بدأ عهدٌ جديد في تاريخ اليابان، وتغير اسم إيدو Edo — التي أصبحت عاصمة البلاد — إلى طوكيو Tokyo (وتعني العاصمة الشرقية) وفي ربيع العام التالي، انتقل الإمبراطور من كيوتو إلى العاصمة الجديدة ليعلن بذلك بداية عصر مايجي (وتعني الحكم المستنير)، وقُدِّر لذلك العصر أن يستمر حتى عام 1912م، ولكن الانتقال من عصر إلى آخر يعني الكثير؛ لأنه ليس مجرد تغيير لسلطةٍ أو شخصِ مَن يُمسك بمقودها، ولكنه تغيير لمجتمع بأسره، شمل واقعه الاقتصادي والاجتماعي، كما شمل أداة الحكم والقوة التي تمسك بزمام الأمور في البلاد، كما تغيرت الأفكار والعادات والقيم الاجتماعية، أو — بعبارة أخرى — كان التغيير إرساءً لدعائم النهضة التي حققتها اليابان، ونُقِلت نتيجةً لها من هامش العالم إلى قلبه.
كان الإمبراطور متسوهيتو (الذي لُقِّب بمايجي) عند بداية العهد الجديد صبيًّا في السادسة عشرة من عمره، لا يمتلك من الخبرة السياسية والاستعداد الفكري ما يؤهله لتغيير النظام القائم، فلم يكن سوى رمز للحركة الجديدة، وظل كذلك — إلى حدٍّ كبير — طوال حكمه، أما السلطة الحقيقية في بداية العهد، فكانت بيد مجموعة صغيرة من نبلاء البلاط، بالإضافة إلى حفنة من العسكريين (الساموراي) الذين ينتمون إلى المقاطعات التي ساهمت في صنع النظام الجديد، وكوَّنوا معًا النخبة الحاكمة التي صنعت النهضة.
وكان على القيادة الجديدة أن تواجه المشكلات المُلحَّة، وعلى رأسها إصلاحُ ماليةِ البلاد، ومقاومة الزحف الغربي، وكان حل المشكلة الأخيرة يرتبط بحل الأولى؛ لأن مواجهة الأطماع الغربية تتطلب إيجاد قاعدة صلبة يقوم عليها اقتصاد البلاد، وإقامة مثل تلك القاعدة يحتاج إلى إدخال تغييرات جذرية على الواقع الاقتصادي للبلاد، يجعلها قادرة على الوقوف أمام الدول الغربية وقفة الند للند.

كوبري يؤدي إلى قصر الإمبراطور – طوكيو.
ولم يكن ذلك يحتمل الإرجاء؛ لأن الخطر الغربي كان ماثلًا؛ فبريطانيا وفرنسا كانتا تتربصان باليابان الدوائر، وأيقن القادة الجدد أن قيام حربٍ أهلية قد يُتيح الفرصة أمام الدولتين للتدخل المسلح، أضِف إلى ذلك ضعف مركز اليابان في سلسلة المعاهدات غير المتكافئة التي أجبرت على إبرامها مع الدول الغربية، والتي سلبتها حقها في تقرير الضرائب الجمركية، واستثنت الأجانب من الخضوع للقضاء الياباني، وأعطت الدول الغربية حقوق الدولة الأولى بالرعاية دون أن يكون لليابان نفس الحق.
وأدرك قادة العهد الجديد أن الدول الغربية استهانت ببلادهم لتخلفها حضاريًّا عن الغرب، وخاصة في المجال الاقتصادي والعسكري، فعملوا على اللحاق بالغرب في هذين الميدانين، ومن ثَم اتخذوا من شعار «إثراء الأمة وتقوية الجيش» شعارًا لانطلاق النهضة وكان ذلك يعني إقامة دولة حديثة على النمط الغربي.
وهكذا وجد الرجال — الذين حملهم إلى السلطة عداؤهم للغرب — أنفسهم في موقف يلزمهم بإقامة علاقات ثقافية وتجارية وثيقة مع دول الغرب التي تملك وحدها مفاتيح الخبرة التقنية والعلم الحديث.
وجاءت الإشارة إلى ضرورة انفتاح اليابان تمامًا على العالم الخارجي رغم المعارضة لذلك ضمنًا في المرسوم الإمبراطوري الصادر في 14 من مارس 1868م، وعُرف باسم «ميثاق العهد ذو المبادئ الخمسة» فنصَّ على:
(1) إقامة مجالس استشارية على نطاق واسع، وتقرير أمور البلاد بمعرفة الرأي العام.
(2) اتحاد جميع الطبقات — العليا والدنيا — في إدارة البلاد بفعالية تامة.
(3) السماح لعامة الناس بانتهاج السبل التي يختارونها كالموظفين المدنيين والعسكريين، حتى لا تؤدي اللامبالاة العامة إلى إفساد البلاد.
(4) حظر ممارسة العادات السيئة القديمة، وإرساء القواعد على الأسس القانونية العادلة الخاصة بالسماء والأرض.
(5) التماس المعرفة من شتى أرجاء العالم لتقوية دعائم الحكم الإمبراطوري.