"حتى أطول رحلة، تبدأ دائما بخطوة" لا ونسي
على الرغم من أن الشيخوخة ترتبط في ذهن العديد من الأشخاص، بتراجع القدرات الذهنية، إلا أن الدماغ الذي يشيخ بطريقة جيدة، يمكن أن يتألق بغض النظر عن طول العمر. بالأمس شاهدت على التلفاز كيف أصبح (بوب إدواردز) أكبر سائق معمر في العالم، بعد تجديد رخصته وهو في عمر 105 عاما. ليس الأمر مجرد حب للقيادة، أو منح رخصة لهذا الرجل الإنجليزي المقيم بنيوزيلندا فقط. بل في استخدامه لهذه الرخصة على الأقل لثلاث مرات أسبوعيا، لشراء احتياجاته من المتجر. من المدهش التفكير في أن المرة الأولى التي جلس بها خلف عجلة القيادة كانت عام 1922. ومع هذا، فالعالم مليء بأمثلة لأشخاص يعيشون حياة أطول وأفضل بفضل ما أولوه لأدمغتهم من عناية سنستعرض بعضهم وأسرار صحة أدمغتهم المذهلة.
في (أوكيناوا) تلك الجزيرة الصغيرة بجنوب اليابان يعيش السكان لفترة أطول بمتوسط عمر 85 عاما. أي بزيادة تبلغ ثلاث سنوات عن جيرانهم في الجزيرة الرئيسية. تعد (أوكيناوا) أكبر تجمع للمعمرين في العالم؛ حيث يتمتعون بصحة جيدة تثير الغيرة. يعيش المعمرون على هذه الجزيرة، حياة نشطة، يقومون بأداء الأعمال المنزلية، والزراعية، يركبون الدراجات، لا يعيش سكان (أوكيناوا) لفترة أطول فقط، بل أنهم يتمتعون بقدرات ذهنية أفضل طوال حياتهم؛ حيث معدلات الخرف أو التدهور المعرفي المرتبط بالشيخوخة أقل بكثير مقارنةً بأماكن أخرى في العالم. وقد أصبح الجمع بين طول العمر وجودة الحالة الصحية لهؤلاء اليابانيين موضوعًا للعديد من الدراسات. وعلى الرغم من البحث الدءوب عن الجين المفسر لطول العمر، إلا أن المجتمع العلمي لم يتمكن من العثور على التركيبة الجينية التي تفسر هذا. ومن ناحية أخرى، تشير الأدلة العلمية إلى أن عادات وتقاليد هؤلاء السكان تجعلهم يقاومون الشيخوخة، والدليل على هذه النظريات هو ما حدث عند انتقال مجموعة من سكان (أوكيناوا) إلى البرازيل لاستخراج المطاط خلال ثلاثينيات القرن الماضي. وقد غير هؤلاء المستوطنون نظامهم الغذائي من استهلاك الأسماك والخضراوات إلى استهلاك اللحوم. كما غيروا أنماط أخرى من حياتهم، وكانت النتيجة كارثية. لقد عاش أفراد تلك المجموعة الصغيرة 17 عاما أقل من أقاربهم الذين لم يغادروا (أوكيناوا) أبدًا. مما اعتبره كثيرون دليلا على التأثير القوي للبيئة المحيطة بنا على صحة دماغنا. حاليا تتركز الجهود على اكتشاف خصائص نمط الحياة على تلك الجزيرة، وتأثيرها الفعال والحاسم على صحتهم. منذ سبعينيات القرن العشرين، ركزت دراسة المعمرين في (أوكيناوا) على هذا الهدف، وقد نحت الخرافات جانبًا، فتوصلت إلى نتائج مثيرة للاهتمام، وكان أكثرها إثارة للدهشة هو ما يتعلق بارتفاع مستوى الهرمونات الجنسية لدى الرجال والنساء على حد سواء. وحسب الباحثين الذين يدرسون هؤلاء السكان منذ أكثر من 30 عاما، فإن سر الحياة الطويلة بشكل عام يكمن في الجمع بين التغذية السليمة، والحياة الهادئة، وروابط اجتماعية قوية إلى جانب نشاط بدني معتدل، وحياة روحانية مميزة.
