لم يحاول فوكوزاوا أن يكتب تاريخًا مستفيضًا لليابان، ولكن كتاباته عن الحضارة قادَتْه إلى تقديم أول نقدٍ للمدرسة التقليدية التاريخية في اليابان؛ فقد رأى أن تلك المدرسة قد جانبَها الصوابُ عندما أعطت السلوك الأخلاقي للحاكم ووزرائه أهميةً كبرى؛ فليس من الحكمة أن نتصوَّر أن تتحقَّق الرفاهية في بلدٍ ما لمجرد تمتُّع حكامها بحُسن الخلق؛ لأن شعور الناس بالاستقرار والرفاهية يعتمد على ما بلغوه من درجة التقدُّم، ويعتمد هذا بدوره على «روح العصر» وليس على السلوك الخُلُقي للحكام؛ فقد كان لروح العصر (Jisei) تأثيرٌ كبيرٌ فعَّال على أعمال عظماء الرجال؛ لأن الأبطال والعظماء لا يمكنهم ابتداع أحداثٍ خارجة عن روح العصر؛ فلا يحققون النجاح إلا عندما يسايرونها.1 ولما كان التقدُّم قانونًا طبيعيًّا، فقد رأى فوكوزاوا أن الإنسان بطبعه مرهونٌ بالتقدم مرتبطٌ به؛ ومن ثَم يأخذ بأسبابه بصورةٍ طبيعيةٍ دون أن يشعر بذلك. ولا شك أن عملية التقدُّم قد تتوقف لأسبابٍ غير طبيعية لمدةٍ زمنيةٍ معيَّنة، ولكنها ما تلبث أن تندفع كالمد لتكتسحَ كل العقبات التي تقفُ في طريقها. وفي مثل تلك الحالات قد تبدأ «روح العصر» على شكل آراء تطرحها مجموعةٌ محدودةٌ من الناس، ولكن لأنها تعبيرٌ عن عمليةٍ حتميةٍ فلا تلبثُ أن تعبِّر عن نفسها لتصبح رأيًا عامًّا، وتقدِّم الفرصة لارتقاء درجة من درجات التقدُّم.2
وكان مفهوم الحضارة عند فوكوزاوا نسبيًّا، وفي ذلك يقول: «عندما نتحدث عن الحضارة في عالم اليوم نجد أن الأمم الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تمثِّل أرقَى الأمم حضارة، ونجد البلاد الآسيوية مثل تركيا والصين واليابان تندرج تحت ما يمكن أن نُسمِّيه بلادًا شبه متقدمة، بينما نجد بلاد أفريقيا وأستراليا لا تزال بدائية … ولما كانت الفوارقُ بين البلاد في هذا الصدد فوارقَ نسبيةً بالضرورة، فليس هناك ما يمنع مَن لم يتعرَّف عن الحضارة الأرقى من أن يظنَّ أن مرحلةَ ما يشبه التقدُّم التي تعيشها بلاده هي ذروة التقدم. ولمَّا كانت الحضارة الغربية أرقى قياسًا بالبلاد شبه المتقدمة، فإن هذه الأخيرة تُعَد راقيةً قياسًا بالمجتمعات البدائية.»3
وذهب فوكوزاوا إلى أن الحضارة تتسم بالحيوية والحركة، فهي ليست شيئًا ميتًا؛ فهي تمُر بدوراتٍ ومراحل؛ فالمجتمعات البدائية تمُر بمرحلة شبه التقدم، والمجتمعات شبه المتقدمة تمُر بمرحلة الحضارة، والحضارة ذاتها تتطور إلى أشكالٍ أرقى باطِّراد، «ومن ثَم يمكن اعتبار أوروبا اليوم تمثِّل أعلى مستوًى من التقدُّم الفكري الذي استطاع الإنسانُ تحقيقَه في هذه المرحلة التاريخية، ويصدُق هذا على جميعِ بلاد العالم، سواء كانت بدائيةً أو شبهَ متقدمة؛ فعلى كل مَن يهتمون بتقدُّم بلادهم على طريق الحضارة أن يتخذوا من الحضارة الأوروبية أساسًا للجدل، وأن يَزِنوا الإيجابيات والسلبيات بمعيارها.»4
