روي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: (إن أحببت سلامة نفسك وستر معايبك فأقلل كلامك وأكثر صمتك، يتوفر فكرك ويستنر قلبك) (1).
الدين الإسلامي يأمر أتباعه بسلوك مسلك اجتماعي خاص، وليس منهج اعتقاد قلبي وإيماني فقط بل هو منهج متكامل للدين والدنيا، ويعطي قيمة لحياة الإنسان الاجتماعية الواقعية، بمعنى أن الإيمان والاعتقاد بالله تعالى وثوابت الاسلام، كل هذه الأمور المهمة التي يتوقف عليها إيمان المؤمن تتجسد في الممارسات العملية التي هي مبدأ التراحم بين الناس والتكافل للمعوزين والمحتاجين من قبل أهل الخير والمال، والتناصح ما بين الأفراد، والمودة والمحبة للمجتمع، والإحسان وغيرها الكثير من أسس التعامل المجتمعي، فقد قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، وهذا يستدعي من المؤمنين اتخاذ أكثر ما يلزم من الواجبات الشرعية لبعضهم بعضاً، وهذا يولد حالة يقينية لا شك فيها في ذهن المؤمن بأنه لا يعيش وحده بل يعيش ككيان واحد كالجسد الواحد يحتضن الجميع، فأي حالة سلبية تحدث عند بعض المؤمنين تعد حالة سلبية عند باقي المؤمنين ولذا تراهم يهبون لعلاجها جميعا، حالهم حال المريض عند قوم كأنهم هم المرضى عندما يرونه على هذا الحالة المؤلمة وهو يتألم ويتأوّه من شدة الوجع الذي سببه المرض، فلا تهدأ أنفسهم حتى يعالجوه من مرضه، ويبذلون الغالي والنفيس لتخليصه من هذا الابتلاء الذي اعتراه، وهذا ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعی سائره بالسهر والحمى) (2).
إن إشغال الفكر بكيفية إيجاد الأعمال الصالحة، والحث والعمل على مساعدة الناس، والسعي الجدي على تفريج كروبهم، يعد ركيزة أولى من ركائز تغير العادة السيئة واستبدالها الى عادة حسنة محبوبة لله وممدوحة للمجتمع.
فهذا هو الخير بعينه وعيانه، فالإنسان الذي جعل نفسه منهمكة في خدمة الناس، والمشي في قضاء حوائجهم تراه لا يجد وقتا للكلام الزائد الذي لا منفعة فيه ولا نفع منه، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بالفلاح؛ لأنهم من جملة ما امتنعوا عنه اللغو الزائد والذي وصفه القرآن بـ (اللغو) حيث قال عز من قائل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 1 - 3]، وأيضًا قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55].
الإيمان بأن الكلام الكثير والثرثرة تؤدي بلا شك في النهاية إلى كثير من الأخطاء والزلل في حق الله تعالى والناس، ففي الأثر من كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه كثرت سيئاته، ومن كثرت سيئاته كانت النار أولى به، فالذي يتكلم كثيرا ويثرثر يكون عرضة أكثر للوقوع في آفات اللسان من غيبة ونميمة وكذب وغير ذلك، وفي الحديث الشريف ندب من النّبي (صلى الله عليه وآله) إلى ترك فضول الكلام حيث قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت) (3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الأخلاق في القرآن الكريم، ناصر مكارم الشيرازي: ج 1، ص 273.
2ـ بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج 58، ص 150.
3ـ الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، ص 6.