ليست (أوكيناوا) المكان الوحيد الذي قام العلماء بدراسته لمقاومته لمرور الزمن. العجيب أن الأماكن الأخرى التي ركز عليها العلماء هي جزر أيضًا. تتشارك مع سكان (أوكيناوا) في بعض العادات والتقاليد. في الجزيرة اليونانية (سيمي)، فاحتمالية بلوغ المئة عام قرابة ضعف احتمالية بلوغها في اليونان القارية؛ حيث يعيش سكانها في المتوسط ثلاث سنوات أطول. وفي الجزيرة الإيطالية (سردينيا) توجد عائلة (ميليس)، أكبر عائلة معمرة في العالم تتكون من تسعة أخوة، ومجموع أعمارهم معًا أكثر من 818 عاما؛ حيث يؤكدون أن السر وراء طول أعمارهم هو اتباع نظام غذائي صحي يعتمد على الأطعمة الطازجة من ثمار حدائقهم، فضلا عن الأسماك التي تشتهر بها المنطقة. إلى جانب العمل في الزراعة، التي يكرسون لها كل دقيقة من وقتهم. يرى العلماء أن سكان كلتا الجزيرتين يتشارك بعض السمات. مثل الروابط الأسرية، اعتماد النظام الغذائي المتوسطي، وتيرة الحياة الهادئة، الانخراط في الأعمال المنزلية والزراعية طوال حياتهم، واعتداد سكانهم بأنفسهم.
المدهش، أن أكثر ثلاث مناطق يتمتع سكانها بطول أعمارهم على هذا الكوكب من الجزر. وأن الأربع عشرة من أصل خمس عشرة دولة ذات أعلى معدل لمتوسط العمر في العالم محاطة بالبحار. على الرغم من أن مؤشر ثراء أية دولة يرتبط ارتباطًا كبيرًا بمتوسط العمر المتوقع لسكانه (ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى الموارد الصحية). إلا أن هذه المجموعة المختارة لا تضم العديد من أغنى الدول في العالم. فدول مثل ألمانيا، النمسا، أو الولايات المتحدة تفسح المجال لصالح دول أكثر تواضعًا، لكن للبحر تأثيرًا كبيرًا في نظامها الغذائي ونمط الحياة التقليدية مثل اليونان مالطا، أو إسبانيا، لكن الدولة الوحيدة غير الساحلية التي تظهر في هذه القائمة هي سويسرا. ربما تكون ليست أكثر من مصادفة. ففي النهاية، فإن 75% من الدول محاطة بالبحار، لكنني أحب عادة ذكر تلك المعلومة؛ لأنها تساعدني بالفعل في توضيح أمر مهم. أثار سكان (أوكيناوا)، (سيمي)، و (سردينيا) انتباه الباحثين إلى تتبع فائدة تناول السمك على دماغ الإنسان، وهو أمر مشترك في النظام الغذائي للدول التي تطل على ساحل البحر المتوسط، واليابان وأيضًا العديد من الدول المدرج سكانها في قائمة الدول الأطول عمرا في العالم. حاليا تعكف عدة فرق علمية على دراسة فائدة الأوميجا 3 (الموجودة بكميات كبيرة في السمك الأزرق) على شيخوخة الدماغ، والوقاية من أمراضها.