وفي كتابه «إطار نظرية الحضارة» كان معيار الحضارة عنده هو الحضارة الغربية التي اتخذَها أساسًا لتقييم كل شيء، ولكنه لم يَعنِ بذلك الأخذَ بالحضارة الغربية كما هي باعتبارها نموذجَ الحداثة في كل البلاد. وإنما دعا إلى تطويع الحضارة الغربية لحاجات كل بلدٍ من البلاد ومزاج كل أمةٍ من الأمم النابع من تقاليدها الاجتماعية، وفي ذلك يقول: «يجب أن نتبع أسلوبًا انتقائيًّا في تطبيق الحضارة الأجنبية على المجتمعات شبه المتقدمة، فيجب أن نميِّز في الحضارة بين ما هو مظهري وما هو جوهري، فمن السهل أن نأخذَ الأول على علَّاته على حين يصعُب علينا أن نفعل ذلك مع الآخر، والآن عندما نهدفُ إلى جلب الحضارة للبلاد، فإن أصعبَ ما يمكن عملُه يجب أن نبدأ به، ونترك الأسهلَ للنظر فيه فيما بعدُ. أما إذا اتبعنا عكسَ ذلك، وأخذنا بالجانب الأكثر سهولة قبل أن نأخذ بالجانب الأصعب، فإن ذلك الجانب الأسهل يكون غالبًا لا نفع له، بل يكون ضارًّا أيضًا.»5
وذهب فوكوزاوا إلى أن المظاهر الخارجية للحضارة تُعَد جميعًا ذات طابعٍ تطبيقي، كالطعام، والملابس، والمسكن، ومختلف الأدوات والمعدَّات ونحوها، وكذلك الإجراءات الحكومية، والقوانين والمؤسسات على اختلاف أنواعها، فإذا اعتبرنا كلَّ تلك المظاهر الخارجية حضارة، فإن كل أمة ستتبعُ منهجًا انتقائيًّا لتطبِّق تلك المظاهر على طريقتها؛ ولذلك يجب على البلاد الآسيوية ألا تقلِّد أسلوبَ الغرب تقليدًا أعمى؛ لأن ذلك لا يمكن أن يُعَد حضارة، نظرًا لاختلاف تلك البلاد عن المجتمعات الغربية. وفي ذلك يقول: «لا يجب أن نقيِّم حضارة بلدٍ ما من خلال مظاهرها الخارجية؛ فالمدارس، والصناعة، والجيش، والبحرية جميعها مجرد أشكالٍ خارجية للحضارة. وليست هناك صعوبةٌ في إيجاد تلك الأشكال التي يمكن شراؤها بالمال، ولكنَّ هناك مكوِّنًا روحيًّا إضافيًّا فيها لا يُرى بالعين المجردة، ولا يُسمع ولا يُباع أو يُشترى، كما لا يمكن استعارته. غير أن تأثيره على الأمة عظيم، وبدونه تفقدُ المدارس والصناعات والمؤسَّسات العسكرية معناها؛ فلا شك أن القيمة الكبرى للحضارة تكمُن في روحِها التي هي في نفس الوقت روحُ الاستقلال الكامنة في الشعب.»6
ورأى فوكوزاوا أنه يجب ألا تستوردَ اليابانُ المظاهرَ الخارجية للحضارة فقط، ولكنها يجب أن تبدأ بخلق روح الحضارة الخاصة بها؛ لأن «حجر الزاوية للحضارة الحديثة يمكن إرساؤه فقط عندما يتغيَّر الشعور الوطني تغيرًا ثوريًّا، وتتغير معه مؤسسات الحكومة. وعندما يحدُث ذلك فإن قواعدَ الحضارة سوف ترسو، وستتكوَّن المظاهر الخارجية المادية للحضارة تبعًا لذلك، في صورةٍ طبيعية، دون حاجة إلى بذل الجهد من جانبنا، سوف تأتي دون أن نطلبها، وتتحقق دون أن ننشُدها؛ ولذلك أقول إن علينا أن نُعطيَ الأولوية للجانب الأصعب الخاص باستيعاب الحضارة الغربية. يجب أن نُصلِح أولًا من شأن أفكار الناس، ثم ننتقل بعد ذلك إلى إصلاح نظام الحكومة، وفي النهاية نتجه إلى المظاهر الخارجية … ونستطيع أن نحفظ النظام، ونجعله يبدو يسيرًا، ولكن ذلك الاتجاه يقودنا إلى طريقٍ مسدود. وسيكون ذلك وكأننا نضع وجوهَنا على حائطٍ حجري.»7
