0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

إصلاح وإعمار الدنيا والآخرة

المؤلف:  الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

المصدر:  الإسلام والبيئة

الجزء والصفحة:  ص234ــ241

2026-08-27

20

+

-

20

يزعم البعض أن فلسفة التكليف الإلهي للعباد ليست إلا إعمار الآخرة. فمن كان من أهل الصلاة والصوم والحج والزكاة عليه أن يُفكر بإصلاح آخرته ولا ينبغي أن يشغله أي شاغل في الأمور الدنيوية لأنه يتخلف عن العمل للآخرة، فقاموا بتعزيز هذا التصور الآفل والزعم الفائل وتبليغه مـن أن أهل الدين لابد وأن يتركوا الدنيا إلى غيرهم ويحافظوا على الآخرة بشكل جيد، وكأن رحى التكليف تدور حول الآخرة لا غير والدنيا خارجة عن نطاقه. ثم وسعوا دائرة زعمهم وقالوا الهدف من الدين وبعثة الأنبياء هو الدعوة إلى الآخرة وعبادة الله فقط لا إصلاح الدنيا وإعمارها وفوائد التكاليف تظهر وتتجلى في الآخرة لا في الدنيا وعلى الديانين أن يبرمجوا لآخرتهم وأن يتركوا الدنيا بيد العقلاء في المجتمع.

إن هذا التحليل ناهض من فكرة فصل الدنيا عن الآخـرة ويحتاج في موضعه إلى جواب مستدل وإن من أهداف الدين المهمة هي الإجابة علـى إشكال فصل الدنيا عن الآخرة وزعم اختصاص دور الدين بإصلاح الآخرة، وقد توصل هؤلاء إلى هذه النتيجة الباطلة عبر توهّم الفصل بين العقل والدين وهو ناتج من مقدمات وضعوها خاطئة وباطلة. فإن العقل غير مفصول عن مصادر معرفة الدين، بل هو جزء رسمي من تلك المصادر ومنشأ للتعاليم الإلهية والتكاليف الدينية. وإن العقل والنقل المعتبر يشكلان أساس معرفة الدين والمتعبدون بالتكاليف الإلهية هم من العقلاء بل من أعقل أفراد المجتمع.

ولا يصح أن يقال بأن إصلاح الدنيا على عاتق المثقفين وأهل الدين لابد وأن يفكروا بإعمار آخرتهم ويشهدون آثار تدينهم هناك، أو أن يقال بأن التكليف للمكلفين يبعث على الجمود والركود والسكون والحال أن إصلاح الدنيا بحاجة إلى حركة ونهضة وثورة.

وإن مثل هذا الحكم على أهل الدين من قبل طائفة خاصة بإمكانه أن يكون وليد التجاهل عن عمد أو الغفلة أو النظرة السطحية للدين وما إلى ذلك وعبر مزيد من التدقيق والتعمق في النصوص الدينية يمكن الاستنتاج بأن الهدف من التكليف هو إصلاح وإعمار الدنيا والآخرة. فإن السير في مسير الدين وإجراء أحكامه بالإمكان أن يُؤمّن المنافع الدنيوية وأن يضمن المنافع الأخروية أيضاً، ولكن لابد من الالتفات إلى هذه المسألة وهي أن منافع الدنيا لا تتحدد باللذات الصورية والتصنعية، وإن كان هناك اختلاف وصراع في هذا الشأن فهو لا يرتبط بأصل المسألة بل لعله يعود إلى مفهوم المنافع.

التأكيد على الدافع الإلهي عند العمل في الطبيعة

يتعامل الإسلام مع حس المنفعية لدى الناس تعاملاً إيجابياً ولكنه يرفض الإفراط والتطرف فيه وينبغي لتبيين رأى الإسلام الدقيق فـي حـس المنفعية الإشارة إلى معلم آخر في هذا المجال. فإن مدرسة الإسلام الإلهية لا تحبذ التوقف عند مثل هذا الحس ولاسيما للذي يطلب كمالاته الإنسانية والروحية، وترى ضرورة ارتقاء الهدف لدى الأشخاص من الأمور المادية والمنافع الشخصية إلى الدوافع الإلهية السامية، لأن الإنسان في تعاليم الإسلام الإلهية لا يتقرب إلى الله من خلال الدعاء والصلاة والصيام وأداء مناسك الحج فحسب، بل قد تكون شؤون حياته العرفية والطبيعية كالمعاملات وتأمين المعاش و... - سلّماً للتقرب إلى الله وسبباً لتكامله الروحي والمعنوي.