بعد تتبع تأثير استهلاك السمك الأزرق، لا بد لنا من وقفة للتعرف على شعب الإسكيمو الذي يعيش في منطقة الدائرة القطبية الشمالية الممتدة عبر ثلاث قارات، يشتهر سكانه بمقاومتهم الهائلة للسكتات القلبية، وتقريبا لا يتم تسجيل حالات إصابة بأمراض الأوعية الدموية الدماغية بينهم، يتضمن نشاطهم اليومي درجة عالية من تمارين القلب والأوعية الدموية؛ حيث يتطلب صيد الحيوانات البرية وصيد الأسماك في تلك المناطق جهدًا هائلا لإنجازه. مثلما يفعل جيرانهم اليابانيون وسكان البحر المتوسط. بنظام غذائي غني بالسمك الأزرق والمزيد من الأوميجا 3 التي توفرها طبقة الدهون.
بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهادئ، نصل إلى الهند ثاني أكبر دولة مأهولة بالسكان في العالم، لعدة سنوات ساد الاعتقاد أن لدى سكانها مناعة معينة ضد الزهايمر؛ لأن معدل الإصابة بهذا المرض كان أقل بكثير مما هو عليه في بقية أنحاء العالم. واليوم، مع توافر بيانات أكثر دقة، أصبحنا نعرف أن الفارق ليس كبيرًا كما كان يُعتقد، لكن في الواقع، فإن نسبة كبار السن المصابين بالزهايمر أقل مما هي عليه في الدول الغربية. وبعد عدة سنوات من الأبحاث، ظهر أن المسئول عن جعل سكان شبه الجزيرة الهندية أكثر مقاومة لمرض الزهايمر هو أحد مكونات الكاري. رغم أن الكثيرين يعتقدون أن الكاري نوع من التوابل، لكنه في الحقيقة كلمة هندية تعني "صلصة"، وهي صلصة يتم إعدادها بالعديد من التوابل (بعض الأنواع من الكاري تحتوي على ما يصل إلى 20 نوعا من التوابل). من وسط كل تلك الأنواع، ركز الباحثون اهتمامهم على الكركم، وهو نوع من التوابل صفراء اللون التي يتم استخراجها من نبات يحمل نفس الاسم، ويبدو قادرًا على تثبيط تراكم أحد البروتينات المرتبطة بمرض الزهايمر، وهو بروتين بيتا أميلويد. ليس لدينا معلومات كافية حتى الآن، وبالطبع يبدو من الواضح أن الكركم ليس الحل النهائي للتدهور المعرفي، لكن شركات الأدوية تجري بالفعل تجارب سريرية، وقد يكون مفتاحا آخر في حل لغز مرض الزهايمر.
في رحلة الحفاظ على الصحة الدماغية، علينا أن نتوقف في فرنسا؛ لأن نظامها الغذائي بالفعل يخفي بعض المفاتيح لما يجب، وأن تكون عليه التغذية الصحية للدماغ. ولأن أكبر معمرة على الأرض قد عاشت في هذه الدولة.
إن تحديد عمر الأشخاص ذوي الأعمار الطويلة بشكل استثنائي، ينطوي دائما على تحد متمثل في التأكد من تاريخ الميلاد والذي قد يرجع إلى قرنين من الزمن (من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين)، حينها لم يكن هناك توثيق لتواريخ المواليد في العديد من الدول؛ لهذا يظهر في أجزاء مختلفة من العالم من فترة لأخرى من يدعي أن جدهم أو جدتهم قد دخلت موسوعة جينيس مؤكدين على أنه أو أنها أكبر معمر على الأرض، لكن بدون توثيق محدد؛ لأن هذا ببساطة غير ممكن. ربما لهذا السبب عاش أكبر معمر في أحد البلدان الأوربية؛ حيث أصبح توثيق السجلات روتينيا في أواخر القرن التاسع عشر. تُوفيت (چین كليمنت) عن عمر يناهز 122. وُلدت في عام 1875 وتُوفيت في عام 1997. يبدو أنها قد تُوفيت منذ فترة قريبة نسبيا، لكن حتى أوضح لك