سلطة الإدارة في منع تفتيت الأراضي الزراعية
المؤلف:
احمد عبد الأمير عبد الرب
المصدر:
الرقابة الإدارية على التصرفات في الأراضي الزراعية
الجزء والصفحة:
ص 177-180
2026-08-04
27
ليس من السهل أن تتصدى الإدارة لظاهرة تفتيت الأرض الزراعية، كون ذلك يتعلق بحقوق الأفراد الدستورية، إذ أنَّ التفتيت يتعلق بهذه الحقوق كحق البيع ونحوها، لذلك فليس للإدارة هنا سوى الالتزام بما ينص عليه التشريع، وهذا ما سنراه في الفقرتين التاليتين:
أولا - سلطة الإدارة في منع تفتيت الأراضي الزراعية في مصر - وجدت مشكلة تفتيت الأرض الزراعية اهتمام المشرع المصري منذ وقت مبكر، إذ خصها بالتنظيم في الباب الثالث من قانون الإصلاح الزراعي رقم (178) لسنة 1952 المسمى " في الحد من تجزئة الأراضي الزراعية"، فنصت المادة (23) من القانون المذكور على انه: " إذا وقع ما يؤدي إلى تجزئة الأراضي الزراعية إلى أقل من خمسة أفدنة، سواء كان ذلك نتيجة للبيع أو المقايضة أو الميراث أو الوصية أو الهبة أو غير ذلك من طرق كسب الملكية، وجب على ذوي الشأن أن يتفقوا على من تؤول إليه ملكية الأرض منهم، فإذا تعذر الاتفاق رفع الأمر إلى المحكمة الجزئية الواقع في دائرتها أكثر العقارات قيمة، بناء على طلب أحد ذوي الشأن أو النيابة العامة للفصل فيمن تؤول إليه ملكية الأرض، فإذا لم يوجد من يستطيع الوفاء بباقي الأنصبة قررت المحكمة بيع الأرض بالمزاد وتفصل المحكمة في الطلب بغير رسم "، وتبعتها المادة (24) (1) الخاصة بتنظيم قواعد التفضيل بين ذوي الشأن في حالة حدوث سبب من أسباب تفتيت الأرض وتحديد أيلولتها، إلا أنَّ ما يؤخذ على هاتين المادتين اقتصارهما على الوقائع والتصرفات المكسبة (المنشئة) لملكية الأرض الزراعية من دون الكاشفة لها كالقسمة، وهذا ما أيدته محكمة النقض المصرية (2) حين قضت بان: " المادة (23) من المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 قد دلت على إنها تنصب على الوقائع والتصرفات التي تكسب ملكية الأطيان الزراعية وتؤدي إلى تجزئتها لأقل من خمسة أفدنة، ولا تنصرف إلى قسمة هذه الأطيان بين الشركاء المُشتاعين، وذلك لأن هذه الملكية تعتبر مجزأة فعلاً بين الشركاء بمقتضى سند اكتسابها ومنذ قيام حالة الشيوع وكُل ما يترتب على قسمتها هو تحويل الحصص الشائعة إلى حصص مفرزة ".
الملاحظ بان النص المشار إليه لا يمنع دوائر الشهر العقاري صراحة عن الامتناع عن تسجيل التصرف المخالف للحكم المادة المذكورة، ولم يرد كذلك نص يشير إلى هذا المضمون في قوانين الشهر العقاري، ومع ذلك على الإدارة متمثلة بمصلحة الشهر العقاري أن تمتنع عن تسجيل أي تصرف يخالف أحكام المادة سالفة الذكر وكذلك الحال بالنسبة لوزارة الزراعة وتشكيلاتها أن تعمل على منع ذلك كونها الجهة المعنية عن تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي.