وهناك ثمة روايات في هذا المجال تنبأ عن وجود العلاقة بين الأمور المعيشية والمعنوية كالتي تقول بأن الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله(1) أو أنه طلب الآخرة(2).

تؤكد هذه الإشارات والتنبيهات على إمكانية تقرب الإنسان إلى الله في ضوء التمتع بالأمور الظاهرية والدنيوية فيتعلّم الناس القيام بسد احتياجاتهم المادية وتدبير أعمالهم الاقتصادية والمعيشية وعدم التغافل أيضاً عن تعزيز الجانب الإنساني والقرب إلى الله، وقد قال الله واصفاً هؤلاء: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37]، إذ لا يوجد من الأساس تناف وتناقض بين مقولة التجارة والنشاط الاقتصادي وبين ذكر الله وبالإمكان أن تسير بأجمعها صوب اتجاه واحد ونحو هدف واحد.

وترد هنا مسألتان مزعومتان لابد من إماطة اللثام عنهما:

1- يتصور البعض أن دين الله الذي يُرغّب الناس على مراتب أسمى من الدوافع والنيات ويطلب منهم ألا يعطفوا تمام همتهم إلى الأمور المادية واكتساب المنافع الفردية فحسب وأن يُفكروا بالكمالات الإنسانية ويعتبروا الدنيا معبراً للتقرب إلى الله يسبّب بذلك إعراض الناس عن الاهتمام بالمسائل الاقتصادية، والحال أن التأمل في ما ذكرنا سابقاً قد يؤدى حتى إلى الخروج بما يخالف هذه النتيجة لأن التعاليم الإلهية لا تدعوا الإنسان إلى إزالة وتضعيف دافعه في إنجاز الأعمال الاقتصادية بل تحرّضه على استبداله بمراتب أسمى وأقوى من دوافعه الخيالية والطبيعية.

ولا شك أن الدوافع المادية والدنيوية لا تـصـل قـط إلى قوة الدوافع الاعتقادية والقلبية وميزتها وإن الأشخاص الذين يحملون دوافع اعتقادية يصلون إلى أهداف أشد وأقوى بمراتب من الأمور الدنيوية، ولذا إن كانت النشاطات الاقتصادية تساندها مسائل اعتقادية ومعنوية فلا شك أنها ستتصف بمزيد من القابلية والجودة، وبما أن الإنسان المعتقد لا يحصر نتيجة أعماله بسد احتياجاته المادية ويرى مزيداً من القيمة لثمرات نشاطاته، يبذل سعيه وجهده بهمة وجدية مضاعفة.

2- يزعم البعض أن الإسلام الذي أوصى الناس بأن لا يحددوا نيتهم بالأمور الدنيوية وحس المنفعية وينظرون إلى مراتب أعلى، لا تتمتع الدنيا في رؤيته بقيمة بالغة وأساساً بما أن الدين ينظر إلى الدنيا نظرة تبعية وعرضية يكون إعمار الأمور الدنيوية وتنظيمها خارج عن نطاق اهتمام الإسلام والإدلاء برأيه، ثم يستنتجون بأن الإسلام بما أنه لا يعتني بإعمار الدنيا واهتمامه مختص بإصلاح الأمور الأخروية فمن أراد أن يستفيد من دنيا عامرة ومنتظمة لا يلزمه الرجوع إلى الدين بل يكفيه الرجوع إلى العلوم الدنيوية والتجريبية ويستعين بها لبناء حياة أمثل في الدنيا ومن أراد أن يستفيد من آخرة عامرة لابد له من الرجوع إلى الدين والعلوم الدينية.

والظاهر أن بيان كون الدنيا والأمور الدنيوية عرضية وتبعية من منظار الدين يزيل هذا الزعم المشار إليه ولكن للابتعاد عن البحـث اللفظـي مـن الأفضل أن نكتفي بهذا المقدار وهو أنه إن كان مراد المستشكل من تبعية الدنيا هو أن الدين لا يعد الأهداف المادية الصرفة موقفاً مناسباً للإنسان الطالب للكمال ولا يعتبر الدنيا الوسيلة الوحيدة لنيل الكمالات الإنسانية ويعد اعتبار الدنيا هدفاً يتنافى مع فطرة الإنسان الطالبة للحق فقد أشار إلى مسألة صحيحة.

ولكن لا يُعلم كيف قد تم الربط بين هذا الكلام وبين عدم اهتمام الدين بإعمار الدنيا. وكأن الغايات والأهداف هي الجديرة بالاهتمام لوحدها وباقي الأمور، حتى الوسائط منها التي تمهد السبيل للوصول إلى الأهداف لا تجدر بالعناية والاهتمام، ولكن بأدنى تأمّل يظهر بطلان هذا الزعم وأنه لا أساس له ويتضح أن عدم كون الشيء هدفاً ذاتياً لا يستلزم سقوطه عن الاعتبار وإغفاله وإهماله.