مدى طول عمرها، فقد كانت (چین کلیمنت) جدة بالفعل قبل ثلاثة عشر عاما من بداية الحرب العالمية الثانية، وبسبب ثروة زوجها فقد عاشت دون أن تعمل وتفرغت لهواياتها، كما كانت امرأة رياضية، قارئة، ومنفتحة على التجارب الجديدة. ومن المحتمل أنها تمتعت بمباهج المطبخ الفرنسي، الشهير بالمزيج المتناقض بين العادات الصحية للغاية والضارة للغاية، يصف العلماء هذه المفارقة في النظام الغذائي الفرنسي بأنه بالإضافة إلى العادات الجيدة المرتبطة بالنظام الغذائي الخاص بالبحر المتوسط، مثل استهلاك الخضراوات، البقوليات، وزيت الزيتون، وبشكل خاص جدا الاستهلاك المعتدل للنبيذ، فإن هناك أيضًا شغفا زائدًا بالدهون الحيوانية. بمعنى، يعشق الفرنسيون الجبنة، كبد الأوز (الفوجرا)، لحم البط، كذلك إضافة القشدة في الكثير من وصفاتهم، لا غرابة أن أطباقهم لذيذة، لكن من الصعب تحقيق التوازن بين استهلاك الأطباق الصحية والأطباق غير الصحية بشكل عام، يعاني الفرنسيون نسبًا أقل من حالات النوبات القلبية والسكتات الدماغية، مما يوحي بأن الفوائد الصحية للنظام الغذائي تعوض عن التجاوزات.
على الجانب الآخر من الأطلنطي، في الولايات المتحدة الأمريكية، تشارك مئات الراهبات من مختلف الجماعات في جميع الأنحاء في دراسة مثيرة للاهتمام حول الشيخوخة الدماغية، خلف جدران الأديرة العتيقة، تم العثور على معلومات مهمة حول كيفية الحفاظ على القدرات العقلية في مواجهة الزهايمر وأنواع أخرى من الخرف المعرفي، تخضع هؤلاء الراهبات سنويًا إلى دراسة دقيقة لذاكرتهن حتى وفاتهن؛ حيث يتم إجراء تشريح للدماغ، كان الهدف من الدراسة المعروفة باسم "دراسة الراهبات"، هو تحديد المشاكل المرتبطة بالذاكرة التي يمكن أن تعمل كإشارات لاكتشاف مرض الزهايمر وأمراض دماغية أخرى. المثير للاهتمام أن وجد الباحثون حالة راهبة تحدت ما كان لدينا من معرفة حول مرض الزهايمر حتى ذلك الحين، توفت الأخت (بيرناديت) بأزمة قلبية عن عمر يناهز 84 عاما، توقع الجميع أن يجدوا دماغها في حالة سليمة تماما بالنظر إلى أن نتائج اختبارات ذاكرتها كانت وعبر سنوات ممتازة، وقد عاشت حياة نشطة جدا في الدير. بالرغم من ذلك، عند تحليل دماغها، وجدوا إشارات تدل على أنها كانت تعاني حالة متوسطة من الزهايمر. الغريب أنه في كل الأحوال، كان يجب أن تؤدي درجة التأثر بالمرض والتي ظهرت في دماغها إلى مشاكل كبيرة بالذاكرة. ومع ذلك لم يحدث. وقد أكد هذا الاكتشاف ما اشتبه به الباحثون لعدة سنوات وهو: أن الدماغ المثقف أكثر مقاومة للإصابة الدماغية، وأمراضها. أكملت الأخت (بيرناديت) دراستها الجامعية، سافرت في بعثات إلى دول بمختلف أنحاء العالم، كانت تتحدث عدة لغات تحب القراءة، عملت كمدرسة في سنواتها الأخيرة بأحد المعاهد وكانت مشغولة بتنظيم الأنشطة المنزلية للمجتمع. وعليه، وفقا لجميع الباحثين، فقد منحها نمط حياتها مخزونا معرفيا كبيرا، وهو مصطلح يشير إلى مقاومة كبيرة للتدهور العقلي الناجم عن التعرض إلى مستوى عال من اكتساب المعرفة بمعنى، يبدو من الواضح في هذه الدراسة، ودراسات أخرى أن العقول الأكثر ثقافة تكون أكثر مقاومة للخرف.