ورأى أن الشكل السياسي للحضارة لا يجب اعتباره معيارًا للحضارة كلها؛ إذ يجب تغييره إذا أثبت عدم صلاحيته. ولمَّا كانت الحضارة هي الهدف الوحيد للبشرية، الذي يمكن تحقيقُه عبْر طرقٍ متعدِّدة، فإن التقدُّم المعقول هو الذي يمكن تحقيقُه من خلال عمليةٍ طويلةٍ تقوم على التجربة والخطأ؛ ولذلك لا يجب أن تتجه أفكار الناس اتجاهًا واحدًا لا بديل له؛ لأن التجربة هي روح التقدم. ويضيف قائلًا: «لم تكن هناك قَط حضارةٌ بلغَت حد الكمال، كما لم يكن هناك شكلٌ من أشكال الحكم بلغ الحد، فإذا وصلنا يومًا إلى حضارةٍ كاملة، فسوف تصبح الحكومة على درجةٍ عاليةٍ من الاستبداد، وعند تلك المرحلة لن نكون في حاجةٍ لتفضيل شكلٍ على آخر، أو أن نختلف حول المسمَّيات، ونظرًا لأن الحضارات في عالم اليوم تقف في منتصف طريق التقدم، فإن النظم السياسية لا تزال تمُر بعملية التطور؛ فالأمم تختلف فقط في نسبة تطورها.»8
ورأى فوكوزاوا أن الحضارة علاقةٌ تعاقدية بين الناس؛ ومن ثَم كان تحقيقها هدفًا حيويًّا للبشرية، ويحتوي ذلك التعاقد على نوعٍ من تقسيم العمل بين الناس يقوم فيه «كل شخص بأداء دوره في تحقيق هذا الهدف، فتختصُّ الحكومة بحفظ النظام وتسيير الأمور، ويركِّز العلماء جهودهم على المجالات الفكرية، لاكتشاف البدائل التي تُستخدم في المستقبل، وتبذلُ الصناعة والتجارة الجهد في مجالهما للمساهمة في تكوين ثروة الأمة. وبذلك يقدِّم كل فريقٍ مساهمته في صنع الحضارة.»9
ويرى فوكوزاوا أن تقدُّم الحضارة يتضمَّن التطور العقلي والخُلُقي للشعب ككل. وبعبارةٍ أخرى، ترتبط الحضارة بالمعرفة والفضائل التي تتسم بالتباين، ولكنها تتكامل معًا في نهاية الأمر.10 ويطرح فوكوزاوا سؤالًا عن هدف اليابان من السعي على طريق الحضارة، فقال إنه يجب التمييز بين ما هو موروث وما هو مكتسَب، وذلك للحفاظ على استقلال البلاد. وأضاف: إن السبيل للحفاظ على الاستقلال لا يمكن أن ننشُده إلا بتحقيق الحضارة. ويمضي قائلًا: «إن السبب الحقيقي الذي يجعل الناسَ اليومَ في بلادنا يحثُّون الخُطَى نحو الحضارة هو الحفاظ على استقلال بلادنا؛ ومن ثَم فاستقلالُ بلادنا هو الهدف، وسعيُنا على طريق الحضارة هو السبيل لتحقيقه … فبدون الحضارة لا يمكن الحفاظ على الاستقلال؛ فالحديث عن الاستقلال أو عن الحضارة هو حديثٌ عن قضيةٍ واحدة.»11
ولذلك كان لزامًا على اليابان أن تحقِّق مرحلةً متقدمةً من الحضارة لتحافظ على استقلالها، وأحسَّ فوكوزاوا أن اليابان يجب أن تستوعبَ الحضارةَ الغربية حتى تحقِّق حضارتها الحديثة الخاصة بها؛ ولهذا الغرض كتب كتابه «إطار نظرية الحضارة» ليحدِّد معالم طريق اليابان إلى الحضارة، وليخلق حضارةً يابانيةً متميزة تمزجُ المكتسَب من الغرب بالموروث الياباني، فتكسبُه قوةً روحية، وتزوِّده بروح التقدُّم. وقد قدَّم فوكوزاوا تفسيرًا عامًّا للحضارة، وتحليلًا تاريخيًّا للحضارة اليابانية، بهدف الوصول بالحضارة اليابانية إلى نفس المستوى الذي وصلَت إليه الحضارة الغربية.12
........................................
(1) Blacker, The Japanese Enlightenment, pp. 93-94.
(2) Ibid., pp. 98-99.
(3) Fukuzawa, An Outline of the Theory of Civilization, pp. 13-14.
(4) Ibid., p. 15.
(5) Ibid., p. 16.
(6) Fukuzawa, An Encouragement of Learning, p. 30.
(7) Fukuzawa, op. cit., p. 18.
(8) Ibid., p. 45.
(9) Ibid., p. 62.
(10) Ibid., p. 104.
(11) Ibid., p. 193.
(12) Ibid., the preface.