وقد بدأت الحركة بعريضة قدمها إيتاجاكي وسبعة من زملائه من النخبة التي شاركت في صنع النظام الجديد، قدموها للحكومة (1871م) واستنكروا فيها استبداد السلطة، وطالبوا بإقامة مجلس نيابي يقوم الشعب بانتخابه، وبهذا الحدث بدأت الحركة السياسية التي عُرِفت باسم «حركة الحرية وحقوق الشعب» التي ضمت المطالبين بالحكم النيابي الدستوري.
وعبر عن تلك الحركة تنظيم سياسي عُرف باسم «الحزب الوطني العام» الذي اختار صيغة الحزب السياسي ليميز نفسه عن الجمعيات السياسية العديدة التي ظهرت — في تلك الفترة — بغرض خدمة الأهداف والمصالح السياسية لأفراد بعينهم، وأصدر التنظيم الجديد بيانًا ضمنه برنامجه الذي ركز فيه على إقامة حكومة نيابية مُنتَخبة مِن الشعب.
ولكن وقوع ثورة ساجا التي تزعمها أحد الموقعين على العريضة جعل الحكومة تتجه إلى تصفية المعارضة السياسية، فبادر إيتاجاكي بحل «الحزب الوطني العام» (مارس 1874م)، وعاد إلى موطنه طوسا بجزيرة شيكوك، حيث أسس جمعية سياسية عُرِفت باسم «جمعية المفكرين الأحرار» لنشر الوعي بالمبادئ الليبرالية والتفَّ حول تلك الجمعية فريق مِن الشباب المتعطش للمعرفة، وشكلت أفكار الثورة الفرنسية الأساس الأيديولوجي للجمعية، وكان كتاب روسو «العقد الاجتماعي» مصدر إلهام فكري لرواد الليبرالية في ذلك العصر، وذاع صيت «جمعية المفكرين الأحرار» حتى أصبحت طوسا مزارًا يقصده المئات من الشباب الياباني الذين أطلقوا على المدينة — فيما بينهم — اسم «مهد الحرية».
ورغم المحاولات التي بذلتها الحكومة لكبح جماح هذه الحركة، استمرت تحقق النجاح وتكسب الأنصار حولها يومًا بعد يوم، وبعد إخماد ثورة ساتسوما، فكر إيتاجاكي في تأسيس «جمعية الوطنيين»، وفي ربيع 1878م أوفد الدعاة إلى مختلف أنحاء البلاد لشرح أهداف التنظيم السياسي الجديد ودعوة الناس للانضمام إليه، وفي سبتمبر من نفس العام عقدت الجمعية أول مؤتمر لها بمدينة أوساكا، أعلنت فيه عن تأسيسها وقررت أن تتخذ من طوكيو مقرًّا لها، وأن تُنشِئ فروعًا لها بالمحافظات.
وفي المؤتمر الثالث للجمعية (خريف 1879م) تَقرَّر رفع عريضة إلى الإمبراطور للمطالبة بإقامة مجلس نيابي، وقَّع عليها أعضاء الجمعية الذين انتدبوا اثنين من زملائهم لتقديمها إلى «مجلس الدولة» و«مجلس الشيوخ» ورغم رفض المجلسين للعريضة، فقد نجحت الجمعية في تعبئة الرأي العام ضد الحكومة، وكشفت موقفها المُتعنِّت أمام الشعب، وطوَّف إيتاجاكي بأنحاء البلاد يخطب في الجماهير، ويطلب مساندتها للجمعية في مطالبها، واكتسبت الحركة المزيد من الأنصار من بين الصحفيين ورجال الأعمال وحتى موظفي الحكومة.
ولما كان قانون الرقابة على الصحف (5 يونيو 1875م) يجعل مِن الصحافة أداة محدودة النفع بالنسبة لحركة المطالبة بالحكم النيابي، لجأ زعماء تلك الحركة إلى عقد الاجتماعات العامة وإلقاء الخطب السياسية.
فلم تجد الحكومة مفرًّا من إصدار «قانون التجمهُر» (إبريل 1880م) الذي قضى بضرورة الحصول على إذن مُسبَق مِن الشرطة قبل عقد أي اجتماع عام، وحظر على العسكريين ورجال الشرطة والطلبة الاستماع إلى الخطب السياسية، والاتصال بالمنظمات السياسية.
ورغم محاولات الكبت، تبلوَرت المعارضة السياسية في حركة تهدف إلى تأسيس «جمعية وطنية دستورية» في آخر السبعينيات من القرن التاسع عشر، وما كاد يحل مطلع الثمانينيات حتى نظَّم القائمون على تلك الحركة حملة لجمع التوقيعات على عرائض تطالب بالدستور، وبإقامة مجلس نيابي، وبلغ عدد التوقيعات التي جُمِعت نحو ربع المليون توقيع، وتم تأسيس عدد من الجمعيات السياسية — لهذا الغرض — في جميع أنحاء البلاد، بلغ عددها — في تلك الحقبة — نحو 150 جمعية وعُقدت الاجتماعات السياسية لمناقشة قضية الحكم النيابي، ونُظِّمت الحلقات الدراسية بغرض التثقيف السياسي الذاتي في معظم القرى الهامة، واستطاعت تلك الحلقات الدراسية تعبئة الرأي العام الريفي لمساندة حركة المطالبة بالحياة النيابية عن فهم واقتناع.
واتخذت تلك الحلقات الدراسية شكل مدارس متوسطة أقامها الأعيان على نفقتِهم الخاصة، أو عن طريق جمع التبرعات من أهالي مجموعة من القرى المتجاورة، وكانت تلك المدارس تُقام مهما بلغ عدد الصبية الراغبين في الالتحاق بها، فقد كانت مقصد الكبار الذين ينشدون الثقافة العامة لذاتها، وعلى سبيل المثال، كانت نسبة عدد التلاميذ دون سن الرابعة عشر، بذلك النوع من المدارس بمحافظة كانازاوا لا تتعدى 20٪ من جملة عدد التلاميذ بتلك المدارس، بينما كان بقية التلاميذ من البالغين، وكانت تلك المدارس لا تقتصر جهودها على تدريس العلوم المختلفة، بل امتدَّ نشاطها إلى التثقيف السياسي والاجتماعي، وبعد قيام الحكومة بإخضاع هذه المدارس لإشرافها حوَّل الأعيان تلك المدارس إلى «حلقات دراسية» لنشر المعرفة العامة ولم تَعُد تستخدم اسم «مدرسة»، وتركزت غالبية تلك الحلقات في شرق البلاد، وانتشرت — بدرجة أقل — في بقية أنحاء البلاد، وكانت أقل واحدة منها تضم ما بين 12 و30 عضوًا، وإن كان ثمة حلقات تجاوز عدد أفرادها المائة عضو.
وبلغ حماس بعض الأعيان للحركة واهتمامهم بتلك الحركات حد فقد ملكياتهم الزراعية عن طريق رهنها مقابل قروض أُنفِقت على تلك الحلقات التثقيفية وعلى الحركة السياسية، وتحوَّلت تلك الحلقات الدراسية إلى جمعيات سياسية، عقدت سلسلة من الندوات لمناقشة قضية الحكم النيابي، وبلغ عدد الجمعيات السياسية التي دعت إلى عقد الندوات نحو 150 جمعية، انتشرت في جميع أنحاء اليابان؛ مما يقدم دليلًا على اتساع قاعدة الحركة، واضطرت الحكومة إلى تشديد الرقابة على الصحف والمطبوعات، واهتمت بتطبيق «قانون التجمهُر» غير أن تلك الإجراءات الصارمة لم تنجح في إحباط الحركة السياسية، فكسبت الحركة — بذلك — المزيد من تأييد الجماهير، وخاصة أن بعض مفكري «حركة الحرية وحقوق الشعب» قدموا المفاهيم الليبرالية المكتسبة من الغرب في إطار كنفوشي، فعند شرحهم لتلك الأفكار كانوا يتخذون من الكنفوشية قالبًا للتعبير عن أفكار المساواة والتزام الإمبراطور نحو شعبه الذي يجعله مُلزَمًا بالاستجابة لمطالبه وهي هنا المطالبة بالدستور، ونقد الاستبداد من خلال فكرة العدل عند كونفوشيوس، وكذلك الحال بالنسبة لفكرة المساواة، ولم تجد الجماهير (وخاصةً الفلاحين) صعوبة في استيعاب الفكر الليبرالي إذ قُدم لهم في وعاء كنفوشي، لا يجعله يبدو غريبًا عن واقع المجتمع الياباني، أو بعيدًا عن إدراك الجماهير، ولعل ذلك يُفسِّر التفاف الجماهير حول تلك الحركة التي اكتسبت صبغة شعبية.
