واحدة من الأصول الثابتة في القرآن الكريم هي أن الله لا يسلب نعمة ولا يبدلها إلى نقمة، إلا أن يُغيّر المتنعمون ما في أنفسهم مـن أخــلاق وسجايا نفسانية؛ {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53].
تبين هذه الآية قاعدة كلية وسنة إلهية مستمرة وهي أن ما كان مــن عنـد الله فهو نعمة ورحمة؛ {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، والإنسان المتنعم مختار وبإمكانه عبر حسن استخدامه للنعمة أن يديمها على نفسه وأن يتمتع بنعمة خاصة أخرى من باب الأجر ويمكنه بسوء اختياره أن يبدل النعمة إلى نقمة وأن يستجلب الألم والعذاب لنفسه ويحجبها من فيض الله الخاص؛ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، أي أن الإنسان كما أنه يستطيع بسوء اختياره تبديل النعمة إلى نقمة يمكنه بحسن اختياره استبدال القبيح بالحسن، وبما أن الحسن نعمة على كل حال والنعمة خير والخير مساوق للوجـود فـإن الحسنات تكون من «عند الله» و «من الله» كذلك، لكن القبائح والسيئات فهي من الناحية الوجودية المتصفة بالخير والنعمة «من عند الله» وأما من ناحية قُبحها وسوئها المتصفة بالشر ليست «من الله» ولا تُنسب إليه بل هي منسوبة إلى الإنسان، وإن عدم نسبة الشرور إلى الله لا يتنافى مع التوحيد الأفعالي لأن جهات الشر والقبح فقدان ونقص وعیب والله سبحانه منزه عن العيب.
وعلى هذا الأساس ينسب القرآن الكريم السيئة والمصيبة والفساد في آيات كثيرة وبتعابير مختلفة إلى الإنسان؛ {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} [النحل: 34]، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41].
يستفاد من مجموع هذه الآيات وأمثالها التي أشرنا إلى بعضها نفس ما تم التصريح به في سورة «النساء» من أن الحسنات والسيئات من جهة أصل وجودها من عند الله: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]، والحسنات أيضاً لاتصافها بالخير والنعمة من الله أيضاً: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النساء: 79]، وأما السيئات فلاتصافها بالشر والقبح من الإنسان؛ {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79].
عندما انتصر المسلمون في معركة بدر وفرّ عدد من الأعداء وأسر جمع وعفي عن آخرين، قال الله سبحانه وتعالى مخاطباً النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128].
فعلى الإنسان أن يصل إلى هذه البصيرة وهي أن كل ما يملك وإلى أي منزل يرقى فمن فيض الله، لأن قوة الاختيار والإرادة وهداية العقل والفطرة من الباطن والوحي والنبوة من الخارج وسائر أسباب الترقي والتعالي كلها من الله.
فقد روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنه دعا الله سبحانه قائلاً في مقام شكر النعم الإلهية: ((فكلما قلت لك الحمد وجب علي لذلك أن أقول لك الحمد))(1).
فلا سبيل للإنسان إلا أن يكون مظهراً ومجرى لصفات الله وأفعاله وأقواله وإلا فهو حقيقةً لا يملك من نفسه شيئاً. وإن هذه البصيرة تؤدي إلى عدم سقوط الإنسان في وادى العجب والكبر الهائل؛ أي أن الجمع بين التكامل والتواضع يجعل الإنسان السالك الصالح مظهراً لله سبحانه: ((الدانـي فـي علـوّه والعالي في دنوه))(2)، لئلا يهبط إلى ضلالة فساد المباهاة التي فـي غير محلها كما ورد عن الإمام السجاد (عليه السلام) في دعائه أنه قال: ((وهب لي معالي الأخلاق واعصمني من الفخر))(3).
_________________________
(1) مفاتيح الجنان، مناجاة الشاكرين.
(2) الصحيفة السجادية، الدعاء 47.
(3) الصحيفة السجادية، الدعاء 20 (مكارم الأخلاق).