فإن للدنيا والنعم الدنيوية دور مهم جداً فـي الالتزام بالدين ونيـل الكمالات الإنسانية والمراتب الحقيقية للإنسان - التي تتجلى وتظهر فـي الآخرة ـ بحيث أنه قد تم التعبير في الروايات عن النعم والإمكانيات المادية بأنها خير معين لطلب الآخرة فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال في هذا الشأن: ((نعم العون على الآخرة الدنيا))(3).

ومن جانب آخر فقد أشير في الروايات إلى أن المشاكل المعيشية والضيق

والفقر من الموانع الجدية للعمل بالدين كما في دعاء مشهور لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث أشار فيه إلى الخبز - الذي هو رمز للنعم الدنيوية ـ معتبراً فقدانـه يسبب تزلزل أركان التدين في المجتمع حيث يقول: ((اللهم بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه فلولا الخبز ما صلّينا ولا صُمنا ولا أدينا فرائض ربنا))(4).

فمن خلال النظر إلى التأكيدات الكثيرة في متون الإسلام النقلية التي تعتبر الإمكانيات الدنيوية أمراً ضرورياً ولازماً لنيل الأهداف السامية وفقدانها من أشد موانع الوصول إلى الكمال، لا يبقى مجال لادعاء عدم اهتمام الدين بالدنيا وإعمارها وإن للدين عناية خاصة بالنعم والإمكانيات الدنيوية كما أبان ذلك عملياً أيضاً وقد أكد بشكل جادّ على تحصيل الإمكانيات المادية والدنيوية رغم امتناعه عن وضعها في عداد الغايات والأهداف الذاتية للإنسان وذلك لما تتمتع به من موقع خاص.

ومن جانب آخر حيث اتضح الآن اهتمام الدين الخاص بالدنيا وإعمار الأمور الدنيوية ووصيته للإنسان بالجد والاجتهاد في هذا الطريق لتحصيل الإمكانيات الدنيوية، يُثار هذا السؤال وهو أن الإنسان هل يمكن اعتباره حراً في كيفية تحصيل الإمكانيات بالكامل؟ وهل يتأتى له سلوك أي طريقة لتهيئة الإمكانيات الدنيوية أو الانتفاع بها؟!

بأدنى مراجعة للعقل والنقل يتضح أن للدين طريقة خاصـة فـي تحصيل الإمكانيات الدنيوية واستخدامها والناس لم يُتركوا سدى وأحراراً فـــي هـذا المجال بتاتاً وإن إطار الدين في كيفية التعامل مع الدنيا بالإضافة إلى أنه يهيء أرضية التقارب بين اكتساب القيم الإنسانية والإمكانيات الدنيوية، يُعبد الطريق لنيل إعمار الدنيا وتنظيمها على النحو الأمثل والمباحث التي ترد في الحقل التالي شاهد على هذا المدعى إلى حد ما.

ولذا فإن الإنسان المتدين لا يتغافل بتاتاً عن طريقة الدين ورؤيته الخاصة في التعامل مع الدنيا والإمكانيات المادية بل ويعتبر أن الوصول إلى دنيا أكثر عمارة وانتظاماً مرهون باستخدام هذه الطريقة. فهو مكلف بأمر من الدين أن ينتفع من أحدث العلوم والتقنية العصرية وأن يستخدمها في حياته، ولكنه لا يحدد الوصول إلى الدنيا العامرة ويحصره باستخدام هذه الأمـور بـل يعتبر الوصول إلى الدنيا العامرة لا يتحقق إلا في ضوء التناغم والتلاحم بين النقل والعقل وبتبعه استخدام العلوم العصرية.

ومن هنا لا يمكن التذرّع بعدم اعتبار الدين هدفية الوصول إلى الدنيا والإمكانيات المادية للخدش في اهتمام الدين بإعمار الدنيا وإن الأسلوب الخاص لرؤية الدين إلى الانتفاع بالدنيا ينفي الاتجاه المحض والحصري إلى العلوم الدنيوية وإن التلاؤم والتواؤم بين العقل والعلم وبين النقل يؤول إلى تشكيل دنيا عامرة منتظمة.

_________________________

(1) راجع وسائل الشيعة، ج 17، ص 67.

(2) راجع وسائل الشيعة، ج 17، ص 34.

(3) وسائل الشيعة، ج 17، ص 29.

(4) وسائل الشيعة، ج 17، ص 31. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد