وصف الله سبحانه في هذه الآية عشاق الدنيا فقال بأن مظهرهم خادع وعندما يتكلمون يعجبك كلامهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). وقد استعرض القرآن الكريم في أوائل سورة (البقرة) وفي سورة (المنافقون) أوصاف هذه الجماعة التي يلابس النفاق كلامها بأن لهم مظهراً خادعاً وكلاماً جذاباً يأسر القلب ويلقى آذانا صاغية من عوام الناس: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)، (إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ[1]). إن ظاهر المنافقين سام وباطنهم حقير، يتحدثون بكلام ينفذ إلى أعماق القلوب ويأسرها، فهم يجيدون أسلوب الكلام من جهة، وينتقون الكلمات الطيبة من جهة أخرى، ومضمون كلامهم يأسر القلوب؛ إذ هم يتحدثون عن حبهم للخير وصلاح المجتمع، ويظهرون عكس ما يضمرون حين يدعون الآخرين إلى مراعاة القسط والعدل، مختارين لهذا المضمون النبيل ألفاظاً وعبارات رقيقة جذابة، حتى يكسبوا إعجاب المسلمين بهم؛ كل ذلك مع خلق باطنهم من شيء عدا الظلام والإجرام.
ومن الأوصاف الأخرى لأولئك المنافقين أنهم متنعمون بالمال والأولاد، إلا أن الآخرين يجب ألا ينخدعوا بهذا التنعم ويُعجبوا به: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ[2]).
تنبيه: هناك احتمالان حول متعلق قيد (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) هما: 1. أنه متعلق بـ(يُعْجِبُكَ) ومفعول بالواسطة. فيكون المعنى أن كلام هؤلاء يثير الإعجاب في الدنيا فقط؛ لأن باطنهم وما يخفونه يصير ظاهراً في الآخرة: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ[3])، مضافاً إلى أنهم لا يستطيعون إخفاء شيء على الله: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا[4]) هذا أولاً.
وثانياً: أن هذه الفئة تحشر يوم القيامة عمياء صماء خرساء، ولا تستطيع التكلم؛ فهي إما أن تكون مكمّمة الأفواه والناطق فيها هو أيديها وأرجلها: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[5])، أو تكون محرومة من الكلام على الرغم من عدم تكميم أفواهها: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا[6]).
وهكذا لا وجود لكلام هؤلاء المنمّق إلا في الدنيا فقط؛ إذ هم خُرْس في الآخرة[7].
2. أنه متعلق بـ(قَوْلُهُ) فيكون المعنى أن كلامه حول المسائل الدنيوية يكون مثاراً للإعجاب. يقول الزمخشري بعد بيان تعلّق (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) بـ(القول): إن الصحيح هو تعلقه ب (يُعجب)....[8]. أما أبو حيان الأندلسي فقد ذكر كلام الزمخشري واستبعده وقال: «وفيه بعد. والذي يظهر أنه متعلق ب (يعجبك) لا على المعنى الذي قاله الزمخشري[9]».
واجتماع (ألد الخصام) مع (الإعجاب) دليل على أن الإعجاب يكون في الدنيا.
[1] سورة المنافقون، الآيات 1 - 4 .
[2] سورة التوبة، الآية 55 .
[3] سورة الطارق، الآية 9.
[4] سورة النساء، الآية 42 .
[6] سورة الإسراء، الآية 97
[7] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 251 .
[8] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 251 .
[9] تفسير البحر المحيط، ج 2، ص 122 .