على بعد عدة كيلومترات قليلة من تلك التجمعات، يقع مستشفى (جونز هوبكنز)؛ حيث تلقيت تدريبا كمختص في علم النفس العصبي، وهو أحد أعظم المراكز على مستوى العالم في دراسة الأمراض العصبية. عندما كنت أقوم بالتدريب في هذا المستشفى، شاركت في واحدة من أكثر الدراسات الرائدة في ذلك الوقت حول مرض الزهايمر، كان هدف تلك الدراسة هو اكتشاف الجينات التي تحدد عمر ظهور مرض الزهايمر. حينها، كنا نعرف الكثير من الجينات المرتبطة بمرض الزهايمر، وكان معظم الباحثين مقتنعين بأنه بمجرد أن يتم تسلسل الجينوم البشري بالكامل سنتمكن من أن نعرف بالتفصيل من سيصاب بالمرض. وفي أية مرحلة ستظهر الأعراض. وكم من الوقت سيعيش مع ذلك، فقد أثبت مرور الوقت أن افتراضاتنا كانت خاطئة، فقد ثبت أن علم الوراثة مجرد جزء صغير من لغز الاضطرابات العصبية، والدليل على ذلك نتائج الدراسات التي أجريت على التوائم. لقد أظهرت هذه الدراسات أنه في بعض الحالات، يُصاب أحد التوأمين بالزهايمر، لكن يظل الآخر متمتعا بصحة جيدة طوال حياته. إننا نتحدث عن التوأم المتماثل؛ حيث لا يوجد بينهما أي اختلاف في الجينات بين الأول والثاني. وبالمثل، عرفنا أيضًا أنه في حالة إذا أصيب الأخوان بالمرض، فمن المعتاد أن يكون هناك اختلاف في توقيت الظهور يتراوح ما بين سنة إلى عشر سنوات. فقد يظهر المرض في أحد الأخوين بعمر 70، بينما قد لا يظهر على توأمه أي أعراض حتى عمر الثمانين.
وحتى تتم توعية الناس بالدور المحدود الذي تؤديه الجينات في شيخوخة الدماغ، عادةً ما أذكر لهم هذا التشبيه. فلنفترض أن جارك قد قام بشراء سيارة فاخرة تم طلاؤها بأفضل الدهانات المتاحة في الأسواق. ومع ذلك، فإن جارك رجل مهمل، ولا يهتم بالأشياء، لا يغسل السيارة إلا مرة أو مرتين في العام ويتركها مركونة في الشارع ليل نهار، فتتعرض لأشعة الشمس طوال النهار، ولبرودة الحرارة أثناء الليل. وإذا حدث وتركها يوما تحت شجرة. فستغرقها العصافير بفضلاتها، وهو أمر لا يهتم له كثيرا. على الجانب الآخر، أنت إنسان شديد الحرص، لديك إحدى تلك السيارات الفولكس فاجن الثمينة من أيام الدراسة. وقد تم طلاؤها بطلاء عادي، لكن على العكس من جارك، فأنت تعتني بها، تبقيها ليلا في جراج محمية من البرودة وأشعة الشمس، تقوم بغسلها كل 15 يوما بالصابون، ولا تنسى أبدا تلميعها، وتتجنب ركنها أسفل الأشجار المليئة بالعصافير؛ لأنك تعرف التآكل الذي يمكن أن تحدثه فضلاتها، وتقوم بإصلاح أي خدش بمجرد أن يتوافر لديك الوقت حتى تمنع الصدأ من إتلاف المعدن وتدمير الطلاء. السؤال الذي أطرحه عادة بسيط للغاية بعد 60 عاما. تعتقد أي من السيارتين ستكون في حال أفضل؟ بالتأكيد، لقد فكرت كما يفعل الجميع، أن السيارة الفاجن تبدو أفضل، يحدث نفس الشيء مع الجينات كما في الطلاء، يولد كل منا بطلاء مصنع، وهو جيناتنا بعضها أكثر مقاومةً لمرور الزمن. للأكسدة. وللضغوط. أو للإهمال، لكن بغض النظر عن الجينات التي تمتلكها، تعتمد صحة دماغك بشكل كبير على ما أوليته له من رعاية، أشاهد هذا يوميًا في عملي، يتم محاصرة الجينات الجيدة وهزيمتها بسهولة بسبب التدخين، الكوليسترول، أو التوتر. بما في ذلك الأمراض التي تحتوي على مكون وراثي مرتفع مثل مرض الزهايمر، يجد الباحثون في كل مرة دلائل أكثر على أن الرعاية التي توليها طوال حياتك إلى خلاياك العصبية يمكن أن تكون حاسمة.