ثانيا - سلطة الإدارة في منع تفتيت الأراضي الزراعية في العراق - لم يحظ موضوع تفتيت الملكية الزراعية باهتمام المشرع العراقي على الرغم من أهميته إلا بمحاولات تشريعية متفرقة، حتى صدور قانون تنظيم الحد الاقتصادي للأرض الزراعية (الملغى)، ومن هذه المحاولات هي قانون اللزمة رقم (51) لسنة 1932 (الملغى)، ونظام اللزمة الصادر بموجب المادة (الرابعة) منه رقم (6) لسنة 1933 (الملغاة)، فقد أجازت المادة سالفة الذكر لدوائر التسجيل العقاري سلطة رفض تسجيل المساحات وإفراغها اذا كان الإفراغ يؤدي إلى خفض مساحة الأرض بحيث يصبح من غير الممكن إدارتها اقتصادياً، أما التعليمات المشار إليها حددت بموجب الفقرة (ب) من المادة (الأولى) منها المساحات الاقتصادية ب (عشرون) دونم بالنسبة للاراضي الزراعية، و (خمس) دونمات بالنسبة للاراضي المغروسة، ومن هذه المحاولات أيضاً صدور قانون منع تفتيت ملكية الأراضي الموزعة رقم (136) لسنة 1963 (الملغى) (3) الذي منع تفتيت ملكية الأراضي الزراعية الموزعة، كذلك نظم انتقال ملكية الأرض الموزعة بالميراث (4). ومع أنَّ القانون آنفا قد صدر لتدارك الأخطاء التي وقع فيها قانون الإصلاح الزراعي الأول الذي اغفل إيجاد معالجة لمشكلة التفتيت فكان ينبغي ألا يتغافل قانون الإصلاح الثاني النافذ هذا الموضوع بعد أن تجلت خطورته، فالقانون (117) لسنة 1970 لم يتطرق إلى أحكاماً جديدة لمعالجة التفتيت بصورة جذرية، وأنّ نصوصه لا تتعدى بعض الأحكام لتنظيم الحد الاقتصادي في الأراضي الموزعة فقط، وحدود الإفراز في الأراضي المملوكة للدولة (المفوضة بالطابو سابقا)(5).
وبصدور قانون تنظيم الحد الاقتصادي للأرض الزراعية رقم (137) لسنة 1976، غولجت مسألة تفتيت الأرض الزراعية بصورة منظمة ومحبذة، إذ منع هذا القانون دوائر التسجيل العقاري من تسجيل معاملات الإرث والانتقال الجارية على الأراضي الزراعية والبساتين في الأحوال التي تقل فيها سهام أي من الورثة أو أصحاب حق الانتقال عن الحدود الاقتصادية المقررة في المادة الأولى من القانون المشار إليه، وكذلك معاملات نقل الملكية أو القسمة أو الإفراز رضاء أو قضاء و التصرفات العقارية الجارية على الحصة الشائعة مع جواز تسجيلها في الحالات التي يزال فيها التفتيت (6)، ونص هذا القانون على تأليف لجان في كل محافظة بقرار من وزير الزراعة تختص بقضايا إزالة التفتيت (7)، وبين الإجراءات المطلوبة من الشركاء في الأراضي الزراعية أو البساتين المشمولة باحكامه المتعلقة بالاتفاق فيما بينهم لإزالة التفتيت ومعالجة حالات عدم الاتفاق (8) ، ومن جانب آخر منع هذا القانون المحاكم بعد نفاذه من النظر في دعاوى إزالة الشيوع في الأراضي والبساتين التي تقل عن الحد الاقتصادي(9)، وقد تنبأ هذا القانون بخطورة هذه الظاهرة التي وصفها بانها ستبقى قائمة ومستمرة في التفاقم، معتبرها معوقاً في طريق التنمية الزراعية، الأمر الذي حدى بالمشرع في حينها معالجة الحالات القائمة ومنع حصولها مستقبلا(10).
لاشك إنَّ الأحكام المتقدمة تمثل ضمانه حقيقية مهمة لحماية الأراضي الزراعية والبساتين والمحافظة عليها من مخاطر التفتيت والتجزئة، ومن ثمة ضمان استغلالها اقتصادياً بالصورة المثلى (11)، إلا أنه بعد مرور عشرة سنوات على العمل به الغي بقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (286) لسنة 1987 الذي حل محله، ولكنه لم يعالج مسألة تفتيت الأرض الزراعية، وإنما اقتصر فقط على بيان حدود إفراز هذه الأراضي، ومنع دوائر التسجيل العقاري من تسجيل معاملات الإفراز التي تقل عن هذه الحدود (12)، ومن ثم أجاز تفتيتها بإجازته الشيوع في الأراضي الزراعية، وبهذا تفاقمت مشكلة تفتيت الأراضي الزراعية من جديد وأصبحت المساحات المنتجة تتضاءل شيئا فشيئا.
