني كل النشاط الإجرامي الذي يكشف عن نية إجرامية قاطعة وعزم أكيد على تنفيذ الجريمة (21).
ولا يعني انتفاء قيام جريمة القتل عند وقوع الفعل على ميت أن المشرع قد يترك هذا السلوك من دون تحريم، وإنما يسبغ عليه وصفاً قانونياً آخر يتفق مع طبيعة المحل المعتدى عليه بعد زوال الحياة. لذلك أفرد قانون العقوبات العراقي نصوصاً خاصة لحماية حرمة الأموات، فنصت المادة (373) على أن " يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تزيد على مائتي دينار او باحدى هاتين العقوبتين من انتهك او دنس حرمة قبر او مقبرة او نصب لميت او هدم او اتلف او شوه عمدا شيئا من ذلك. " كما نصت المادة (374) على أن " يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تزيد على مائتي دينار وباحدى هاتين العقوبتين من انتهك عمدا حرمة جثة او جزء منها او رفات ادمية او حسر عنها الكفن. واذا وقع الفعل انتقاما من الميت او تشهيرا به فتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات." وبذلك يتضح الفعل الواقع على الميت لا يدخل في نطاق القتل لانتفاء محل الجريمة الا وهو الإنسان الحي، إلا انه قد ينهض جريمة مستقلة تمس حرمة الجثة او القبر او الرفات، بحسب الأحوال.
__________
1- الكتلة الدستورية؛ هي مجموعة النصوص ذات القيمة الدستورية التي يعتمدها المجلس الدستوري الفرنسي مرجعاً للرقابة على دستورية القوانين.
2- د. رؤوف عبيد، جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، دار الفكر العربي، ط8، 1985، ص 46.
3- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ص 131
4- المادة (417) " 1 - يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على مائة دينار او بأحدى هاتين العقوبتين كل امرأة اجهض نفسها بأية وسيلة كانت او مكنت غيرها من ذلك برضاها.
2- ويعاقب بالعقوبة ذاتها من اجهضها عمدا برضاها واذا أفضى الاجهاض او الوسيلة التي استعملت في احداثه ولو لم يتم الاجهاض الى موت المجنى عليها فتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات.
3 - ويعد ظرفا مشددا للجاني اذا كان طبيبا او صيدليا او كيميائيا او قابلة او احد معاونيهم.
4- ويعد ظرفا قضائيا مخففا اجهاض المراة نفسها اتقاء للعار اذا كانت قد حملت سفاحا وكذلك الامر في هذه الحالة بالنسبة لمن اجهضها من اقربائها الى الدرجة الثانية.
المادة (418)" 1- يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين من اجهض عمداً امرأة بدون رضاها.
2- تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس عشرة سنة اذا افضى الاجهاض او الوسيلة التي استعملت في احداثه ولو لم يتم الاجهاض الى موت المجني عليها.
3- وبعد ظرفاً مشدداً للجاني اذا كان طبيباً او صيدلانياً او كيميائيا او قابلة او احد معاونيها. وعلى المحكمة ان نامر بمنعه من مزاولة مهنته او عمله مدة لا تزيد على ثلاث سنوات."
المادة ( 419) مع عدم الاخلال بأية عقوبة اشد ينص عليها القانون يعاقب بالحبس من اعتدى عمدا على امرأة حبلى مع . علمه يحملها بالضرب او بالجرح او بالعنف او بإعطاء مادة ضارة او ارتكاب فعل آخر مخالف للقانون دون ان يقصد اجهاضها وتسبب عن ذلك اجهاضها. "، قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
5- د. محمود نجيب حسني شرح قانون العقوبات - القسم الخاص جرائم الاعتداء على الأشخاص، دار النهضة، 1978، ص 11.
6- د. ماهر عبد شويش الدرة ، شرح قانون العقوبات القسم الخاص ، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة ، د.ت ، ص 132.
7- د. عبد الستار الجميلي، جرائم الدم، الجرائم الواقعة على الأشخاص في قانون العقوبات العراقي، الجزء الأول، بغداد، د. ت ، ص 35.
8- د . سامح السيد جاد ، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الاشخاص والاموال ، القاهرة ، 2005 ص 9.
9- د. فتوح عبدالله الشاذلي، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، دار المطبوعات الجامعية، 1996، ص 470 .
10- د. علي عبد القادر القهوجي، قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الإنسان والمال منشورات الحلبي الحقوقية، د. ت، ص 30
11- د. حسنين إبراهيم صالح عبيد جرائم الاعتداء على الاشخاص، دار النهضة العربية، القاهرة ، 1973 ، ص 15.
12- سامح السيد جاد ، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص - جرائم الاعتداء على الاشخاص والاموال ، القاهرة ، 2005 ص 10.
13- هذا ما يطلق عليه القتل بدافع الشفقة أو القتل إشفاقاً، ويقصد به وضع نهاية الحياة المريض - بناءً على طلبه – لتخليصه من الأم يعاني منها بسبب مرض سوف يؤدي إلى وفاته في وقت قريب ويثير القتل إشفاقاً مشكلة رضاء المجني عليه والقيمة القانونية لهذا الرضاء بالقتل . وهذا الأمر محل جدل فقهي كبير ، وإن كان الراجع هو رفض إباحة القتل إشفاقاً ، لأنه يشل كل تقدم علمي ، ولأن عدم قابلية المرض للشفاء بعد من الأمور صعبة الاثبات ، لاسيما في العصر الحديث مع تقدم الطب وتوصله إلى علاج كثير من الأمراض التي لم يكن لها علاج من قبل أو على الأقل التخفيف من آلام من يعانون منها، ولأن قرار المريض الذي يطلب به إنهاء حياته لا يكون في الغالب صادراً عن وعي وإدراك . ومع ذلك تخفف بعض القوانين الأجنبية. من عقاب القتل إشفاقا إذا تم بناء على طلب المجي عليه مثال ذلك المادة 579 من قانون العقوبات الإيطالي) . كما أن نظام الظروف القضائية المخففة يسمح - عند عدم وجود النص - بمراعاة الباعث الشريف الذي دفع المتهم إلى ارتكاب جرمة القتل الرحيم "
14- فتوح عبدالله الشاذلي، شرح قانون العقوبات - القسم الخاص، دار المطبوعات الجامعية، 1996، ص 471.
15- د. عبد الوهاب حومد ، دراسات متعمقة في الفقه الجنائي المقارن، مطبوعات جامعة الكويت، 1983 ، ص 316.
16- علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 31 .
17- د. محمود نجيب حسني شرح قانون العقوبات - القسم الخاص جرائم الاعتداء على الأشخاص، دار النهضة، 1978 ، ص 325.
18- علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص32.
19- د. واثبة داوود السعدي، قانون العقوبات - القسم الخاص شركة العائك لصناعة الكتب، القاهرة ، د. ت، ص 99.
20- د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق ص 35.
21- علي عبد القادر القهوجي، المصدر نفسه، ص 36

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد