كانت حكومة مايجي تعقد العزم على تطوير الاقتصاد الياباني في الاتجاه نحو التصنيع على الطريق الرأسمالي، وتريد أن تحقق — في سنوات قليلة — ما حققته الدول الغربية المتقدمة في حوالي القرنين من الزمان، ولمَّا كان تحقيق تلك الآمال العريضة يحتاج إلى قاعدة مالية على درجة عالية من الكفاءة، فقد أصلحت الحكومة النظام المالي والنقدي، وضمنت لنفسها موارد ثابتة من ضرائب الأطيان الزراعية، ثم رَنَت ببصرها إلى البيوت التجارية المالية، فراحت تنظمها وتعمل على ضمان التسهيلات الائتمانية التي تقدمها تلك البيوت، كما عملت على تثبيت قواعد سوق النقد ومحاولة تركيز رأس المال المتاح عن طريق تكوين الشركات التجارية والشركات المصرفية، ووضعت وزارة التجارة — التي تأسست عام 1869م — نظامًا لتلك الشركات، يضمن لها أن تستظل بحماية الدولة.

أحد المصارف الحديثة في اليابان.
ونال بذلك رأس المال الخاص دفعة قوية، زاد من قوتها التزام الدولة بسداد ديون المقاطعات القديمة التي كانت قد اقترضتها من البيوت المالية، وانضم إلى رأس المال الخاص وافد جديد تمثل في الساموراي الذين حصلوا على معاشات استبدلوا بها سندات الدولة، حتى إذا اكتملت لرأس المال الخاص أسباب القوة، اندفع نحو العمل المصرفي كسبيل للاستثمار، وظل رأس المال المصرفي يحرز قصب السبق على رأس المال الصناعي حتى قيام الحرب الصينية اليابانية (1893-1894م) وبذلك تدعم مركز أصحاب المصارف (الذين عرفوا بالماليين Zaibatsu) وقد ساعد على تركز رأس المال سياسةُ الحكومة التي استهدفت حماية رأس المال وتشجيعه، وتهيئة ظروف النمو له، وساعد على سرعة تركز رأس المال الهبوط النسبي لمستوى تراكم رأس المال، وحاجة الحكومة إلى الأموال للبدء في المشروعات الصناعية الحديثة، وإدخال نظام الشركات المساهمة في اليابان منذ 1869م، وما تقتضيه منافسة الدول الأجنبية من ضرورة تركيز رأس المال.
وحينما استطاعت الصناعة الحديثة أن تبلغ بإنتاجها حد القدرة على منافسة منتجات البلاد الأوروبية في السوق المحلية والسوق الخارجية، تكونت الكارتلات (الاتحادات الاحتكارية) للسيطرة على تلك الصناعة، مثلما حدث في صناعة النسيج في الثمانينيات وفي هذا الصدد لا يُعَد رأس المال الياباني نسيجًا فريدًا، فقد جرت عادة رأس المال الكبير في الغرب على النمو عن طريق ابتلاع رءوس الأموال الصغيرة، وخاصة عند وقوع الأزمات الاقتصادية وما يصحبها من تضخُّم.
وكان نمو رأس المال الكبير عن طريق ابتلاع رءوس الأموال الصغيرة هو السمة البارزة للزايباتسو (أو الماليين) في اليابان الذين كوَّنوا أربعة بيوت مالية كبرى، وتسلحت تلك الحقبة المحدودة من كبار الرأسماليين بما توافر لديها من قدرة على المنافسة غير المتكافئة من خلال هيمنة على المصارف والقطاعين الصناعي والتجاري، وإن ظل العمل المصرفي — الذي دعمته حكومة مايجي — حصنها الحصين.

طبق خزفي مرسوم من القرن 18 من الصناعات التقليدية.
وكانت المصارف تقدم للحكومة القروض التي تقيم بها المشروعات الصناعية التي تتطلب استثمارات كبيرة، بينما عانى رأس المال الصغير من الحاجة إلى التمويل، واضطُر إلى الاقتراض من المصارف بفوائد كبيرة، لذلك كانت رءوس الأموال الصغيرة تفضل الحياة على فتات موائد رأس المال الكبيرة في المجالات التي يعفُّ رأس المال الكبير عن ولوجها، وخاصة الصناعات التقليدية مثل: الخزف، والحرير، والخمور، والصناعات الغذائية البسيطة التي كانت بعيدة عن المنافسة الأجنبية، ولكن — مع مرور الزمن — لم تسلم تلك المنشآت الصناعية التقليدية من الوقوع في فخ المصارف والتورط في الاستدانة.

فن الخزف؛ من الفنون اليدوية اليابانية المميزة.
وعلى حين كان رأس المال المصرفي منفصلًا — في الغالب — عن رأس المال الصناعي في الكثير من البلاد التي شهدت هذه المرحلة من مراحل نمو الرأسمالية، مرَّ رأس المال الصناعي في اليابان بظروف مختلفة تمام الاختلاف، فقد بدأت الدولة حركة التصنيع، وما كادت الصناعة الجديدة تقف على أقدامها، حتى سلمتها الحكومة لعدد محدود من الشركات الخاصة التابعة للمصارف الكبرى، مقابل شروط متواضعة للبيع، وتسهيلات مناسبة للسداد، ولذلك لم تظهر في اليابان طبقة جديدة من الرأسماليين الصناعيين، ولكن ترتَّب على هذه الظاهرة تقوية رأس المال المصرفي ورأس المال الربوي، وتحوُّلهما — جزئيًّا — إلى رأسمالية صناعية.