لذلك أيقنت الحكومة أنها بصدد حركة منظمة يقودها رجال من الأعيان الذين عاشوا في الريف لأجيال بعيدة، وتمتعوا فيه بنفوذ كبير، ولديهم القدرة على تعبئة سكان القرى في حركة سياسية ضد الحكومة، والأساس الذي قامت عليه سلطتها، ولم تكن الحكومة مهيَّأة — عندئذٍ — لمواجهة هذه الحركة بإجراءات قمع صارمة فآثرت السلامة، وسارعت بإصدار بيان (12 أكتوبر 1881م) أعلن فيه الإمبراطور أنه ينوي إقامة نظام نيابي تدريجيًّا، وذلك في السنة الثالثة والعشرين من حكمه (أي عام 1890م) وحذَّر البيان جميع طبقات الشعب «أعلاها وأدناها» مِن التسرُّع، والدعوة إلى الطفرة في التغيير؛ لأن ذلك يؤدي إلى إشاعة الاضطرابات في البلاد.
وكان صدور البيان الإمبراطوري نقطة تحوُّل في تاريخ حركة المطالبة بالحياة النيابية، إذ أُعِيد تنظيمها في شكل حزبين سياسيَّين؛ هما: «حزب الأحرار» و«حزب الإصلاح» في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تدبر أمر تصفية الحركة، فقد أُبعِد أنصار الليبرالية من الحكم، وانفرد أنصار الأوتوقراطية ومركزية السلطة بإدارة أمور البلاد.
ومنذ ذلك الحين، أصبح النشاط السياسي يتركز حول الأحزاب السياسية وحدها، وتحولت الجمعيات السياسية المنتشرة بالريف إلى خدمة أغراض أخرى، فلم يعُد نشاطها مقصورًا على المطالبة بالدستور، وإنما تعدَّاه إلى مطالب أخرى ذات طابع اقتصادي، وتتفق — إلى حد كبير — مع مصالح الأعيان، فدعت إلى الاهتمام بالتعليم، وعدم قصر الوظائف العامة على فئة معينة من الناس، وتشجيع الصناعة.
وبدأ الأعيان يرغبون عن السياسة، وزادت الهُوَّة التي أوجدتها سياسة الانكماش الاقتصادي اتساعًا بينهم وبين جماهير الفلاحين، فعلى حين عانى الفلاحون من تدهور أسعار الحاصلات الزراعية كانت ضرائب الأطيان تواصل ارتفاعها، مما جعل رِيع أطيانهم لا يكفي لسداد ما عليهم من ديون. كان الأعيان يتشددون في تحصيل الديون التي اقترضها الفلاحون منهم، واتجهوا إلى استثمار أموالهم في الصناعة والنشاط المصرفي فاختلفت بهم وبالفلاحين السبل.
وأخذ الفلاحون يُعيدون تنظيم أنفسهم لمواجهة السلطة والأعيان معًا، فبعد أن كانت انتفاضات الفلاحين بقيادة الأعيان، أصبحت قيادة الانتفاضات بيد عناصر من الفلاحين أنفسهم على نحو ما شهدته بعض جهات الريف في الثمانينيات من القرن التاسع عشر.