سننهي رحلتنا في أوربا القديمة. وإذا سألنا أكبر الخبراء في العالم عن مرض الزهايمر فسيتفق معظمهم على أن دور كل واحد من تلك المكونات في الوقاية من هذا المرض لا يزال طور الاستكشاف حتى الآن. بالتأكيد، رغم وجود دراسات تظهر فوائد الأوميجا 3، إلا أن هناك دراسات أخرى تستبعدها. وبالمثل الكركم، ممارسة الرياضة، أو تقريبا أي مكون آخر عن الصحة الدماغية نرغب في تحليله من المحتمل جدا، أن يكون تأثير كل مكون من تلك المكونات ضئيلا للغاية لتقديم معلومات قيمة؛ ولهذا السبب تحديدا، درست مبادرة أوربية للوقاية من مرض الزهايمر، تضم فرق بحث من هولندا، السويد، فنلندا، وفرنسا، جميع هذه العوامل مجتمعة، كان هدف الباحثين هو الكشف عما إذا كان إلى جانب التأثير الفردي للتغذية أو أي عامل آخر، نمط الحياة مفيدًا لتعزيز صحة الدماغ بشكل عام، وفي الوقاية من مرض الزهايمر، وأنواع أخرى من الاضطرابات التنكسية العصبية. وقد جاءت نتائج هذه الأبحاث مشجعة للغاية وباعثة للأمل؛ حيث أخفق الآخرون. فقد عرفنا بفضل تلك الدراسات أن اتباع نمط حياة صحي للدماغ يمكن أن يكون شديد الفاعلية في تأخير الشيخوخة الدماغية، والوقاية من بعض أمراضها، وتأخير ظهور وتطور البعض الآخر. كما ركزت بعض المعلومات التي قدمتها الأبحاث، على أن نمط حياة صحي للدماغ مفيد للغاية حتى أنها تدعي أنه يمكن الوقاية من أكثر من 3 ملايين حالة من مرض الزهايمر في العالم عن طريق الحد من ممارسات معينة مثل التدخين، سوء التغذية، والكسل. ومن المثير للاهتمام، أن وجدت العديد من الدراسات أن تلك المجتمعات الأكثر مقاومة للأمراض العصبية مثل سكان أوكيناوا، الرهبان البوذيين، أو السكان الأصليين في شبه جزيرة نيكويا في كوستاريكا، يندرجون أيضًا ضمن تصنيف أكثر سكان الأرض سعادة. رغم أننا لا نزال لا نستطيع تحديد المكون الحاسم أو المعيار المحدد لكل منها بدقة تامة. إلا أن معظم العلماء يتفقون على أن العادات، ونمط الحياة يمكن أن يمنعا الأمراض العصبية، وأن الصحة الدماغية يمكن تعزيزها.