ومما تقدم، يتضح بأن سلطة الإدارة مقيدة تماماً بالنصوص سالفة الذكر، فليس لها أن تمنع انتقال الأرض حتى وان كانت بالأمتار ، ومن المحاولات الإدارية لمواجهة هذه الظاهرة ما جاء بقرار مجلس محافظة بابل الذي قرر الزام مديرية التسجيل العقاري في المحافظة بعدم ترويج معاملات لإفراغ حق التصرف في الأراضي الزراعية والبساتين، إلا أنَّ مجلس الدولة يرى أن قرار مجلس المحافظة ليس له سند من القانون، وذلك لعدم وجود نص قانوني يمنع أصحاب الحقوق التصرفية من إفراغها، فضلاً ان حق الإفراغ منصوص عليه في قانون التسجيل العقاري(13)، وبالتالي لم يتفق مع قرار مجلس المحافظة المشار إليه، ويرى الباحث في هذا الشأن بأن الحل الأمثل لمعالجة التفتيت هو العودة إلى العمل بقانون الحد الاقتصادي الملغى؛ نظراً لدقته في تنظيم المسألة كما اتضح لنا، مما يمكن الإدارة بممارسة دوراً مهماً في منع تفتيت الأرض الزراعية.
___________
1- فنصت على انه: " تفصل المحكمة الجزئية في أيلولة الأرض غير القابلة للقسمة لمن يحترف الزراعة من ذوي الشأن، فإن تساووا في هذه الصفة أقتُرع بينهم، على أنه إذا كان سبب كسب الملكية الميراث فضل من يشتغل بالزراعة من الورثة، فإن تساووا في هذه الصفة قدم الزوج فالولد، فإذا تعدد الأولاد أقترع بينهم ".
2- حكم محكمة النقص المصرية في الطعن رقم (374) ، لسنة 35 ، ق جلسة 1969/11/6 نقلا عن رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017 ص37
3- المنشور في جريدة الوقائع العراقية في العدد (787) في 1993/11/2 ، والمُلغى بموجب المادة (الثانية عشرة أولاً) من قانون تنظيم الحد الاقتصادي للأرض الزراعية الملغى بقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (286) لسنة 1987.
4- للاطلاع على التفاصيل، ينظر رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017 ، ص 48 و 49.
5- تنص الفقرة (الأولى) من المادة (26) من القانون (117) لسنة 1970 على انه : " لا يجوز إفراز الأرض الزراعية المفوضة بالطابو إلى مساحات تقل عن حدود وحدة التوزيع المقررة بالمنطقة إلا بموافقة المجلس".
6- ينظر في ذلك المادة (الثانية) من قانون تنظيم الحد الاقتصادي للأرض الزراعية رقم (137) لسنة 1976 (الملغى) ، وبشأن الحدود الاقتصادية ينظر المادة (الأولى) من نفس القانون.
7- ينظر الفقرة (الأولى) من المادة (الثانية) من القانون (الملغى).
8- ينظر نصوص الفقرات ( ثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً) من المادة (الثالثة) من قانون تنظيم الحد الاقتصادي (الملغى).
9- ينظر الفقرة (الثانية) من المادة (12) من القانون.
10- ينظر الأسباب الموجبة للقانون رقم (137) لسنة 1976.
11- ينظر رياض سامي بريبر، حماية الأراضي الزراعية من التجاوز عليها بالتعدي والتفتيت دراسة مقارنة، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الحقوق في جامعة النهرين، 2017 ، ص 54.
12- حدود الإفراز هي (خمسة) دوانم في البساتين، وفي باقي الأراضي تتراوح من ثلاثة دونمات إلى مائة دونم حسب نوع الزراعة وطريقة الرّي، ينظر نص المادة (الأولى) من القرار (286) لسنة 1987 النافذ.
13- قرار مجلس شورى الدولة مجلس الدولة حاليا رقم 2014/76 في 2014/7/2 ،( قرار غير منشور)، نقلاً عن د. ردينة محمد رضا كربول، تجاوز نطاق حق التصرف في الاراضي الاميرية وسبل معالجتها بحث منشور في مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية المجلد (10) العدد 33، 2017 ، ص 136.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة